http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

هل من نهاية لمحنة ليبيا؟

بوابة افريقيا 0 تعليق 62 ارسل لصديق نسخة للطباعة

مرّ خمس سنوات على اندلاع احداث فبراير الأسود عام 2011 ، التي مهدت لتدخل  عسكري اجنبي في ليبيا بقيادة امريكا وفرنسا وبريطانيا وحلف شمال الأطلنطي ( ناتو) ، استمر نحو ثمانية اشهر متواصلة ، ولم يتوقف إلى أن تمكنت الطائرات الامريكية والفرنسية من قصف موكب  الزعيم الليبي معمر القذافي وتصفيته جسديا في مدينة سرت يوم 20 اكتوبر 2011 ، واستيلاء المجلس الانتقالي الليبي على مقاليد الحُكم والسلطة في ليبيا.



لم يعد خافياً على أحد حجم الكارثة التي حلّت بليبيا عقب التدخل العسكري للتحالف الأجنبي عام2011 ، الذي قضى على الدولة الليبية ومؤسساتها وقياداتها، وذلك بزعم أن البديل الذي سيأتي بعد أحداث 17 فبراير 2011 سيكون ديمقراطي يقدس الحرية ويحترم حقوق الإنسان ، لكن ما حل بليبيا منذ ذلك التاريخ أمر آخر خطير ومؤسف ، فالمتتبع للمشهد الليبي اليوم لا يجد إلا الآسى والدماء ومعتقلات سرية وعلنية تعج بعشرات الآف الأسرى من الرجال والنساء والأطفال الليبيين والأجانب ، يخضعون للتعذيب المميت ، بشهادة تقارير رسمية لمنظمة الأمم المتحدة ، وملايين الليبيين هُجروا قسراً من مدنهم وقراهم وصاروا نازحين في وطنهم أو لاجئين خارجه.

خمس سنوات عجاف والليبيين يُوعَدُونَ بالرفاهية ( الخير جاآي )! ، وكل شيء في ليبيا يزداد سوء. تعاقبت الحكومات وتعددت الزعامات السياسية والمليشياوية الفبرايرية ، وفي كل مرة تخيب الآمال وتتحطّم الأحلا م ولنفس الأسباب: أداء حكومي هزيل   لنخب انتهازية تستبيح كل شيء في سبيل احتكارالسلطة والثروة والسلاح ، أدى إلى ضياع مئات المليارات من الدولارات ، ومئات المليارات من الدنانير الليبية ، ومئات الأطنان من الذهب والفضة ، وتسبب في تراجع حاد للاقتصاد الليبي. فلا أحد يفوق الساسة وامراء الحرب الميليشياويين الفبرايريين في الهوس بالسلطة والاستبداد. فرقاء يتنازعون السلطة بلاضوابط ولامحرّمات ، فالخلافات بين الأطراف الفبرايرية المتصارعة تُحسم بمنطق " أنا أوالطوفان"،ممايفتح الثغرات للتفريط في المصلحة العليا للدولة ويستدعي الأطماع الأجنبية وارتهان البلاد للخارج.

خمس سنوات كاملة من عدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني وازدياد شوكة الإرهاب ..تسبب في تدمير بُنى تحتية ، وضياع انجازات تنموية استثمر فيها الشعب الليبي اموالاً طائلة بمئات المليارات من الدولارات ، وعقوداً طويلة لبنائها.فضلاً عن ان تكلفة إعادة إعمار مرافق البنية التحتية ستبلغ مائتي مليار دولار حسبما جاء في تقرير البنك الدولي الصادر بتاريخ 06 فبراير2016. هذا في حين أكدت جريدة « فاينانشيال تايمز» البريطانية ، في تقريرها الصادر بتاريخ 11 يناير 2016 ، أن ليبيا دخلت في أكثر المراحل حرجًا منذ رحيل الزعيم الليبي معمر القذافي ، إذ دخلت في حلقة من الفوضى وعدم الاستقرار خلال الـ18 شهرًا الماضية ، وانخفض إنتاج النفط إلى 400 ألف برميل يوميًا  من 1.4 مليون برميل ، وانخفضت قيمة الدينار 60% خلال العام الماضي ، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء والوقود بشكل شبه يومي في المناطق كافة. كما توقعت وحدة « إيكونومست » الاقتصادية انخفاض إجمالي الناتج المحلي الليبي خلال العام 2016 بنسبة 8%  مما يجعله أسوأ اقتصادات العالم من حيث الأداء.

