http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

د. أمين بشير المرغني: ذكريات ودروس إسقاط طائرة الخطوط الليبية في سيناء

ليبيا المستقبل 0 تعليق 77 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ذكريات ودروس إسقاط طائرة الخطوط الليبية في سيناء
 




أهدى هذا المقال لذوي ضحايا الاعتداء الاسرائيلى الغاشم على طائرة الخطوط
الجوية العربية  الليبية فوق سيناء مشاركة مني في آلامهم التي يجب ألا  تنسى.

للكوارث الاجرامية المؤلمة عند الليبيين قائمة طويلة. لكن هذه الجريمة ربما تكون من أدكنها تسطيرا وأعمقها جرحا وأكثرها همجية وإرهابا وأشدها ظلما كونها علامة لا تخفى على أحد من علامات الكيل بمكيالين على المستوى الدولي  يزيد إيلامه إهانة الاحتقار الرسمي المحلى لحياة الانسان الليبي. جريمة الاعتداء على طائرة الخطوط الجوية العربية اللييبية والتي كانت في رحلة منتظمة الى القاهرة وهي في الجو من قبل سلاح الجو الاسرائيلي  واسقاطها بركابها عند " بير جفافه"  في صحراء سيناء المحتلة آنذاك، هذه الايام تحل الذكرى الثالثة والاربعين للاعتداء الكارثة بآلامه ودروسه.

يوم الاربعاء ذاك، الحادي والعشرين من شهر فبراير 1973، هبطت بنا طائرة الخطوط الجزائرية في مطار طرابلس وكنت على متنها  عائدا من الجزائر بعد رحلة رفقة رئيس مجلس ادارة الخطوط الجوية العربية الليبية وقتها (المرحوم) الحاج عبد القادر سليم الجيباني، والتي قمنا بها لافتتاح مكتب الخطوط الليبية في شارع ديدوش مراد بالجزائر العاصمة.  حملت معي على الطائرة عرجون تمر دقلة جزائرية تُرى نواتها واضحة وكأن حبة التمر مغلفة بالبلورالمذهّب، تفكرة من مدير العلاقات الدولية بالخطوط الجزائرية هدية لذيذة وبهيجة تطلعت لمشاركة عائلتي فيها بتناول حباته في الجو الربيعي الصافي الذي كان عليه ذلك اليوم في طرابلس. بمجرد توقف المحركات فتح  باب الطائرة البوينغ 737 وبدأنا  النزول على السلم يسبقني رئيسي الحاج الجيباني وإذا بنا نفاجأ بمسئول الحركة بالمطار (المرحوم) محمود العروسي يتقدم منا وهو متجهم الملامح ويصرخ كالمستغيث لقد أسقط سلاح الجو الاسرائيلي طائرتنا. لأول وهلة تبادر لي أن معركة جوية جرت بين سلاح الجو الاسرائيلي وسلاح الجو الليبي نجم عنها سقوط طائرة حربية ليبية لكني استغرقت ثانية أو ثوان وأنا أسمع الرجل يردد "طائرتنا البوينغ 727 أطلقت عليها صواريخ جو-جو" قبل أن أفطن وأنتبه إلى أن الخبر الذي قيل لنا كان يتعلق بإحدى طائرات الخطوط الجوية العربية الليبية التي غادرت طرابلس في ذلك اليوم في رحلة منتظمة الى بنغاري ومنها الى القاهرة والتي لم تصلها، وأن الموضوع يتجاوز تبعات حادثة حربية وإن كانت تلك لها مخاطرها أيضا. 

