http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. امين الهونى: وِجْهَة نَظَر

ليبيا المستقبل 0 تعليق 49 ارسل لصديق نسخة للطباعة

قام منذ بضعة اسابيع أحدَ عشرَ عضواً من اعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي بتعليق عضويتهم بالهيئة وذلك لعدم رضاهم على اداء زملائهم الذين تجمعهم - بحسب زعم البيان - مصالح نفعية وشخصية لصالح اجندات "جهوية وأقليمية". واكدوا في بيان اصدروه بأنهم سوف لن يعترفوا بأي مخرج من المخرجات التي قد تصدر عن هذه الهيئة. خبر كهذا يترك المواطن البسيط في حيرة من امره وذلك لعدم إلمامه بخفايا الجدل القائم داخل اروقة الهيئة مما قد يوقعه في شَرَك التأويل السياسي لأناس يفترض أنهم أُنْتِخُبوا لكتابة دستور توافقي يلبي طموحات وامال كل الليبيين.



ظننت للوهلة الأولى أن هناك أسباباً موضوعية دفعت هولاء المقاطعين لأتخاذ قرارهم، لكن بالمتابعة والتدقيق خلصت إلى أن الأمر لا يعدو عن كونه مجرد مماحكات سياسية اريد بها تسجيل نقاط ضد الخصوم وهذا اسلوب متعارف عليه بين من يتعاطون السياسة. ولربما لاحظ المتابعون للحدث بأن البيان قد تمت صياغته بطريقة تهكمية ساخرة، وأنه كُتِبَ بأسلوب إستفزازي لا صلة له بمعايير النقد البناء. ما سبق يبين بأن هناك أزمة سببها "جميع" اعضاء الهيئة، وأنا لا اقف على الحياد بين أطرافها، بل أنحاز ضد الطرفين وأسلوبهما وبطء عملهما وما أملكه في جعبتي هو المناصحة.

إستمعت اثناء متابعتي لردود الأفعال الأعلامية حول هذا الخبر إلى محادثة هاتفية اجراها إعلامي يعمل بإحدى القنوات الفضائية الليبية مع عضو من الأعضاء المقاطعين اكد فيها المتحدث وجود خلافات جوهرية بين اعضاء الهيئة ذكر منها خلاف بشأن تحديد عاصمة البلاد وطالب بضرورة أن تكون لليبيا عاصمة واحدة، وأشترط أن يكون موقع العاصمة في الأقليم الذي تقطنه كثافة سكانية أكبر. لقد ترك هذان المطلبان إنطباعاً لدى المتلقي بأن المجموعة المقاطعة تعارض تسمية مدينة بنغازي عاصمة ثانية لليبيا. ولم يتوقف المتحدث عند هذين المطلبين بل أصر على رفض  مجموعته لفكرة توزيع مؤسسات الدولة على مختلف المدن الليبية. ثم ختم حديثه ناعتاً بقية اعضاء الهيئة التأسيسية بأنهم "جهويون وإقليميون" تربطهم تحالفات مصلحية، ويجمعهم تعصب لرؤى سياسية ضيقة. كما سخر من مطالبتهم بالمحاصصة في نظام الغرفتين أي بمعنى رفض مجموعته لمطلب التمثيل المتساوي للأقاليم الثلاثة في مجلسي الشيوخ والنواب بحجة أن هذه المطالب لا تتمشى مع مفهوم الدولة الحديثة.

يحق لأعضاء الهيئة التأسيسية طرح ارائهم وكسب الألصار لأفكارهم من خلال حوار حضاري ومناخ ديمقراطي حر. لكن "لا يحق" لأي منهم حرمان الأخرين من حق التعبير عن وجهات نظرهم أو السخرية من رؤاهم. احسب أن الواجب الوطني والمناخ السياسي الملبد بالخلافات يفرضان على "جميع" اعضاء الهيئة ضرورة البحث عن أرضية توافقية لحسم المسائل المختلف حولها مراعاة للمصلحة العامة. فالمهمة المناطة بالهيئة هي "صياغة دستور" يحقق امال جميع الليبيين كي يتم طرحه بعد ذلك على الشعب للأستفتاء عليه عبر التصويت الحر المباشر. احسب إن مقاطعة جلسات وفعاليات الهيئة، واللجوء إلى حملات التشهير عبر وسائل الآعلام، وطلب النصرة من الجهات الدولية اساليب لا تقدم حلولاً لآزمة الوطن ولا ترفع المعاناة عن كاهل الشعب.

