http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. أحمد ابراهيم الفقيه: عن الراحلين الكبيرين... 
هيكل وبطرس غالي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 75 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عن الراحلين الكبيرين... 
هيكل وبطرس غالي
 



 


تاكيدا لعمق الاواصر الثقافية العربية وقوة الوحدة الثقافية بين اقطار الوطن العربي، فاننا جميعا نحزن ونتاسف لغياب علم من اعلام الفكر والثقافة والفكر والادب في اي بقعة من العالم العربي، وتشهد مقالاتي هنا او في غير موقع ومطبوعة بان الاحتفاء بالكبار عند حضورهم او غيابهم كان دائما ملمحا من ملامح هذه الكتابات، وليس غريبا ان اكرس اليوم هذا المقال لرحيل هرمين من اهرام مصر في الثقافة والفكر والسياسة وهما محمد حسنين هيكل وبطرس بطرس غالي، وكما اشترك الاثنان في الرحيل في توقيت واحد، فقد اشتركا في البدايات، واذا كان هيكل نجما من نجوم الصحافة في الاربعينيات في مصر الملكية، فان غالي كان في ذلك الوقت نجما صاعدا في العالم الاكاديمي، استاذا في العلوم السياسية في الجامعة، ثم عندما لمع على المستوى العام، كان عبر مؤسسة الاهرام في زمن ادارة هيكل لها، وهو يكتب مقالاته فوق صفحات الاهرام اليومية، ويرأس تحرير السياسة الدولية احدى اهم المطبوعات المتخصصة التي باشرت مؤسسة الاهرام في اصدارها، واسهم الاثنان في تشكيل الوجه السياسي لبلادهما بدءا من نقطة الانطلاق في العهد الملكي، وزمن التألق في الحقبة الناصرية، ثم مواصلة الارتفاع والتألق والشهرة وغزو المجال العالمي، فيما بعد. ولهذا فاننا نقول ان رحيلهما يقفل قوسا على حقبة، افل رجالها، وهما ربما اخر الراحلين ممن كان يمكن لهما الحديث عن شرف المشاركة في الحياة العامة، عبر العهد الملكي مرورا بكل العهود التي تلت ذلك العهد.


 هيكل

وابدا بالاستاذ محمد حسنين هيكل، لم اتشرف بمعرفته، ولم التق به الا مرة واحدة في مطلع السبعينيات، وهو في الخمسين من عمره، رئيسا لتحرير الاهرام، عندما دعيت لحضور ندوة يعقدها العقيد الليبي مع كتاب الاهرام، ولانني لم اكن ضمن مرافقي العقيد، فقد بادرت بالذهاب بمفردي، حيث وجدت السيد هيكل يقف في حلقة من كتاب الاهرام، وجرسون يطوف عليهم بالمشروبات، فانتحيت جانبا اتحدث مع احد الصحفيين، ويبدو ان احدا قال للسيد هيكل، بان عضوا في الوفد الليبي قد وصل، فرايته يخترق الحلقة التي كانت تحيط به، ويتجه نحوي، يصافحني ويرحب بي، ويسألني ان كان موكب سيادة العقيد على وصول، فاخبرته بانني لست من مرافقيه ولا اقيم معه في قصر الضيافة، ولا اعلم شيئا عدا الدعوة التي تلقيتها عن طريق الملحق الصحفي في السفارة. بعد ان جاء العقيد وبدأت الندوة، استأذن هيكل في الخروج، ثم عاد ليقول ان الرئيس السادات يبلغ الجميع السلام، ثم دس راسه في راس العقيد يهمس له شيئا لم يكن واضحا لنا..


تعدد بعد ذلك حضوري لندوات يقيمها في مصر، استأثر معرض الكتاب باغلبها، ثم في صالونات مثل صالون يسمى صالون احسان عبد القدوس، ثم حفل تقيمه سنويا دار الشروق، وكان حديث السيد هيكل ملمحا من ملامحه في كل عام.

