http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

الزهراء لنقي: الاتفاق السياسي الليبي بعيون حقوقية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 72 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الزهراء لنقي: الاتفاق السياسي الليبي بعيون حقوقية



من يتابع الشأن الليبي يلحظ تعطّلا وتباطؤا في كثير من مسارات التسوية السياسية التي من المأمول أن تُقرب الأمة الليبية من السلم الأهلي. لا تؤخذ خطوة للأمام باتجاه التسوية في أي ملف إلا وتعقبها خطوتان إلى الوراء نتيجة الاختلاف. لقد انطلق الاتفاق السياسي بتاريخ 29/9/2014 في مدينة غدامس برعاية وتيسير من بعثة الأمم المتحدة. وبعد مخاض صعب، وقع الاتفاق بالأحرف الأولى في 11/يوليو/2015، ثم وقع توقيعا نهائيا في 18 ديسمبر 2015 بالصخيرات بالمملكة المغربية. واستغرق الحوار سنة ونيف، بينما مضى على التوقيع النهائي شهران. خلال هذين الشهرين، شهدنا تعطلا بشأن وزير الدفاع. كما شهدنا استمرارا لمناخ الاحتقان بل وارتفاعه، ومعه قدراً من الإرتباك العام. ولا شكّ أن ثمّة عوامل كثيرة وراء ذلك.

ومن بين أبرز عوامل التعطل والتباطؤ في إتمام التسوية السياسية واستمرار الإحتقان والإرتباك، إنطواء الإتفاق السياسي وعملية إنتاجه على أوجه عوار جوهرية فيما يتصل بالناحية الحقوقيةكانت لتفضي حتماً إلى ما آلت إليه الأمور على أرض الواقع. أبرزها غموض لغة الإتفاق التي أتت فضفاضة وانطواؤها على إبهام واسع النطاق لا سيما بعد التعديلات التي تم ادراجها بعد التوقيع المبدئي في شهر يوليو. كما لم يحسب الاتفاق حساب عدد من الاحتمالات الواقعية التي كانت جديرة بأن تؤخذ في الحسبان. وقد أدى كل ذلك إلى قدر من اللبس والإرباك في التطبيق. وقد أصاب هذا العوار عدداً من المسائل الجوهرية التي انصب عليها الاتفاق السياسي. هذه المسائل الخمس هي مسألة المصالحة الوطنية، مسألة العدالة الانتقالية، مسألة الإفلات من العقاب وتولي المناصب، مسألة تفكيك الكتائب والترتيبات الأمنية، ومسألة موقف المجتمع الدولي بإزاء معرقلي الاتفاق. كل ذلك نال من قدرة الاتفاق والتسوية على الصمودوهو ما نسعى لبيانه.

فنبدأ بمسألة المصالحة الوطنية. لقد قرر الاتفاق السياسي أن عملية المصالحة من اختصاص مجلس الدولة. ومعلوم أن مجلس الدولة هيئة قد استحدثت، وأنه قد ارتأى المشرفون على الحوار أن يكون جل أعضائه من أعضاء المؤتمر الوطني كواحد من الحلول التي تسهم في إنهاء حالة الانقسام، نظرا للخلاف الذي احتدم بين المؤتمر الوطني ومجلس النواب. فكيف يكون طرفٌ من أطراف النزاع مشرفا على تحقيق تسوية هذا النزاع؟ ففي أي خلاف بين طرفين، يصار إلى اللجوء إلى طرف محايد ليس محسوبا على أي من الطرفين المختلفين، مهما كانت كفاءة الطرفين ومهما كانت وطنيتهما. فاختيار طرف محايد هو من البديهيات التي التزمت بها صيغ التسوية في جميع الحالات المشابهة في بلدان أخرى. وبالإضافة إلى إشكالية إسناد مهمة المصالحة الوطنية لأحد أطراف النزاع، هناك تجاهل للدور المحوري الذي تلعبه المصالحات الأفقية بين مجالس شيوخ القبائل والأعيان ومجالس البلدية والتي نجحت في حقن الدماء أكثر من أي شيء آخر. إن إسناد عملية المصالحة الوطنية لإحدى مؤسسات الدولة واحتكارها عامل أساسي في إعاقة نجاح هذه العملية. فقد أثبتت التجارب المحلية والمقارنة أن المصالحات الأفقية أكثر فعالية من المصالحات الرأسية التي تقودها الدولة لاسيما إذا كانت الدولة تعاني من ضعف بنيوي.[1]

كذلك، شاب مسألة العدالة الانتقالية أكثر من عوار جوهري في الاتفاق وفي طريقة بناء الاتفاق. فأولا يلاحظ عموما تقليص جوهر "العدالة الانتقالية" الذي هو "جبر الضرر" لصالح فكرة "التسوية بأي ثمن" والتي جرى تضخميها في الاتفاق على الرغم من أنه لا مصالحة بلا عدالة. منها غياب التعويضات، وغياب جلسات استماع للوقوف على الحقائق، وما سمي بمراجعة النفس على المستوى الجمعي[2] soul searching.