تم توفير سيارة لنقلنا أنا ورئيس مجلس الادارة  فورا إلى المقر الرئيسي لشركة الخطوط الجوية العربية الليبية بشارع هايتي بطرابلس وبعد وصولنا الى هناك وجدنا مركز الطوارئ قد شكل لجانا بدأت العمل فورا، وقد توالت تفاصيل الجريمة ترد بدءا بأن إحدي الطائرتين البوينغ 224-727 ذات التسجيل 5A-DAH قد خرجت عن مسارها لظروف تبدو غامضة وتعرضت لإعتراض من الطائرات الاسرائيلية تبعها إطلاق صاروخين عليها ودون إنذار على ارتفاع منخفض (400  قدم فوق سطح البحر) وهي تحاول الهبوط بحسب تعليمات الطائرات الاسرائيلية في مهبط عسكري إلى الشرق من مدينة الاسماعيلية عبر قناة السويس في سيناء، ما أدى إلى سقوطها واشتعال النيران فيها وربما نجا عدد ممن كانوا على متنها. ومن بين المعلومات حول ظروف الرحلة أنه أثناء تحليق الطائرة في أجواء مصر كانت الرياح قوية في نفس اتجاه الطائرة ما زاد من سرعتها وأن عاصفة رملية غطت مناطق واسعة من سماء مصر بما في ذلك المناطق المحيطة بمطار القاهرة ومناطق التوتر العسكري باتجاه قنااة السويس فخحلت الرؤيا وأن الطائرة انحرفت عن مسارها نحو شرق موقعها الافتراضي بحولي 70 كيلومترا الى الشرق وقد اكتشف كابتن الطائرة أنه في الموقع الخطأ عندما شاهد الشاطئ الشرقي لشمال خليج السويس وهو على ارتفاع 20000 قدم، وأدرك أن المقاتلات التي ترافقه ليست سوى طائرات سلاح الجو الاسرائيلي مع ملاحظة أن قراءات العدادات التي أمامه  كانت تنم عن احتمال عدم عمل الأجهزة الملاحية في الطائرة بشكل صحيح وتعطي قراءات خاطئة (والاحتمال الاقرب أن ذلك كان بسبب تشويش اليكتروني من طائرات اسرائيلية فالطائرة كانت فنيا تحت مسئولية فرق الصيانة التابعة لشركة ايرفرانس والاحتمال بعيد أنه كان هناك خلل في تلك الاجهزة) واعتمد الطيار فقط على التواصل بالراديو مع برج مطار القاهرة وتوافق وجود أعطال برادارات المطار مما لم يساعد برج المراقبة بمطار القاهرة على التحديد الدقيق لمكان وجود الطائرة. 

شكلت لجنة لتتبع التحقيق الفني برئاسة المرحوم الحاج حسن الكنيالي مدير عام مؤسسة الخطوط  الليبية (وكان قبل توليه الادارة العامة للخطوط الليبية مديرا عاما لمصلحة الطيران المدني) وغادرت اللجنة الى القاهرة بعد وصولنا مباشرة. ولجنة أخري برئاسة رئيس مجلس الادارة للتعامل مع الاعلام  والحكومة وكلفت أنا بوصفي المدير التجاري بالتعامل مع أهالي من كانوا على الطائرة وهي المهمة الاصعب فأنا المسئول عن اختيار الضحايا السفر على الخطوط الليبية إلى وجهتهم وحملتني هذه المهمة إلى مهمة مؤلمة أخرى وهي استلام أمتعة الضحايا وحاجياتهم الشخصية وبعضها كان شخصي جدا والتي سلمتها إلى وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء، ومن قبيل المشاركة في الالم فأنا لازلت اتلقي مراسلات من بعض ذوي  من فقدوا على تلك  الطائرة تعبر عن الالم الذي لا زالو يحسون به لفقدان ذويهم الذين ضاعوا ضحية ارهاب الدولة في أبشع اعتداء وقع على الطيران المدني في كل تاريخه. لقد راح ضحية هذا العدوان الوحشي 108 ركاب من الاطفال والنساء والرجال بشكل أساسي بسبب الحريق واستنشاق الدخان الكثيف المتصاعد من احتراق وقود الطائرة وما طالته النيران فيها  ونجا خمسة ركاب باصابات مختلفة من بينهم ليبيان ومساعد الطيار الليبي ومواطنين من الضفة الغربية. ولقد كان لهذه الحادثة ردود أفعال غاية في الاهمية والتأثير وكشف المواقف.

