http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

هذا الكتاب (5): عالم لم يهادن اليهود

ليبيا المستقبل 0 تعليق 81 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب (5): عالم لم يهادن اليهود




مصباح الأرواح في أصول الفلاح (5/2)


تحقيق الأستاذ الجزائري / رابح بونار

عرض: سعيد العريبي

 حاثة (المغيلي) مع يهود (توات):

غادر محمد بن عبد الكريم المغيلي تلمسان، ولا ندري تاريخ ذلك ولا بواعثه، ولم تذكر المصادر التي ترجمت له شيئا في الموضوع.. والتحق بالصحراء وأفاد أهلها، ووقعت له حادثة مع يهودها في أواخر القرن التاسع الهجري. وقد أرسل المغيلي مخطوطه (مصباح الأرواح) إلى علماء فاس وقرأوه وأثنوا عليه، وتركت هذه الحادثة صدى بعيدا بين علماء المغرب العربي في ذلك الوقت. وملخص ذلك أن المغيلي كان شديد التدين، دقيق الملاحظة، وقد رأى من يهود (توات) تجاوزا للحدود الشرعية واستعلاء على المسلمين، حتى إنهم أكثروا من التعدي والطغيان والتمرد، على الأحكام بتولية أرباب الشوكة، أو خدمة السلطان، كما رأى تساهلا من المسلمين مع هؤلاء اليهود، حتى كان الواحد منهم يفضل اليهودي على نفسه وعياله، أو يستعمله في أعماله ويجعل بيده ما شاء من ماله، مع أنه لا دين له ولا مروءة، كما يقول في مخطوطه.

• تحطيمه لمعابد اليهود:

رأي المغيلي تدهورا أخلاقيا كبيرا للمسلمين، وتمكينا لليهود من أسباب السلطة والنفوذ ونشاط هؤلاء في إحداث الكنائس أو البيع، واستعلاءهم بذلك على الإسلام والمسلمين، فغاظه ذلك كثيرا وفكر في الأمر، وأراد أن يهجم بأصحابه على بيعهم وكنائسهم ليهدمها، فنازعه في ذلك قاضي توات، الفقيه عبد الله العضوني. فكاتب المغيلي في ذلك علماء فاس وتلمسان، فوردت عليه ردود مختلفة من هؤلاء العلماء، فاعتمد على ما وافق رأيه منها، وآمن بأنه الحق، وترك ما خالفه وعده مجانبا للصواب، ومشوبا بالهوى، وهجم هو أتباعه على بيع اليهود وحطموهــا، وأوصى أتباعه بقتل من عارضهم.

• الفتوى التي اعتمد عليها:

وأبرز فتــوى شرعية أخذ بها، زيادة على ما رآه هو، فتــوى الحافظ التنسي، والفقيه السنوسي، وقد توصل الأول في فتواه إلى أن ما أحدثه اليهود من الكنائس، هو خروج على الأحكام الإسلامية، وأيده الثاني على ذلك تأييدا تاما.

• رسالة تأييد من التنسي:

تلقى المغيلي رسالة تأييد من الحافظ التنسي، وغيره من فقهاء عصره، وقد وصف ابن مريم رسالة التنسي بالسداد والصواب والابتعاد عن الهوى، واتهم من خالفه بالزيغ وتملق أرباب الشوكة الذين كانوا يعطفون على مستخدميهم من اليهود فقال: (لقد وفق لإجابة المقصد، وبذل وسعه في تحقيق الحق وشفى غليل أهل الإيمان في المسألة، ولم يلتفت لأجل قوة إيمانه، ونصوع يقينه إلى ما يشير إليه الوهم الشيطاني من مداهنة بعض من تتقى شوكته، ويخشى وقوع ضرر منه).

