http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

مختار عزيز: قراءة في كتاب:- الدين والسياسة في أمريكا أو "مدينة على جبل"

ليبيا المستقبل 0 تعليق 16 ارسل لصديق نسخة للطباعة

قراءة في كتاب:



 الدين والسياسة في أمريكا أو "مدينة على جبل"

تأليف: دكتور طارق متري


صدر عن دار النهار اللبنانية كتاب هام حول مسألة العلاقة بين الدين والسياسة في مجتمع مابعد صناعي هو المجتمع الامريكي، وهي مسألة لم يكن يدركها اهتمام المثقفين والباحثين العرب قبل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حين تأجج الجدل في الساحة الثقافية والسياسية العربية حول تأصيل الصراع مع الكيان الصهيوني، وتكييف الموقف الامريكي المسيحي "الداعم" لذلك الكيان . وهي المرحلة التي شهدت صعود التيار الانجيلي المحافظ في الولايات المتحدة وهيمنته على الكثير من مناحي الحياة المدنية او مايعرف بمؤسسات ومناشط المجتمع المدني. وقد توجت تلك المرحلة بوصول رونالد ريغن الى سدة الرئاسة وهو احد رموز هذا التيار الديني الأصولي. وقد عرفت السياسة الخارجية في عهده ولاء اعمى وانحيازا سافرا لاسرائيل.

أهمية الكتاب

يستمد هذا الكتاب اهميته من الباع الطويل لمؤلفه في مجال الدراسة. وهو ماتأتى لصاحبه الدكتور طارق متري عبر رحلة طويلة ومضيئة من البحث في الفرق الأصولية المسيحية وخاصة البروتستانتية منها على مدى ربع قرن تقريبا، تكللت في العشر سنوات الأخيرة بتولي الدكتور متري موقع المسؤولية عن الحوار بين الأديان في مجلس الكنائس العالمي، الاطار الجامع للكنائس الغربية المؤسس في العام 1984، حيث اضطلع بدور بارز في تنظيم العديد من الملتقيات والندوات بين المجلس ومؤسسات وشخصيات اسلامية مختلفة كان دائما الدكتور متري خلالها متميزا بقدرته دون سواه من قيادات المجلس على فهم الاسلام وحضارته، بحكم انتمائه الأصيل للحضارة الاسلامية، الذي اكتسبه من خلال انتسابه للكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية في لبنان، حيث تتلمذ على يدي المطران جورج خضر صاحب الومضات المشرقة حول العلاقة بين الكنيسة الشرقية المحلية والحضارة الاسلامية. وكان صاحبنا الدكتور متري قد ولد وتترعرع في مدينة طرابلس بلبنان وامضى شبابه شأن اقرانه من بني جيله في احضان حركة المقاومة الوطنية والتيارات القومية، لتحتل قضية فلسطين مكانة مركزية في فكره ووجدانه.

"مدينة على جبل"

اقتبس الدكتور متري عبارة "مدينة على جبل" الواردة بالعهد الجديد والتي تقابل عبارة "ارض الميعاد" التي وردت بالعهد القديم، اقتبسها لتكون عنوانا لكتابه في اشارة واضحة لنظرية "الاصطفاء" التي تملكها التيارات الأصولية الأمريكية عن ذاتها وعن امريكا، وما انتجه ذلك من ادبيات دينية تضافرت في تكوين ضمير جمعي للآمريكيين يتمحور حول فكرة أن امريكا "امة مختارة". وقد انعكست هذه الرؤية الدينية في الخطاب السياسي للرئيس رونالد ريغن، في خطابه الوداعي في العام 1989، حين تحدث عن "مدينة مضيئة على جبل .. باركها الله .. وكانت منيعة وفخورة " وتجدر الاشارة هنا الى أن انتخاب الرئيس ريغن كان ايذانا بانطلاق مرحلة جديدة في العلاقة بين الدين والسياسة رسم ملامحها الانجيليون المحافظون، والذين لايزالون يؤلفون قوة مؤثرة في سياسة امريكا الداخلية والخارجية، ويعد الرئيس جورج دبليو بوش ابرز الرموز السياسية لهذا التيار.