• رد الفعل في مصر:

كان نصف الركاب في الطائرة المعتدى عليها مواطنين مصريين. ولعل الحادثة كان لها صدى واسع لدى الشعب بسبب بشاعتها وتمادي الاسرائيلين في إجرامهم واستهتارهم. فقد شهدت مصر جنازة كبيرة للمذيعة الذائعة الصيت سلوى حجازي ووقع لوم على السلاح الجوي المصري لعدم منع الطائرة من الانجراف شرقا واعتراضها وقت مرورها فوق مناطق مواجهة ساخنة مع الاسرائيلين بدعوى عدم قدرة طائرة حربية العودة لقاعدتها بسبب محدودية مداها وفترة بقائها في الجو ولسوء الاحوال الجوية وانعدام الرؤية في القواعد الحربية في المنطقة، وعدم التنسيق مع برج مطار القاهرة بشأن الطائرة في الوقت المناسب، لكن ذلك أصبح في أسبقية بعيدة بما كان للاعتداء على هذه الطائرة من أثر التسريع بحرب أكتوبر في نفس السنة.

• رد الفعل في ليبيا:

واجه النظام ضغطا شديدا خاصة يوم دفن جثامين الضحايا في بنغازي وحضور القذافي للجنازة ومحاولة بعض المشيعين النيل منه. حيث ثبت عجزه عن القيام بأي فعل ضد اسرائيل وقد ادعى النظام أنه جاء لتحرير فلسطين والانتقام من الصهاينة للحريق الذي تسببوا فيه في المسجد الاقصى. وعندما زاد الضغط على القذافي بين أعضاء مجلس قيادة الثورة آنذاك، وهدد بالاستقالة وبدلا من ذلك قام بادخال البلاد في الفوضى بخطاب زواره ونقاطه الخمس وأسماها الثورة الشعبية، نسي الناس جرح الطائرة وضياع ذويهم فمع تلك الفوضي لا مجال للمسائلة أو مطالبة ذوي الضحايا بأية تعويضات. لكن الحكومة ذهبت الى واشنطن وعوضت راكبين من الجنسية الامريكية بما أرضى أسرهما وعرضت تعويضا زهيدا لليبيين ربما بلغ الثلاثة  آلاف دينار.

• رد الفعل الاسرائيلي:

بداية أيد موشي ديان وزير الدفاع فعلة سلاح الجو الاسرائيلي وقال أنه لو كان طيارا لقام بإسقاط الطائرة الليبية كما فعل الطيارون في سلاح الجو الاسرائيلي. وادعى كل المسئولين الاسرائليين منهم غولدا مائير وشيمون بيريز ورئيس أركان الجو الاسرائيلي مسئوليتهم ومشاركتهم في اتخاذ قرار أسقاط الطائرة وفي الحقيقة فإن من اتخذ ذلك القرار كان ضابطا برتبة نقيب. لقد غيرت الخطوط الجوية الاسرائيلية العال خط سير طائرتها ونقلته شمالا لتضمن أن الطائرات لا تمر بأجواء قد تكون في مدى تصله طائرات حربية ليبية.  وتحت ضغط الانتقاد الدولي وفي عبارة خسيسة اعترف موشي ديان أنه "تحت الظروف الصعبة يعترف جزئيا بالخطأ لكنه لا يشعر مطلقا بالذنب".