أرى من وجهة نظري بأن الأصرار على تبني العاصمة "الواحدة"، والمطالبة بأن يكون موقع العاصمة في حدود الإقليم الذي يضم أعلى كثافة سكانية، والتمسك بمبداء تكديس مؤسسات الدولة وتركيزها في مدينة واحدة لا يتناسب مع الحالة الليبية بل اراها عوامل سلبية قد تؤدي إلى الأنقسام والفرقة وقد تزرع (لا قدر الله تعالى) بذور الحقد والبغضاء والكراهية والضغينة في المجتمع.

لا توجد هناك أسباب تحول دون تسمية اكثر من عاصمة في قطر ما.  وقد تحدث في بعض الأحيان تطورات وتغيرات في بلد من البلاد تفرض إختيار مدينة اخرى كي تكون عاصمة ومن هذه التغيرات: النمو السكاني السريع، والأنقسامات الجغرافية الناتجة عن الحروب وعن المظالم السياسية والإقتصادية والإجتماعية، أو أن تكتسب إحدى المدن أهمية إقتصادية أو  ثقافية، أو محاولة السلطات في ذلك البلد تخفيف الضغط والزحام على مدينة من المدن. وهذا التغيير قد تم فعلياً في الهند وباكستان والسودان وتشيكوسلوفاكيا وفيتنام والمانيا. ولقد إنتبه رجالات دولة الأستقلال - نسأل الله تعالى لهم الرحمة والمغفرة - لهذه المعضلة وتعاملوا معها بكل أريحية وشفافية ولعل المادة 188 لدستور 1951 التي تنص: "للمملكة الليبية المتحدة عاصمتان هما طرابلس وبنغازي" خير دليل على حنكتهم وحكمتهم وشعورهم بحجم المسؤولية التاريخية التي كانت على عاتقهم. ولا اجد مبرراً اليوم لعدم تحلي اعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بهذه الروح السامية والخصال الحميدة.

هناك شعوب ودول عديدة سبقتنا في مضمار توزيع النشاطات السياسية والثقافية والأقتصادية بين حواضرها وقراها رغبة منها في الحفاظ على روابط نسيجها الأجتماعي ووحدة أراضيها. وسوف اسوق هنا امثلة من تجارب الأخرين لعلها تفتح أبصارنا إلى أهمية تغليب المصلحة العامة على أهواء النفوس لأنه ليس هناك أخطر على وحدة النسيج الاجتماعي لأي شعب من الشعوب من إثارة النزعات المناطقية.

فمثلاً واشنطن العاصمة والتي تعرف رسمياً "بقطاع كولومبيا" تمثل العاصمة الفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية. لقد وافق الكونغرس الأمريكي في 16 يوليه سنة 1790 على إنشاء عاصمة وطنية. وتطلب ذلك إنشاء "قطاع" إتحادي يقع تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية مباشرة وليس له تبعية لأي ولاية من ولايات امريكا، وقد تبرعت في حينها ولايتي فرجينيا وميريلاند بالأرض على نهر البوتماك لبناء العاصمة والتي لا تتعدى مساحتها كيلو مترات محدودة. لقد تم إنشاء العاصمة ولم تبدي أي من المدن الكبرى مثل: فيلادلفيا (العاصمة السابقة) أو لوس انجلوس أو نيويورك أو ميامي أو شيكاغو معارضة لهذا القرار.

وبالأنتقال إلى ماليزيا نجد أن كوالا لامبور العاصمة لم تعد حاضنة لمؤسسات الحكومة الفيدرالية والهيئات القضائية حيث نقلت جميعها إلى "بوتراجايا" وهي مدينة تم بناؤها على بعد خمس وعشرون كيلو متر جنوب كولا لمبور (1999) في عهد الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا. لقد تم بناء "بوتراجايا" لتخفيف الضغط على العاصمة الفيدرالية التي إستمرت في إحتضان البرلمان "وبعض" المؤسسات الأقتصادية.

