http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

أحمد الفيتوري: ليبيا دولةُ فائضة... عن الدورِ الأمريكي في المسألةِ الليبية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 39 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليبيا دولةُ فائضة



عن الدورِ الأمريكي في المسألةِ الليبية

(1)

أثناء الحربِ الأهليةِ اللبنانية في المنتصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين علق كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك "أن لبنان دولةٌ فائضة"، ويبدو أنه ثمة وشائج بين لبنان وليبيا، فالتدخل الاجنبي في البلدين كان دائماً لاعباً رئيساً في الشؤون الداخلية، وكان المُتدخل الرئيس منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية هو الولايات المتحدة الأمريكية التي اختزل وزيرُ خارجيتها الأشهر المسألة اللبنانية في حال "الفيوض" الذي هو حالٌ شائكٌ ومُربك، هكذا الدولة الكبرى في العصر الحديث تُشخص المسألة في أن دولة ما زائدة عن الحاجة، السؤال الذي يطرح فعلا ماذا يمكن أن نفعل بما هو فائض؟.

حتى الآن ومنذ عقود المسألة اللبنانية على الطاولة وتبدو كما لو أنها ملعب لقضايا الاقليم في شرق المتوسط، فهل ليبيا كذلك في الشمال الأفريقي؟، كل ما يتمظهر في المرآة يعنى المُشاكلة مع فارق أن الدور الليبي في خارطة الطريق الأمريكية: دور من هو خارج التاريخ والجغرافيا، السنيد المُشاغب من يظهر بين الحين والأخر ليخلط الأوراق، والبلاد التي تأوي "الاخوان المسلمين" الهاربين من مصر نهاية الاربعينيات، و"بن بلا" وجيش تحرير الجزائر في الخمسينيات، و"كارلوس" و"عيدي أمين"، والجيش الأيرلندي والساندنيستا في السبعينيات، والآن من كل الملل والنحل.

ما يتمشهد في الشمال الإفريقي هو تحويل ليبيا على مر العقود كوكر للشيطان، في ذات الوقت الذي يكون فيه التدخل الأجنبي صاحب الدور الرئيس، وعليه كما يبدو نحن لن نخرج من هذا المأزق ما لم نُقر بأننا "فائض قيمة" عند من تُخول لهم القوة لعب الدور الرئيس.

هكذا كما يبدو سنُحشر في الزاوية الحرجة، وسيُجعل منا جميعا كبش فداء لمطامعهم، وسنكون كجماعة مُهددة بقتال ليس لنا فيه ناقة ولا قعود، وكأفراد في خوف حيث كنا، فلا الثروة تجلب الأمان، ولا البعاد عن فوهة البركان الفائر يجلب السلامة.

(2)

تذكر الروايات ويذكر المُؤرخون، وجاء ذلك في كتاب "الحلم المكسيكي" للحائز على نوبل الفرنسي "لوكليزيو" أن هناك حلم مكسيكي، كان معروفا قبل وصول الاسبان شواطئ القارة الجديدة في الثامن من فبراير 1517م، مفاده أن أجداد المكسيكيين رووا لهم بأن أناسا سيأتون من هناك حيث تولد الشمس كي يحكموهم، ولم يحكموهم فحسب بل أزالوا الحضارة المكسيكية من الوجود.

في التاريخ الليبي الحديث ثمة حلم رواد الليبيين، تمثل في تأسيس دولة بين بحرين بحر الرمال الصحراء الليبية والبحر المتوسط جالب الغزاة. وموقع أمريكا في تاريخ هذا الحلم -الذي كما السراب الصحراوي-تمثل في اصطدام مبكر مع البحرية الامريكية، عهد الدولة القره مانلية فترة يوسف باشا، ما استثمره القذافي حتى أنهُ أنتج مُسلسلا تلفزيونيا أُعيد عرضهُ عديد المرات وهو "حرب السنوات الأربع"، وبالمقابل أنتجت أمريكا أكثر من فيلم حول ذلك الاصطدام الأول.

غبّ الحرب العالمية الثانية احتلت قوات أمريكية طرابلس الغرب، وحررت الغرب الليبي من الاحتلال الإيطالي الفاشي، وعلى ذلك ساهمت في تأسيس لبنات الحلم الليبي مقابل قاعدة عسكرية أمريكية كبرى عُرفت بقاعدة "هويلس"، بهذه القاعدة كونت أمريكا مُثلث برمودا العسكري في البحر المتوسط، أضلاع المُثلث: في آسيا قاعدة تركيا أتاتورك، في أوروبا قاعدة اسبانيا فرانكو، و"هويلس" في أفريقيا، وقبِل الليبيون مُرغمين هذه القاعدة.