• رد الفعل العالمي:

لقد كان اسقاط طائرة مدنية في رحلة معلنة وضمن جدول منتظم جريمة لا تحتمل السكوت عنها.  وقد وصلت المنظمة الدولية للطيران المدني الى قرار بمقاطعة اسرائيل بسبب فعلتها الشنيعة وجريمتها، لكن الولايات المتحدة ونيكاراغوا (في عهد الرئيس سوموزا) امتنعتا عن التصويت ما أفشل هذا القرار الذي كان يتطلب تنفيذه الاجماع. كما لم يتخذ مجلس الامن أي قرار أو إدانة لإسرائيل نتيجة للشكوى التي تقدمت بها مصر الى مجلس الامن بشأن الاعتداء. وأي دليل من هذا على الكيل بمكيالين. على كلٍ،  تم تعديل أحكام الاعتداء على الطيران في الاتفاقيات الدولية الخاصة بالطيران المدني بتأكيد مسئولية الدول تجاه معاملة الطائرات المدنية التي تخترق المجال الجوي لأي دولة، واعتبارها  طائرة بحاجة الى مساعدة. ومن سخرية القدر أن دفعت ليبيا البلايين من الدولارات تعويضات لضحايا حادثة طائرة لوكربي والتي أكاد أجزم أنها سقطت لانهيار هيكلي في الجزء الامامي من الطائرة عند تواجدها في منطقة أحوال جوية شديدة العوامل في أجواء سكوتلانده،  وليس بفعل انفجار، وهنا أستند الى عدد من المقالات الفنية التي توصلت الى هذه النتيجة، ولم يكن لليبيا بتلك الحادثة علاقة لا من قريب ولا من بعيد.

 اسرائيل مستمرة في طمس هذه الجريمة:

عند اقتراف اسرائيل لهذه الجريمة الوحشية النكراء، قالت بداية أن الطائرة قد مرت فوق مناطق عسكرية حساسة. وقالت أنها طارت قريبا من مفاعل دايمونا. وقالت أن لديها تقارير عن أن طائرة مدنية سيقوم الارهابيون بتفجيرها فوق تل أبيب. وقالت أنها رأت الطائرة تتجه غربا وهي على ارتفاع امتار قليلة فوق سطح الارض ما استوجب منعها من الهرب بضربها بالصواريخ. والاهم،  أن اسرائيل إمعانا في فرض نسيان العالم لجريمتها تسعى الى منع نشر تفاصيل هذا الاعتداء إلا بما يجعل إسرائيل في موقع الدفاع عن النفس. لقد درجت على مراجعة كيفية الاشارة الى هذا الحدث أثناء مروري بمحلات بيع الكتب التي تتناول شئون الطيران والسلامة الجوية وتاريخها. ودائما أجد لو أشير إلى هذا الموضوع يشار اليه بالصيغة الاسرائيلية. ولم أصل الى هذه النتيجة وحدي، فها هو الكاتب والصحفي الاسترالي ستيفن كاتسينيرس يكتب تعليقا حول اختفاء الاشارة الى حادثة الاعتداء على الطائرة الليبية فوق سيناء بعد خمسة وثلاثين عاما من وقوعها فيقول: "بينما بعض كوارث الطيران توثق جيدا وبذلك لا تنسى، غيرها يَرى أنه من الاريح  تجاهلها. فحادثة وقعت  في بداية السبعينيات تحذف باستمرار من المقالات  التي تكتب للاعلام وتاريخ الطيران وهكذا اختفت في الواقع من الوعي العام".

Australian journalist Steven Katsineris wrote: “While some incidents of aviation carnage are well recorded and thus well remembered, others are conveniently ignored. An event occurred earlier in the 1970s that is constantly omitted from articles written about attacks on civilian aircraft and seems to have been largely forgotten by the media and aviation history, and therefore has basically lapsed from the public’s consciousness".

سادتي...

أنهم لن يقيموا لنا وزنا ما دامت ذاكرتنا ضعيفة، وقوة ملاحظتنا معدومة،  وبلاهتنا واضحة فنترك حقوقنا دون مطالبة، ويلاحظ غيرنا أنه لا قيمة عندنا للنفس البشرية إلا إذا لم تكن ليبية..

د. أمين بشير المرغني

ـــــــــــــــــــــــــــــ
 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com