كان موقفه من ثورة 17 فبراير، موقفا معاديا، ويكاد يكون مؤيدا لصديقه العقيد، ولهذا كتبت ردا مطولا على اقواله المعادية، وكنت رئيسا لقسم الاعلام في السفارة بعد الثورة، دافعت فيه دفاعا قويا عن الثورة ذاكرا مثالب النظام المنهار، دون ان ابخسه حقه كصاحب تاريخ في العمل الصحفي يشهد له بالكفاءة والتفوق. واعترف انني كنت احد الذين تربوا على مقالات هيكل وكتبه منذ اول كتاب صدر له بعنوان العقد التي تحكم الشرق الاوسط، ثم مقالات بصراحة التي توالت منذ استلامه لرئاسة تحرير الاهرام قبل التاميم، ثم استمراره فيها بعد التاميم الى عام 1974، عندما ازاحه منها الرئيس المصري الذي تولى مكان عبد الناصر، الرئيس انور السادات، رحم الله الجميع، وكنت كغيري ممن فتنتهم المقولات والشعارات الناصرية متعلقا بكتاباته، حتى قرات عام 1968، مقالا في صحيفة التايمز وكنت ادرس في لندن، نشرته ضمن مقالات الافتتاحية كرسته للحديث عن الكاتب المصري الشهير واسمته
His master`s voice 
اي صوت سيده، ولم تر فيه غير بوق لرئيسه عبد الناصر، ورغم انني لم اكن لارحب بمثل هذا النعت، الا ان المقال وضع في عقلي بذرة الشك والتساؤل عن حقيقة الدور الذي يقوم به هذا الكاتب في تشكيل الوعي، سلبا او ايجابا، ورغم انني لم اعد واحدا من دراويش الكاتب الكبير، واعرف تحيزاته والاجندة التي تتحكم في كتاباته، فانني مع ذلك لم يكن ممكنا الا ان اعترف مع المعترفين بمهاراته الكثيرة التي يمكن ان نمر باقتضاب على اهمها، فهو بالتاكيد استثمر قربه من السلطة واستعان بها في صنع نجوميته والهالة التي تحيط به وبشخصه، وكان الناس يقرأون مقالاته باعتبار ما فيها من اراء السلطة لا ارائه وما فيها من معلومات حصل عليها بسبب قربه من السلطة وليس لانه اكثر من غيره براعة في الوصول اليها، يرفد ذلك انه لم ينم في عسل السلطة، ولكنه كان مثابرا متابعا مجتهدا، يضيف الى ما اعطته السلطة ولا يعتمد عليها فقط، مستعينا بقدرة جبارة على رصد الوثيقة وحفظها وتتبعها فصنع ارشيفا خاصا لا يتوفر لغيره، واستعان بفريق عمل ظل على طول المدى يعتمد عليه في جلب المعلومات، غير المعلومات الخاصة القادر بفضل علاقاته، وبفضل اتقانه للغة عالمية هي الانجليزية، ان يحصل عليها، ولابد من القول انه يملك من الذكاء الاستثنائي ما لا يملكه منافسوه في المجال الصحفي، والموهبة في الفرز والتحليل ووضع الامور في سياقها المحلي والاقليمي والدولي، ثم هبة اخرى منحها له الله هي الاسلوب الادبي الذي هو اقرب الى الاسلوب الروائي، بحيث يضع الرؤى في الاطار الادبي الجذاب الذي يغري القاريء بالقراءة، مهما كان الموضوع جافا، ثم انه صاحب شخصية متميزة، من ناحية الهندام والقبول والايتيكت والجاذبية والحديث الطلي، مؤهلات كثيرة توفرت له، ساعدته على ان تكون له اطلالة ذات قبول وجاذبية، سواء في حضوره الشخصي عندما يلقى المحاضرات او يشارك في الندوات،  او عندما يظهر على الشاشة ويسرد الوقائع والاحداث في قالب مثير وجذاب.


