http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

عطية صالح الأوجلي: الرحلة...

ليبيا المستقبل 0 تعليق 28 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الرحلة...
 



 


(1)


دارنا العتيقة والباردة، كانت على غير عادتها ، تتوهج من الدفء. رائحة البخور تنبعث من كل مكان لتختلط بدفء المشاعر وبسرد الذكريات والتساؤل والانبهار. الكل يتأمل ويسأل ويتحدث.
الأعين، الأيدي، الأنفاس، المشاعر.. كلها تتدفق وتتقاطع لتخلق ألفة لا يعرف لذة طعمها إلا من شد الترحال إلى غربة.. ثم عاد لأحبابه. 

البيت.. في حالة استنفار شامل.. حلويات، شاهي، قهوة.. فطور، غداء، عشاء... سيل لا ينقطع من المودة والحبور. أمي تجلس على كرسيها العتيق جوار النافذة.. تلازمني عيناها أينما تحركت وكأنها تخشى أن تطرف فأغيب. أبى في قمة الانتشاء والافتخار، أبنه "الدكتور" الذي يعمل  بالخارج قد عاد. يسترق النظرات بعيون ارتسمت فيها رقة وباحت بالابتسام... أخي الصغير الذي لم أشهد ميلاده.. يطبق بيديه اليافعتين على يدي   اليسرى  بقوة.

هكذا هي الحياة ..النشوة في الغربة... والأمن في الألفة... وحده لم يأتي... وإن كان معي ،يسكنني منذ رحيلي الأول...

أنه شيخي.... 


(2)


الجامع العتيق... بقبابه الطينية. يتنسم عبق التاريخ... تخفق نبضاته عند كل فجر... فيؤم الجوامع... وينسج معها ترانيم عشق إلهية تردد صداها  زقزقة العصافير وصياح الديكة... كل العصور مرت من هنا... وحدها باقية هذه القباب.. وباقي أنت يا شيخي...

سألته...
مولاي
قلبي يريد "النور"
عقلي يستجدي  "المعرفة"
فدلني...
فالدروب فقد استعصت علي...
و"سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا".
فقال وهو مطرق..
"أصمت لينطق قلبك. أغمض عيناك لترى... ولا تبحث لتجد"


(3)


قبلت يده الكريمة وجلست جواره وسألته...
من نحن يا مولاي...؟
قال بهمس مسموع وعيناه تتبسمان...
- نحن... الأشياء كلها... ونحن... لا شيء
نحن الشيء وضده
نحن الحقيقة والوهم
نحن الحياة والعدم
نحن الفجور والتقوى
نحن نور لا نراه إلا إذا أغمضنا
فهل ثمة ضوء لا ينبع من العتمة؟...

وقال:

"هناك أمور لا تستطيع أن تتعلمها بالكلمات ولكنني سأحاول...
رجل ذهب للنوم.
فحلم بأنه فراشة تطير...
تلهو بين الأشجار والنباتات..
يغازلها النور فتقترب جذلانة متراقصة...
يداعبها الهواء فتأنس في كفيه الحانيتين...
انغمس الرجل في رقصه...
انغمس حتى نسى نفسه...
وعندما استيقظ في الصباح لم يعد يعلم..
هل هو رجل كان يحلم بأنه فراشة أم أنه فراشة كانت تحلم بأنها إنسان؟"
فهل تعلم أنت من أنت؟


(4)


غادرت خلوة شيخي...
وفي الصباح التالي...
رحلت يا مولاي... 
قدرت أن بُعد المسافات يجلي البصر.. وأن غياب المألوف ينير القلب
وأن الغربة ستهدى لي معارفها..فرحلت.
وعرفت مشقات قاسية ومكابدات عسيرة...
سنوات أنقضت...
احترقت فيها بالتساؤل...
وأدمنت خلالها التأمل...
وعرفت أن القرب في البعد
وأن شدة الظهور الاختفاء...
كل ما لاح طيفه... دعوت له بالسلام والرحمة...
وتذكرت قوله...
"كل مواعظ الأرض لن تدلك على حقيقة لازال قلبك غافلا عنها.
فأصمت لينطق قلبك. وأغمض عيناك لترى... ولا تبحث لتجد".

عطية صالح الأوجلي 

بنغازي 9-12-2005

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com