ثانيا، اقتصر الاتفاق على المطالبة بتفعيل قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013 [3] الذي هو في الأصل قانون اجتمع عدد من الخبراء على وصفه بأنه معيب. [4]

 ثالثا استحدث الاتفاق هيئات من دون تعريف دقيق لاختصاصاتها كهيئة لكشف الحقائق، وهيئة لحقوق الإنسان، وهيئة لرصد الانتهاك. ومن شأن هذا الأمر أن يسبب بدون شك إرباكاً في أداء هذه الهيئات والتداخل غير المنضبط، وغياب التنسيق.

رابعا، افتقر الاتفاق السياسي لتحديد آلية تفعيل العدالة الانتقالية والمصالحة وتقصي الحقائق وتوثيقها.

خامسا، افتقر الاتفاق لتحديد آلية تطوير قدرات المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لتمكنها من استيفاء هذا الجانب حتى تكون قادرة على مراقبة هذا الإتفاق السياسي وخروقاته.

وأخيرا، غفل الاتفاق عن تحديد الخطوات والآليات الأساسية والعملية في ملفات حيوية. من أبرز تلك الملفات ملف المحتجزين والمفقودين والسجناء والنازحين والمهجرين. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 26 بفصل تدابير الثقة بالاتفاق على التالي: "تلتزم جميع أطراف هذا الاتفاق بجمع معلومات كاملة عن الأشخاص المختطفين والمفقودين وتقديمها لحكومة الوفاق الوطني وتلتزم حكومة الوفاق الوطني بتشكيل هيئة مستقلة للأشخاص المفقودين إعمالاً بأحكام القانون رقم1 لسنة 2014[5] وذلك خلال ستين (60) يوما من بدء ممارسة الحكومة لمهامها." ومن يدقق في صياغة هذه المادة يستخلص فورا أنها تعج بالإبهام. فمن ذا الذي سيجمع المعلومات المطلوبة على وجه التحديد؟ وكيف سيصار إلى تسمية القائمين على جمع المعلومات؟ هل ستؤسس لجنة لذلك؟ كذلك تنص الفقرة الثانية من المادة نفسها على التالي: "ينبغي على جميع أطراف النزاع، في غضون ثلاثين (30) يوماً من بدء ممارسة الحكومة لمهامها، إطلاق سراح الأشخاص المحتجزين لديهم سند قانوني أو تسليمهم إلى السلطات القضائية، التي ستقرر في غضون الستين (60) يوماً التالية ما إذا كان ينبغي عليهم المثول أمام القضاء أو وجوب إطلاق سراحهم وفقاً للتشريعات الليبية النافذة والمعايير الدولية." السؤال الذي ينهض هنا: كيف يُفسر عدم الانتباه لحقيقة عجز القضاء في أغلب البلاد منذ نشوب النزاع؟

كذلك تنص الفقرة الثالثة من نفس المادة من تدابير الثقة على الآتي: "ينبغي على كافة الأطراف المساهمة في توفير حماية فعالة للسلطات القضائية المختصة وتمكينها من مراجعة جميع حالات الاحتجاز أو الاعتقال وإطلاق سراح فوري لجميع الأشخاص المحتجزين أو المعتقلين دون سند قانوني وفي حالة عدم الالتزام بالتنفيذ تقوم الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة." السؤال الذي يبرز هنا ينصب حول الجهة التي ستوفر الحماية. من هي هذه الجهة؟ هل هي الأطراف الممثلة في لجنة الحوار السياسي والتي تفتقر إلى هيكل محدد؟ أم هل الحماية مسؤولية حكومة الوفاق الوطني الوليدة التي تحتاج إلى حماية كي تدخل العاصمة طرابلس وتبسط نفوذها؟ ومن ثم هل الجداول الزمنية المشار إليها في هذه الفقرات واقعية وعملية؟

كذلك ينطبق هذا التساؤل على نص المادة (5) من المبادئ الحاكمة على ما يلي: "تلتزم أطراف هذا الاتفاق بالعمل على تطبيق قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013، بما في ذلك تعيين مجلس إدارة هيئة تقصي الحقائق والمصالحة، خلال تسعين (90) يوماً من دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ."