على الطريق الى المجد الذي حصده، كان هناك خصوم كثر، اولهم كان ابناء جيله ممن يتهمونه بانهم كانوا اقرب منه الى عبد الناصر وصناع ما يسمى ثورة يوليو، ولكنه ببراعة وشطارة ازاحهم جميعا، ليبقى له المجال، وهؤلاء الذين ازاحهم كما تقول اصوات مناوئيه، هم حلمي سلام، موسى صبري، احسان عبد القدوس، فتحي غانم، غير مصطفى امين وعلى امين، وفي هذا الاطار يشيرون الى شخصية انتهازية في رواية فتحي غانم، الرجل الذي فقد ظله عنى بها هيكل، ويشيرون الى رواية صارت فيلما، كتبها موسى صبري اسمها دموع صاحبة الجلالة، اقتبسها كاملة من حياة هيكل، اما الكتب التي كتبت ضده فهي كتاب المفكر العراقي سيار الجميل، تفكيك هيكل، وكتاب الفيلسوف الكبير فؤاد زكريا كم عمر الغضب، واخيرا جاءت الشهادة السلبية الاخيرة، بلسان واحد من تلاميذه، عادل حمودة، الذي كتب اخيرا كتابا عنوانه "خريف هيكل - الاسطورة التي شاخت في موقعها" وبرامج كان اخرها برنامجا في قناة الفراعنة لصاحبها السيد عكاشة الذي جلب تفاصيل الثروة التي يملكها هيكل ويسجلها في شركات موزعة على ابنائه مثل مجموعة شركات هيرمز ومجموعة شركات القلعة وتعمل بحجم عمل يزيد على 8 مليارات كما تقول التقارير ويؤكد السيد عكاشه، ويحاول البحث في مكونات ومصادر هذه الثروة التي تجعل احد ابناء هيكل واحدا من 50 فردا هم اغني اغنياء العالم العربي، ثم تاتي تلك التهمة التي كانت تقول انه عاش دائما حياة لم يعشها باشاوات العهد الماضي بالمزرعة القريبة من القاهرة، وبشقتين على النيل احدهما بيته وبجواره مكتبه، وبسيجار الهافانا الذي لم يتركه الا اخيرا بسبب المرض. ولاشك انه برحيله رحل اهم كاتب صحفي شهدته الصحافة العربية في تاريخها عليه رضوان الله.

• 
الدكتور غالي


جمعته البداية والنهاية مع صاحبه وغريمه هيكل، احدهما من المكون الاسلامي والثاني من المكون القبطي وكلاهما كان مثالا للولاء لبلاده، والدفاع عنها، وتاكيد اسمها وحضورها على خريطة التفوق السياسي والديبلوماسي والصحفي، بدأ اكاديميا، مؤهلا للعمل الفكري الذي مارسه من خلال الاهرام، ولمع فيه وهو يؤسس ويرأس تحرير مجلة السياسة الدولية، وعرفته المنابر منافحا عن الاتجاه العروبي الذي تبناه عبد الناصر مع تركيز على الدائرة الافريقية، باعتبارها داخل اهتمام سياسة ذلك الوقت، وعندما تولى الرئاسة السادات كان يريد وزيرا مساعدا لوزير الخارجية من ابناء الاقباط، وكان الدكتور مجدي وهبه استاذا لزوجته، فاقترحت على زوجها توزير الدكتور مجدي، ولكن الرجل اعتذر قائلا ان السياسة ليست ملعبه، وقام بترشيح صديقه بطرس غالي قائلا للرئيس وزوجته ان السياسة هي ملعبه وسوف يبدي مهارة وجدارة في هذا الميدان، وذهب مع رئيس المصري الى زيارة القدس، ثم شارك في مفاضات منتجع كامب ديفيد، وهناك ابدى الوزير محمد ابراهيم كامل اعتذاره عن اكمال المشوار، كوزير للخارجية، فاكمله بدلا منه بطرس غالي الذي كان مؤيدا للسادات في صلحه مع اسرائيل دون تحفظ، وهو ما مهد له فيما بعدالطريق لان يكون امينا لدورة واحدة لهيئة الامم المتحدة، ورفض الامتثال لاوامر امريكية ارادته الا يظهر تقرير مجزرة قانا في لبنان، وكانت نقطة تحسب له من ناحية الامانة والحرص على الحق العربي.


لم يكن فقط وزيرا ثم موظفا دوليا ساميا، ولكنه كان مفكرا وصاحب قلم واطروحات فكرية، ومفاوضا وصاحب ايمان بالقضيتين العربية والافريقية، ويبدو ان صديقه وزميله في الاهرام المرحوم هيكل لم يكن راضيا عن ادائه، ولعله لم يكن راضيا عن معاملته له عندما وصل الى اعلى منصب ديبوماسي في العالم، فكان جزاء بطرس غالي ان كان هيكل شديد الانتقاد له في كتاباته، وكثير التشكيك في سجله المهني، ويبدو ان عرى الصداقة والزمالة بينهما قد تفككت في السنوات الاخيرة حتى جمعهما الرحيل في ميقات واحد. رحمهما الله واجزل لهما العطاء على ما قدماه للانسانية لوطنهما مصر ولامتهما العربية.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

===========

برنامج (مصر العرب) يستضيف د. أحمد ابراهيم الفقيه في حلقة
خاصة بعنوان: "
بطرس المعلم وهيكل الأستاذ... تزامن الرحيل"
 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com