هذا إضافة لتردي الوضع المعيشي للمواطن الليبي البسيط الذي يكابدُ غلاء الأسعار ، ونقص السيولة النقدية مما يضطره لمراجعة المصرف أيام وأيام من اجل سحب سُلفة على حساب راتبه الذي يتأخر صرفه لشهور ، ناهيك عن وقوفه في طوابير طويلة من اجل الحصول على احتياجاته اليومية من خبز ، واسطوانة غاز الطهي والوقود ، كما يكابدُ عناء السفر من مدينة لأخرى كلما دعته الحاجة للمستشفيات التي توقف معظمها عن العمل ويعاني ماتبقى من نقص حاد في ادوية الأمراض المزمنة والخطيرة والعلاجات ، وجرعات تطعيم الأطفال والتحصينات. الى جانب معاناته في بيته نتيجة انقطاع يومي للتيار الكهربائي والمياه.

خمس سنوات وليبيا تُدار بالترقيع والمسكنّات وتتدحرج نحو التقسيم والتبعية للخارج ، فلا أحد يتحمل مسؤولية أخطائه فضلا أن يعتذر أو يعتزل ، الكل يتفنّن في التنصّل من المسؤولية وإيجاد المبرّرات والشمّاعات ، والسبب بسيط: غياب الهوية الوطنية والحس الوطني لحساب الولاءات السياسية والنزعات والأجندات الفئوية.

وبما أن معيار نجاح أي تغيير سياسي يظل مرتبطاً بالقدرة على حماية وحدة البلاد والمجتمع والدولة من التفكك ، وبناء نظام سياسي على أسس التوافق المجتمعي والرضاء العام. عليه وبالنظر للواقع الليبي الراهن فان حال السلطات الفبرايرية الحاكمة في ليبيا  ، يؤكد بمالايدع مجالا للشك  أنها قد فشلت في القيام بالوظائف الأساسية للنظم السياسية ، فضلاً عن أن قطاعاً واسعاً من الشعب الليبي لايعترف أصلاً بشرعيتها ، وأغلب بقية الشعب خرج مرات عديدة مطالباً باسقاطها.

ولكن يبقى التساؤل الأهم : هل ستنتهي محنة الشعب الليبي ؟

ليبيا الغارقة في الفوضى بها حاليا برلمانان وحكومتان ، ويعمل مجلس النواب المنتخب وحكومته المعترف بها دوليا في شرق ليبيا منذ عام 2014، بينما استولى المؤتمر الوطني العام وحكومته على العاصمة طرابلس .

وما تشهده العملية السياسية التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل) الآن من تعثر هو نتاج هذا الوضع المأزوم ، فرغم تطلع المجتمع الدولي إلى انهاء النزاع في ليبيا عبر توحيد السلطتين في حكومة واحدة تلقى مساندة دولية (برئاسة السيد فايزالسراج).. لكن يبدو أن الطريق سيكون شاقا أمام اتفاق الصخيرات - الموقّع بين الأطراف الفبرايرية المتنافسة بتاريخ 17 ديسمبر2015- الذي بدأ يصطدم بحقيقة الواقع السياسي المنفلت في ليبيا ، حيث لم يُصادق مجلس النواب على حكومة الوفاق الوطني حتى الآن ، نتيجة المواقف المتباينة لبعض الفاعلين السياسيين.

لذا ، فان الإجابة على التساؤل المطروح ، لاتنفصل عن ربطها بشكل مفصلي مع التحديات الخارجية بالتحديات الداخلية..فلا المؤتمر الوطني العام و لا مجلس النواب و لا حكومة الوفاق – المرتقبة (حكومة السرّاج)-  يمتلك الحل الفيصل في انهاء الصراع السياسي الذي تغديه اطراف خارجية من أجل تأمين نفوذها في ليبيا.

هذا الوضع يجعل الأمر في ليبيا  منفتحا على إمكانيتين: إما عقد تسوية حقيقية تُراعي مصالح مختلف اطراف الصراع الداخلية والخارجية ، أو أن يستمر الصراع مفتوحا حتى تتمكن احد الأطراف من إعادة تشكيل الواقع وفق موازين القوى الجديدة.

الآن ،  ليبيا تبدو  مرشحة لتكون ساحة معركة مكشوفة على التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود ، وستنعكس ارتداداتها على الشعب الليبي المغلوب على امره ، فقد يكون هو الضحية الاُولى حين يُقتل الأبرياء بجرائر المجرمين وردود افعال الأطراف المختلفة في صراعات العالم بأسره!.

دبلوماسي ليبي ومحلل سياسي

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر سياسة البوابة 

 




شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com