القاعدة، كانت من قواعد  الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، و من لزوم ما لزم أمريكا ساعتها المساهمة في دحر انقلاب مُصدق في ايران ودعم انقلاب عبد الناصر في مصر، النهوض القومي العربي في منطقتنا كان زلزالا بعثر جهود الليبيين لبناء صرح حلمهم، ومن المساهمة البارزة للأمريكيين في ذلك، انقلاب عسكري للملازم الأول معمر القذافي من كان عمرهُ في سبتمبر 1969م لم  يتجاوز 28 سنة، ومن دام في السلطة عقوداً أربعة، تخللها بعض المناوشات مع الولايات المتحدة الأمريكية وأسطولها، مما جعل القذافي -الابن الضال- يُذكرنا بـ "حرب السنوات الأربع".

بعد فبراير 2011 م دخل الأمريكيون في التحالف الدولي لحماية المدنيين الليبيين من عسكر القذافي، وساهموا في اسقاطه ثم قتله  خلال شهور،ما بعد القذافي تواجد الأمريكيون في ليبيا بقوة حتى مقتل سفيرهم في بنغازي، ما جعل شرق ليبيا سماءً لطائراتهم دون طيار، ولا بد أن نُشير إلى أن التدخل الأمريكي هذا جاء لأول مرة ومنذ عقود بمطلبٍ شعبي مدعوم دوليا، وأن الأعلام الأمريكية التي كانت تُحرق في ساحات العالم صارت في ساحة "محكمة بنغازي" تُحمل كرمز للحرية، هكذا قدم الليبيون للأمريكيين فرصة تاريخية، لكن مقتل السفير عكرّ بحيرة الودّ والصفاء هذه، لقد تكونت غمامة في أجواء العلاقات الأمريكية الليبية فصرح بعض من ساسة الولايات المتحدة  أن ليبيا وشرقها خاصة قاعدة القاعدة ما يُفترض أنها العدو، لكن من يتابع التصريحات الأمريكية سيلاحظ حالة الاسترخاء الأمريكي تجاه المكان الليبي، كأنما ليبيا الجغرافيا المؤمنة والمضمونة أميركيا رغم المُعكرات، وكأنما المشهد السريالي الليبي مشهد هوليودي بامتياز.

الليبيون أنفسهم لم يدخل في روعهم أي سيناريو دولي، هم يعتبرون الحاصل تحصيل تفرعات ثورتهم المسلحة، ولا أحد أعار أي اهتمام للطائرات التي تسوحُ في سمائهم، وحتى أن بعض من قادتهم، المغلوبين على أمرهم، صرح مرات حول أجندات أجنبية في الصراع على السلطة. ولكن ما قبل وبعد ذلك في حالنا وحال غيرنا الولايات المتحدة اللاعب قلب الهجوم، وأن هذه المرحلة ما يسمى بالفوضى الخلاقة وسيلة لاستراتيجية الولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة ما لسان حالها: ندع الطبخ للطباخ، نُشارك فقط في توفير الوقود، كي لا تنطفئ النار فجاءةً والطبخ لم ينضج بعد.

انه ليس منطقا صوريا أن نرى هذا، وليس مُصادرة على المطلوب البحث عن أميركا فيما حاصل، فكل المُؤشرات تقول إن الوحش قد مرّ من هنا، لذا ليس من مصلحتنا استبعاد العامل الخارجي في اذكاء نار الغلبة بين الأطراف الليبية، لأنه في الأساس أميركا الشريك الأول في فبراير، وكأي شريك يزرع يجنى مما زرع، فهل تحولت ليبيا إلى منطقة امتصاص للكدمات لما بعد الربيع العربي في شمال أفريقيا؟

لا داعي للتسرع في الإجابة ولا داعي لتكرار الاتهام المُعتاد حول نظرية المؤامرة، لأنه أولا وأخيرا استبعاد الملك من رقعة الصراع المحلى عبث.

يجيء رأي هذا مع تكون مجلس رئاسة وحكومة تبدو مدعومة من الطرف الدولي وتعاني من مشاكل داخلية، لكن للاعتبارات المذكورة أعلاه ليبيا الدولة الفائضة عند القوى العظمى الأمريكية يحتاج مسؤولوها أخذ ذلك في عين الاعتبار لأن المسألة الليبية في الأخير - كما اللبنانية - قابلة للتسويف، يمكن إعطائها بالظهر رغم أن "سرت" العاصمة الثالثة لدولة البغدادي بل يمكن أن يكون هذا من الدوافع لجعل ليبيا على الطاولة.

أحمد الفيتوري

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com