ولو امعنا النظر في الخارطة السياسية والجغرافية لقلعة العالم الاقتصادية "الصين" فأننا نلاحظ أن "شنغهاي" و"هونغ كونغ" و"سن زن" مراكز تجارية هامة تتحكم في عصب الأقتصاد الصيني والعالمي بينما إحتفظت مدينة "بكين" والتي لم يتم تطوير بنيتها التحتية إلا في العقود الثلاثة الماضية بلقب العاصمة السياسية. وهناك مدينة "بيرن" السويسرية التي اسست سنة 1191 بواسطة دوك "زارينجن" تم إختيارها في عام 1848 من قِبَل اول برلمان سويسري لتكون عاصمة فيدرالية لسويسرا. الملفت للنظر أن مدينة صغيرة الحجم والمساحة والثقل الأقتصادي مثل "بيرن" والتي يقارب عدد القاطنين بها 133000 نسمة يتم إختيارها عاصمة للأتحاد السويسري بينما لم تحظى "جنيف أو زيورخ" مركزي المال والثراء في العالم بهذ اللقب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن "بون" تلك المدينة الصغيرة ظلت عاصمة لجمهورية المانيا الغربية إلى أن  تم تحطيم ذلك السور الذي فرق بين الأهل والأحبة ردحاً من الزمن لتصبح برلين بعد هدمه عاصمة لألمانيا "الواحدة الموحدة". ولم تعترض يومها أي من الولايات الألمانية على هذا التغيير أو تطالب بإختيار فرنكفورت او هامبورغ أو ميونخ عاصمة لألمانيا بأعتبار أنها قلاع عملاقة في قلب اوربا. كما تعلمنا ونحن صغار في المرحلة الأعدادية أن مدينة "كانبيرا" هي عاصمة أستراليا، وأن مدينة  "سدني" المترامية الأطراف مدينة سياحية ومركز إقتصادي هام.

بناءً على ما سبق اتسأل لماذا الأصرار على التمسك بنظام العاصمة "الواحدة" واشتراط أن يكون موقعها في حدود الإقليم الذي به الكثافة السكانية "الأكثر"؟ هذه المسألة تحتاج إلى إعادة نظر لأن التمسك بهذا الشرط  قد "يدفع" سكان الاقليمين الآخرين للقول: بأننا نحن من نمتلك احتياطي الموارد الاقتصادية والمائية "الأكبر" ومن حقنا رسم السياسة الاقتصادية والتنموية لليبيا، ولربما طالبوا بالسيطرة والأشراف الكامل على اوجه الأنفاق بما فيها حجم الإنفاق على المشاريع في كل اقليم. أرى من "الحكمة" ضرورة توزيع المشاريع والشركات بصورة عادلة على "جميع" مدن وقرى ليبيا كي يعم النفع والخير والرخاء جميع الليبيين. وليس بالأمر الغريب او الشاذ أن ينص الدستور الليبي على وجود "عواصم" إقتصادية وسياسية وثقافية لأن مصلحة الوطن تتطلب التحلي بالحكمة، والقرأة المتأنية للتاريخ، والأستفادة من تجارب الأباء الأجداد، والأبتعاد عن الشطحات الأعلامية المثيرة. فالوطن في غنى عن هذه المختنقات المفتعلة التى تثير ازمات ونعرات وتعصف بمستقبل اجياله. وما يُشَاهَدُ في الساحة اليوم من فوضى لا يعكس حالة "صِرَاع سياسي"، لكنه يجسد حالة "صَرَع سياسي" قد يفضي إلى الأنتحار السريع إذا لم تتم السيطرة على حالة الأرتباك والتخبط.

لا أعرف مخرجاً للأزمة إلا دخول "جميع"اعضاء الهيئة التأسيسية في حوار صريح يفضي إلى وضع دستور للأمة الليبية يكون محل إجماع بينهم. حوار يحرصون من خلاله على إحترام الرأي المخالف، ويستشعرون فيه خطورة المرحلة التي يمر بها الوطن. وهناك قضايا كبرى وشائكة ينبغي أن يلجأ المسؤولون عنها إلى تغيير ارائهم وتعديل مواقفهم عن طريق التوافق بين مختلف الأراء والتوجهات داخل المجتمع أو المؤسسات السياسية والمجتمعية من أحزاب وجمعيات مجتمع مدني. اختم بسؤال: عندما تشح الخيارات ايهما افضل التعامل بواقعية أم الركض خلف السراب؟ فالشعب هو صاحب الكلمة الفاصلة "ولا يحق لأحد" مهما علا مقامه أو إرتفع مركزه أن يصادر حق الشعب في إقرار او رفض مشروع الدستور، ولا يمكن القبول بتقييد قدرة المواطنين بكل فئاتهم على التأثير في النظام السياسي بما في ذلك إنتخابات القادة التنفيذيين وحق نقدهم بل تغييرهم بوسائل ديمقراطية ودستورية. ليبيا ليست مزرعة لآحد، والوطن لا يبنى على اساس الأنتماء للهوية العرقية أو التعصب للغة أو للقبيلة أو لتوجه فكري بل تقام على أكتاف مواطنين لديهم شعور قوي بالأنتماء إلى وطن تأسس على خلفية تضحيات جسام وقيم تاريخية مشتركة.

د. امين الهوني

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com