ومن الملفات التي جاء الاتفاق خلوا من آليات محددة بشأنها ملف النازحين والمهجرين. فالمادة (27) من تدابير الثقة تنص على التالي: "تلتزم جميع أطراف هذا الاتفاق بالتعاون مع جهود حكومة الوفاق الوطني ومنظمات الأمم المتحدة وغيرها من الجهات ذات الصلة لمساعدة المهجرين والنازحين بغية عودتهم الطوعية والآمنة بأسرع وقت ممكن إلى مناطقهم وتيسر التواصل الحر والأمن دون عوائق مع الوكالات والمنظمات الإنساني. وتلتزم حكومة الوفاق الوطني بوضع الخطط اللازمة للعودة الآمنة والطوعية والكريمة للنازحين والمهجرين داخلياً خلال تسعين (90) يوماً من تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ." بجانب عدم تحديد هوية الأطراف ومهامها، غفل الاتفاق عن تحديد آلية تنسيق التعاون بينها وبين حكومة الوفاق. فلقد قرر الإتفاق أن تؤمن العودة للنازحين والمهجرين خلال تسعين يوما. على أرض الواقع، لقد انقضى على الاتفاق حتى الآن أكثر من خمسين يوما، ولم يعلن حتى عن تشكيل الحكومة بعد.

كذلك شاب الاتفاق أوجه عوار فيما يتصل بمسألة المناصب لاسيما فيما يتصل بمشاركة المرأة وتمثيلها. بادئ ذي بدء، لقد غفلت عملية بناء الاتفاق السياسي عن إيلاء نقاش جاد وكاف لقضية مشاركة المرأة وتمثيلها تمثيلا نوعيا فعالا، وتعاملت معها تعاملا كميا لا أكثر. كما لم تتصدّ عملية بناء الاتفاق السياسي لأجندة المرأة في قضايا الأمن والسلام على الرغم من إشارة الاتفاق إلى قرار مجلس الأمن رقم 1325 المتعلق بالمرأة والأمن والسلام. كذلك تناسى الاتفاق النص على مواد تتضمن مبادئ مفصلة ومحددة تعكس تلك الأجندة؛ كما لم يعتمد تلك المقاربة التي تستلهم النظرة الإنسانية الشاملة لمختلف قضايا النزاع والتصدي لجذوره مع التركيز على البعد التنموي والإقتصادي والإجتماعي في تشخيص المشكلات وعلاجها، والتي تسمى "المقاربة الجندرية"، والتي تنتج إدماج هذه المقاربة في جميع الملفات وهو يعرف بـ gender mainstreaming. في الوقت عينه، اكتفى الإتفاق بتكرار العبارات الشكلية والنمطية المنصبة على وجوب تكريس مشاركة المرأة بغضّ النظر عن نوعية وفاعلية المشاركة. فمثلا في الديباجة، وردت عبارة "ضرورة زيادة دور المرأة في صنع القرار والمشاركة السياسية"، ونصت المادة الثانية على احترام مبدأي الكفاءة وعدم التمييز والتمثيل العادل للمرأة.[6]

وفي اعتقادنا أنه من الواجب أن نعزو الإجحاف المنصب على المرأة فيما يتصل بتشكيلة الحكومة المنبثقة عن الاتفاق السياسي لهذه النصوص العامة التي هي في حقيقتها مجرّد تكرار لما تقع عليه كل عين في أي نص يتناول مشاركة المرأة. ففي تشكيلة الحكومة الأولى التي تم رفضها من قبل مجلس النواب، كانت المرأة ممثلة بنسبة ستة بالمائة(6%)فقط إذ عينت وزيرتان من أصل اثنين وثلاثين وزيرا. ثم جاء في إعلان الحكومة الأخيرة ثلاث وزيرات من مجمل ثمانية عشر وزيرا ولكن اثنتين من الوزيرات الثلاث هن وزيرات دولة مفوضات أي وزيرات دون صلاحيات إدراي. ولا نبالغ عندما نقول إن هذا الإجحاف الواقع على المرأة يمثل إهدارا لكل جهود الحراك المدني في الفترة السابقة التي انصبت على تمكين المرأة سياسي. وما زاد الأمر إجحافاً هو أن الحكومة لم تسعَ لجبر القصور والتقصير البيّن من خلال توضيح الآلية المتبعة في اختيار الوزراء لتوضيح أسباب استبعاد النساء ذوات الكفاءة من العمل في الحكومة، بل اكتُفي بوحدة تمكين المرأة وإخضاعها لإشراف رئاسة المجلس الرئاسي، وهو ما يوحي بأن ثمة توجهاً نحو توظيف وحدات كهذه بعيدة عن صنع السياسات في الإيحاء بالعناية بتكريس مشاركة المرأة بينما تحجب المناصب السيادية المهمة عنها وتسند وفقا لصفقات المحاصصة. وهذا كله عائد إلى أن الحكومة تستلهم من الاتفاق السياسي الذي شكلت وفقا له، وتستلهم من عدم الاكتراث بمسألة المرأة وتمثيلها الذي اتسمت به عملية بناء ذلك التفاوض.