ويمكن القول أن هذا التيار الاصولي يعتقد على نحو دوغماتي بفكرة الشعب المختار (الاصطفاء)، ويضفي طابع القدسية على نصوص أمريكا التاسيسية مثل الدستور واعلان الاستقلال، ويتمسك بالنظام الاقتصادي تمسكا شبه ديني، ويعتبر طرق العيش الامريكية نموذجا يحتذى بل يجب تعميمه، وفي مجال الحريات يجري التشدد على الحرية الدينية على نحو يفوق الحرص على الحريات المدنية والسياسية، ولهذا تبرز الملاحظة المتكررة حول حق التبشير الديني المسيحي في اوساط المسلمين عند الحديث عن البلدان الاسلامية.

وينعكس ذلك بوضوح على هيكلة التقرير السنوي الذي تصوره الخارجية الامريكية حول الديمقراطية وحالة الحريات في بلدان العالم لاسيما الاسلامية منها!!

وقفة مع المصطلح:

في المقدمة يشدد الدكتور متري على التمييز بين مصطلح "الانجيليين المحافظين" وما بات يعرف "باليمين المسيحي" مشيرا الى أن هذه الفئة الأخيرة غير متجانسة بالرغم من تميزها في مسائل العقيدة والاخلاق والعلاقة بين الدين والسياسة.

كما يؤكد الباحث على الأصل الأمريكي لمصطلح الأصولية، الذي انتجه التاريخ الديني للولايات المتحدة وعند وصفه للأصولية البرتستانتية الأمريكية المعارضة لليبرالية باسم اليقين في أن الكتاب المقدس كتاب الحقيقة، روحا ونصا، ولاتشوبه اخطاء تاريخية أو علمية، فتلك المعارضة قد قامت باسم التمسك بحقائق "أصول" مسيحية غير قابلة للتعديل أو المراجعة.

بين القومية الأمريكية والخصوصية المسيحية:

يخصص الباحث الفصل الثالث من كتابه للمشهد الديني في الولايات المتحدة ويقدم سياحة في أوساط الظاهرة مسلطا الضؤ على معالمها الرئيسية، وتفسير التيار الرئيسي من الانجليين المحافظين لأحداث 11/9/2001، موضحا اختلاف المسيحيين الأمريكيين حول الاسلام والمسلمين، وحول العرب على العراق والتي رأت الكنائس الرئيسية انها حرب غير عادلة.

يتوقف بعد ذلك في الفصل الرابع امام التبسيط المخل السائد لدى بعض المثقفين العرب الذين يستهلون وصف التيارات البروتستانتية، بالمسيحية المتهودة أو المتصهينة. وهنا يتناول المؤلف الموقف من اسرائيل لدى التيارات المختلفة والمستند الى القراءات الخاصة بكل تيار للنصوص الانجيلية.

ويلفت الدكتور متري نظر القارىء الى أن البروتستناتية ليست شرطا وحيدا لتفسير انحياز الولايات المتحدة السافر الى اسرائيل، ويدلل على صحة فرضيته هذه بقوله أن العلاقة شديدة الخصوصية بين الدولتين تعود الى اول ايام الرئيس جون كينيدي في العام 1961 (وهو كاثوليكي)، وان الاعتبارات الدينية لم يكن لها يومذاك دور يذكر – حسب رايه.