• رسالة تأييد من السنوسي:

كتب السنوسي رسالة قصيرة بعث بها إلى المغيلي مؤيدا فيها مواقفه، وشاكرا الحافظ التنسي على رسالته المذكورة أعلاه فقال: (من عبيد الله محمد بن يوسف السنوسي، إلى الأخ الحبيب القائم بما اندرس في فاسد الزمان من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي القيام بها - لاسيما في هذا الوقت - علم على الاتساع بالذكورة العلمية، والغيرة الإسلامية، وعمارة القلب بالإيمان، السيد أبي عبد الله محمد بن عبد الكريم المغيلي.. حفظ الله حياته، وبارك في دينه ودنياه، وختم لنا وله ولسائر المسلمين بالسعادة والمغفرة، بلا محنة يوم نلقاه.. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد بلغني أيها السيد، ما حملتكم عليه الغيرة الإيمانية والشجاعة العلمية، من إحداث اليهود - أذلهم الله -  كنيسة في بلاد الإسلام وحرصكم على هدمها، وتوقف أهل (تمنطيطت) فيه من جهة من عارضكم، من أهل الأهواء، فبعثتم إلينا منتهضين همم العلماء فيه، فلم أر من وافق لإجابة المقصد، وبذل وسعه في تحقيق الحق وشفاء الغلة، ولم يلتفت لقوة إيمانه ونصوع إيمانه، لما يشير إليه الوهم الشيطاني من مداهنة من تتقى شوكته، سوى الشيخ أبي عبد الله بن عبد الجليل التنسي أمتع الله به). اشتد المغيلي في مطاردة اليهود، وناظر من خالفه في ذلك، وأنشأ عدة قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهجاء اليهود، وألف رسالة أطلق عليها أحد الفقهاء، وهو الشيخ المكي الحاج أحمد الإدريسي عنوان: (مصباح الأرواح في أصول الفلاح).. وأرسلها مع جملة رسائل إلى فاس وتلمسان. تحدث أبو عبد الله بن علي بن عمر بن مصباح الحسني في كتابه (دوحة الناشر).. عن الأثر الذي تركته هذه الرسائل، في علماء فاس فقال: (ووصل كتابه إلى حضرة فاس، وطالعه الفقهاء، ومنهم من أنف ومنهم من أنصف، وكان شيخ الجماعة الإمام أبو عبد الله - يعني ابن غازي - ممن أنصف وكتب على ظهر كتابه - يعني مصباح الأرواح - هذا كتاب جليل، صدر عن رأي نبيل، وعلم بالصواب كفيل غريب في هذا الجيل). لكنه خالف المغيلي في حمل آية التولية على ظاهرها، فالمغيلي حمل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم...}.. على قواعد منطقية  تقتضي أن الذي تولاهم بالتعصب لهم، فإنه منهم في حكم التكفير، وهذا ما يخالفه ابن غازي. 

• قدوم (المغيلي) إلى فاس:

لما اشتد الخلاف بين المغيلي والفقهاء، قدم إلى فاس، لمناظرة مخالفيه، وقد بسط صاحب الدوحة الحديث حول سفره ومناظرته فقال: (ولما اختلف الفقهاء، قدم المغيلي فاس لأجل المناظرة بحضرة الشيخ ابن زكريا الوطاسي سنة (876 هـ) ثم المريني سنة (910 هـ)، فلما نزل بظاهر فاس، خرج الفقهاء إلى لقائه والسلام عليه، وكان له ستة مماليك من السودان كلهم يحفظون مدونة البراذعي عن ظهر قلب، وكلهم فقهاء، فلما استقر المجلس بفقهاء فاس عنده، قال لأحد المماليك واسمه ميمون: يا ميمون، تكلم مع هؤلاء الفقهاء في نازلة اليهود.. فأنف الفقهاء من الكلام مع المملوك ورجعوا إلى ديارهم. فلما كان من الغد، ركبوا إلى السلطان لأجل المنافسة  المركبة في الجنس، وقالوا: عن هذا الرجل مراده الظهور والملك، وليس مراده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلما دخل الشيخ عليه، ولقيه وتكلم معه على نصرة الدين، ومسألة اليهود وغيرها، قال له السلطان: إنما أنت تحاول على هذه الديار وليس لك قصد غيرها.. يعني الملك. فقال له الشيخ المغيلي: والله ما هي عندي إلا وهي والكنيف سيان. وخرج من عنده ولم يعد إليه، ثم هاجر إلى الصحراء، وعاهد الله تعالى أن لا يلقى سلطانا أبدا - يعني ممن يخالفه- واستقر به المقام ببلدة توات، من الصحراء ونشر العلم هناك).

عرض: سعيد العريبي

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com