كذلك، تعامل الإتفاق وطريقة بنائه مع مسألة الإفلات من العقاب على نحو يشي بعدم تقدير "مبدأ عدم الإفلات من العقاب" حق قدره وغياب الإحاطة الكاملة بأهميته البالغة في الخروج من حالة التجابه الأهلي إلى حالة الاستقرار والوئام المجتمعي. كانت المادة (68) في المسودة الرابعةللاتفاق السياسي الذي تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى في شهر يوليو الماضي فيما يتصل بتولي المناصب السيادية تشترط خلو ساحة المرشح من سابقة الخضوع للمساءلة الجنائية الدولية أو وضع اسمه ضمن لائحة العقوبات من قبل مجلس الأمن حسب قرار مجلس الأمن رقم 2174. ثم إذا بالاتفاق السياسي في صيغته النهائية يخرج خلوا من هذه المادة. هذا من ناحية. من ناحية أخرى نجد أن المادة رقم (7) من الأحكام الإضافية قد نصّت على عدم السماح لمن أدينوا بارتكاب جرائم في حقّ الشعب الليبي بشغل مناصب في المؤسسات الأمنية. على الرغم من ذلك، جاءت المادة رقم (11) من الأحكام الإضافية[7] لتتضمن نصا مفاده ضمان عدم ملاحقة من شارك في القتال. وهو ما قد يفتح الباب أولا للإفلات من العقاب، وثانيا لإسناد مناصب لمن هو خليق بأن يُستبعد وجدير بالعقاب. فالمادةلم تتضمن معايير كافية فيما يتصل بمبدأ عدم الإفلات من العقاب وما يتعلق بإسناد المناصب. ولقد أدى التراجع والتناقض بين المواد بشأن مبدأ عدم الإفلات من العقاب إلى ما نراه اليوم من تناحر حول المناصب دون التقيد بروح مبدأ عدم الإفلات من العقاب لاسيما  بشغل المناصب السيادية.

وقد يقول قائل إن هذه الظاهرة انعكاس للجدل الدائر حول مسألة الإفلات من العقاب وتولي المناصب بين مدرستين: إحداهما تولي وزنا أكبر لأولويات حقوق الإنسان وتتشدد في الاستبعاد والأخرى تولي وزنا أكبر لأولويات بناء السلام وتنادي بجعل النظام الجديد يرتكز على مشاركة أطراف النزاع. ونرد على ذلك بأن ثمرة اعتماد وجهة نظر المدرسة الثانية سلام هش قد لا يصمد أمام أول تحدّ حقيقيّ، كما أن ما نشهده اليوم من تناحر وتجرؤ على المناصب السيادية ليس سوى نتاج طبيعي لتذبذب الاتفاق السياسي بإزاء مسألة الإفلات من العقاب وغياب مرجعية ثابتة جامعة (قوامها احترام حقوق الانسان وسيادة القانون) تحكم الكل وتلزمهم بعيدا عن الأهواء والمصالح.

لقد انعكست هذه المقاربة المتذبذبة للإتفاق السياسي أيضا على سلوك المجلس الرئاسي تجاه الترتيبات الأمنية. فعلى الرغم من وجود نصوص صريحة تقرر تفكيك الكتائب المسلحة وإعادة تأهيل منتسيبيها وانسحابها من جميع المدن والتجمعات السكنية وإعادة انتشارها في مواقع محددة كما أوضحت المادتان (37) و(39)[8] من فصل الترتيبات الأمنية، قام المجلس الرئاسي خلافا للتوقعات بإسناد مهمة الترتيبات الأمنية بدخول العاصمة لكتائب مسلحة.