التحالف الثلاثي:

ويخلص من مناقشته لجذور واصول المواقف المسيحية تجاه اسرائيل الى القول: "ان التحالف الراهن بين الانجليين المحافظين، والمحافظين الجدد وجماعات الضغط المؤيدة لليمين الاسرائيلي ليس زواجا كاثوليكيا. فلكل فئة منهم غايتها!". يفرد الفصل الخامس من الكتاب لاستشراف مستقبل التحالف الثلاثي واستمراره محاولا الإجابة على أهم الأسئلة، بما فيها السؤال حول حماسة الانجليين المحافظين ونشاطهم في سبيل اسرائيل؟

وبعد أن يستعرض الباحث العديد من آراء علماء الاجتماع وقراءاتهم للظاهرة الدينية في الولايات المتحدة يشير الى تفسير عالم الإجتماع المعروف بريان ويلسون Bryan Wilson، لاحتفاظ أمريكا بالسمة الدينية لمجتمعها بخلاف مجتمعات مابعد الصناعية الأخرى، حيث يعزي ذلك إلى كون الكنائس في الولايات المتحدة ظلت تتمتع بشعبية كبيرة لأنها تخلت عن الكثير من دينها –حسب رأيه- الذي يوافقه عليه الدكتور طارق متري، مستشهدا بمثال آخر غير ديني، وهو حالة الاحزاب الاشتراكية في اوروبا حيث استطاعت تلك الاحزاب ان تحافظ على قاعدتها الانتخابية بالقدر الذي تخلت به عن اشتراكيتها.

الموقف من الإسلام:

بعد أن تتناول فصول الكتاب الخمس الموقف من الإسلام والعلاقة مع المسلمين على نحو متفرق ومن زوايا مختلفة توزعت هنا وهناك. وكذلك العلاقة باليهود والموقف من اسرائيل من جهة أخرى.. ويخلص من ذلك إلى القول "إن احداث 11 سبتمبر اخرجت إلى العلن الكثير المكبوت او المسكوت عنه من كراهية للإسلام والمسلمين أو الخوف منهم".

وبعد أن يضع تصنيفا لموقف التيارات المسيحية من "الأخر" الإسلامي، فيتوصل الباحث إلى التفصيل التالي: انه في حين لم يجاوز الانجيليون المحافظون التشديد على حرية التبشير في العالم الإسلامي، دون أن يرتبط ذلك بسياسة شاملة تجاه العالم الإسلامي، ذهب المحافظون الجدد إلى ما هو أبعد من التغيير السياسي الجذري في العالم العربي على ما اطلقوا عليه "إصلاح الإسلام" ذاته كدين وتحديثه ويرون ان الفرصة ملائمة لتحقيق ذلك ولو عن طريق إستعمال القوة!!.

وبعد أن يقرر الباحث في كتابه جملة من الاستنتاجات الهامة والخطيرة حول رؤى وتصورات التيارات الانجيلية في الولايات المتحدة عن الذات وعن الآخر –الذي هو الإسلام- يمكن وصفها بانها طبولا تقرع لشن حرب للإلغاء او الإستلحاق.. يستدرك ليبقي نافذة مشرعة امام بصيص أمل فيقول: "لايعني الثبات في تاييد إسرائيل أو ازدياده في السنوات الأخيرة أن تغيير المواقف مستحيلا" ويضيف: "ليس الفكر الديني الخاص بالعلاقة بين المسيحية واسرائيل مغلقا، عند كل الانجيليين المحافظين، بوجه الدعوة الانجيلية إلى العدالة". ثم لايلبث ان يعود ليتخذ موقف الحذر والتحذير فيقول: "بطبيعة الحال لا يعني ذلك ان نعد أنفسنا بتغيير كبير وسريع فيما نحن نتفرج على المسيحية الأمريكية"!.

ويبقى ان نختتم بالقول إن هذا الكتاب "مدينة على الجبل" للدكتور طارق متري إضافة نوعية متميزة لكونها معمقة، امتلك صاحبها المناهج اللازمة لدراسة الظاهرة وبالرغم من غوصه في أعماقها حتى بات كأنه منها، الإ أنه احتفظ بخصائصها وخصوصياته، فيحق للمكتبة العربية أن تحتفي بصدوره بالقدر الذي يغنيها عن الأعمال المترجمة.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8148
maziz@iwsc.eu
مدير مركز دراسات العالم الاسلامي

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com