http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

ناصر سالم المقرحي: حروفيات

ليبيا المستقبل 0 تعليق 59 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أعتاد أصدقاء دار حسن الفقيه الاجتماع بقاعة عرض دار الفنون بطريق السكة بطرابلس، للتنسيق لأنشطتهم الثقافية الشهرية، وبما أنني أحد أفراد هذه المجموعة استوقفني المعرض الموجود بدار الفنون هذه الأيام والذي تم افتتاحه الفترة القليلة الماضية بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرون لتأسيس الدار تحت عنوان "تخريب" للتشكيلي الليبي "البوهلي" الذي قام بعرض عدة أعمال فنية جاوزت الثلاثون عمل تقريباً وتراوحت ما بين الرسم الجداري واللوحات الصغيرة المقاسات التي تشبه الإسكتشات والخربشات السريعة والرسم على الأشياء المستعملة كأبواب السيارات وغلاف غسالة مستهلكة وأغطية علب الطلاء الكبيرة وجالون مياه ذو العشر لترات وحتى الأواني المنزلية وماسورة مياه بلاستيكية، غير أن القاسم المشترك بين كل هذه الأعمال هو اللون الذي غطى أسطُحها أولاً ثم الرؤية المستحدثة للخط العربي،  وبدلا من أن يتجه الفنان إلى استخدامه الإستخدام التقليدي المتعارف عليه والمُتفق عليه ضمنياً بإنتاجه للوحات خطية مباشرة استخدمه بطريقة ثورية، وفي حين يستعمله الآخرون ويوظفونه بحذافيره في لوحاتهم المختلفة استعمل التشكيلي البوهلي إيحاءات الخط وليس الخط ذاته أو جماليات انسيابيته على الورق أو على أسطح المواد المستعملة والمُتخلي عنها، وقام هو باستثمارها وإعادة تدويرها بما يتوافق مع رؤيته الفنية، أو على لوحته الشبه جدارية التي كانت بطول حوالي المتر ونصف وبعرض الخمسة عشرة متراً واحتلت نصف صالة العرض - أقول شبه جدارية لأن الفنان اشتغل عليها داخل الصالة بعد أن قام بلصق الورق المقوى وبعض الصحف القديمة على الحائط وقام بالتالي بالرسم فوقها وملء فراغاتها وصياغة رؤيته الفنية على سطحها بطريقة تحاكي أسلوب فناني الشوارع والفضاءات المفتوحة أولئك الذين أخرجوا الفن التشكيلي ذات ثورة فنية سايرت التحولات الكبرى التي شهده القرن المنصرم، أخرجوه من بين جدران الجاليريهات التي لا يقصدها إلا فئات محدودة من المهتمين ليتم إنتاجه وعرضه على شريحة أكبر من المتلقين في الهواء الطلق، وفيما يفعل فنانوا الشوارع هذا، بدا البوهلي كأنه يعود بالفن إلى صالات العرض المغلقة ذات الجمهور المحدود في كل الأحوال، وهذا لا يعني عدم ثوريته وتجريبيته من خلال أعماله وطريقة عرضها، فبمجرد أن يفكر في الرسم على أسطح الأشياء المستعملة يعد هذا تجديدا وتجريبا باعتقادي.



مجموعة بورتريهات صغيرة لأشخاص ولشخصيات مشهورة أنجزها الفنان وأدخل فيها إيحاءات الخط العربي وأعمال أخرى بدت للناظر كلوحات زخرفية خطية،  واللافت في تجربة الفنان في هذا المعرض كما سبقت الإشارة والشيء الذي يتقاسم الأعمال كبيرها وصغيرها بنسب متفاوتة هو استثمار تجليات الخط العربي لخلق رؤية جديدة والأنزياح بالخط عن وظيفته التبليغية التوصيلية التزيينية الزخرفية إلى وظيفة أخرى جمالية فنية خالصة أقل ما يمكن أن نصفها به هو الإيحائية، حيث الفنان في أعماله لا يكتب أحرُف أو جُمل لغوية واضحة وإنما هي خطوط تأخذ من الخط العربي أنسيابيته وانحناءاته ودوائره وانكساراته وامتداداته وحتى موسيقاه ونعومته وحركته السلسة لتخلق أشكالا قريبة من الخط وهي ليست بخط،  قريبة من الأحرف العربية وهي ليست بأحرف عربية.

وكان لتراوح أحجام ومساحات الأعمال ما بين الصغيرة المحدودة والمتوسطة والكبيرة إلى حدٍ ما والأشتغالات المتعددة دور كبير في تنويع المعروضات وإضفاء نوع من الغنى والثراء على المعرض، هذا دون أن ننسى الزخم اللوني في الأعمال والإسراف في استخدامه بكثافة عالية وتوزيعه بعشوائية أحيانا كما في الجدارية مثلاً، وكان لعرض بعض الأعمال ذات الحجم الصغير المرسومة في الأغلب بأقلام الحبر الأسود دون تأطير وبطريقة بسيطة هي عبارة عن لصقها من جوانبها الأربعة على الحائط مباشرة بشريط لاصق من ذلك النوع الذي يستعمله البعض في عملية طلاء جدران المنازل لفصل الألوان عن بعضها البعض وضمان عدم تشويه طلاء لآخر، كان لهذا تجاوزاً لتكلفة إضافية يبدو أن الفنان وجد لها حلا، إذ يحرص الكثير من الفنانين على تأطير أعمالهم وتقديمها للمتلقي بطريقة مهندمة ومتأنقة - غير أنها مُكلفة مادياً - وبخلاف الذين تؤرقهم هذه الجزئية يبدو ان الفنان صاحب هذا المعرض لا يلقي بالاً لهذا الأمر.

وما يجدر ذكره بشأن الجدارية هو أنها مؤقتة تنتهي بانتهاء المعرض لأنها غير قابلة للنقل والحفظ وكونها رُسمت مباشرة عل ورق مقوى وصحف قديمة أُلصقت على الحائط مباشرة داخل القاعة.

وتبين بعض الصور المرفقة بهذا المقال المقتضب بعض ما ذهبنا إليه من أحكام وملاحظات حول مؤثثاته، وهذا بطبيعة الحال لا يغني عن زيارته - إن أمكن ذلك - والأطلاع على الأعمال عن كثب لأن التجربة - خاصة وأنها غير معروفة من قبل على الأقل فيما يخصني رغم اجتهادي في متابعة كل جديد في هذا المجال في طرابلس تحديدا - لأن التجربة تستحق ذلك على الأقل لكونها تجربة ثورية - بالمعنى التشكيلي - حاولت الخروج عن السائد والأنزياح عن المألوف والمتاح، ولكونها أيضا تتلامس وجانب من جوانب الفن التشكيلي اليوم في العالم الذي تخلى عن الكثير من يقينياته ورواسخه لصالح التجريب اللامحدود والتجديد عل مستوى الخامات والتقنيات وملاحقة إيقاع العصر الذي يتسم بالسرعة الرهيبة وعدم الأستقرار على حال.

ناصر سالم المقرحي
 

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com