وقد أثار ذلك جدلا واسعا بين منتقد لتشكيل هذه اللجنة من حيث شخوصها وخلفياتهم السابقة وضلوعهم في النزاع وبين منتقد لتشكيلها القانوني وبين مؤيد. ولقد فسر المجلس الرئاسي خطوته هذه بقوله إن هذه اللجنة الأمنية مؤقتة لترتيب استلام الحكومة مقراتها وأن مهمتها تنتهي فور تحقق ذلك. كما أكد أنه لا علاقة لها باللجنة الأمنية المذكورة في المادة (37)[9] والتي ستشرف على عملية مراقبة وقف إطلاق النار وانسحاب الكتائب المسلحة خارج المدن. وأوضح المجلس الرئاسي أن هذه اللجنة منبثقة عن الملحق المتعلق بالترتيبات الأمنية المؤقتة. وهذا الأمر يثير تساؤلا عن مدى واقعية أن الحكومة ستكون قادرة على فرض ترتيبات أمنية أخرى من شأنها أن تُعيد انتشار الكتائب وتُشرف على إنسحابها من المدن في غضون (30) يوما كما جاء في فصل الترتيبات الأمنية من الاتفاق السياسي، وخصوصا بعد دخول العاصمة عن طريق هذه الكتائب والتي تورط بعضها في الاقتتال والبعض الآخر في جرائم حرب.

أيضا  تعاطى الاتفاق تعاطيا قوامه الإبهام مع مسألة عرقلة تنفيذ الاتفاق. فلقد شهدت عملية التفاوض على الاتفاق خلال جولات الحوار المتتابعة نقاشات حول احتمال حصول عرقلة لتنفيذه. كما كان رئيس بعثة الأمم المتحدة طوال جولات المفاوضات يحذر الأطراف من عرقلة تنفيذ الاتفاق والعملية السياسية. وجاء قرار مجلس الأمن رقم 2213 لسنة 2015 الذي أعاد وأكد المبدأ في الفقرة الحادية عشر منه محددا العقوبات الواردة في القرار رقم 2174 لسنة 2014. وعلى الرغم من ذلك كله، فقد سكت الاتفاق السياسي نفسه عن بيان موقفه بإزاء العرقلة والعقوبات الواجب إنزالها على المعرقلين. ليس هذا فحسب، بل خرج الاتفاق السياسي خاليا من أي ضمانات تضمن عدم عرقلته. وقد أوحى ذلك كله بأن الاتفاق السياسي قد اكتفى بما ورد في قرارات مجلس الأمن المذكورة أعلاه مهدرا اختصاصا أصيلا له. لكن قرار مجلس الأمن المذكور أعلاه قد شابه عوار أيضا تمثل في عدم وجود إرادة سياسية دولية حقيقية تسعى لتطبيقه. وعندما عاد مجلس الأمن ليقرر شيئا جديدا في هذا الصدد في القرار الأخير رقم 2259، جاء قراره هذا منطويا على إبهام وقدر من التناقض مع القرار المذكور أعلاه. فقد نص قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2259 الداعم لحكومة الوفاق الوطني في فقرته العاشرة على ما يلي: "إن الكيانات والأفراد الذين يقومون بأعمال أو يدعمون أعمالا تهدد السلام أو الاستقرار أو الأمن في ليبيا أو تعرقل أو تُقوض الإنجاز الناجح لعملية انتقال سياسي إلى ليبيا تنعم بالاستقرار والأمن والرخاء في ظل حكومة وفاق وطني، يجب أن يخضعوا للمساءلة الصارمة". ويشير في هذا الصدد إلى تدابير حظر السفر وتجميد الأصول التي أُعيد تأكيدها في الفقرة 11 من القرار 2213 (2015)[10]. وقد نصت الفقرة الرابعة عشرة منه على أن القرار يهيب بحكومة الوفاق الوطني محاسبة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الانساني وانتهاكات وإساءات لحقوق الانسان، بما في ذلك الانتهاكات التي تنطوي على عنف جنسي، وأن تتعاون تعاونا كاملا مع المحكمة الجنائية الدولية والمدعي العام وأن تقدم لهما أي مساعدة لازمة بناء على الأحكام التي يتضمنها القرار 1970 (2011) ويؤكدها القرار 2238 (2015)[11]. فالقرار في الفقرة العاشرة اقتصر على وجوب الخضوع للمساءلة دون تحديد الجهة التي يجب أن تضطلع بالمساءلة. أما في الفقرة الرابعة عشرة فإننا نجده لا يفعل أكثر من الإهابة بحكومة الوفاق نفسها أن تنزل هي العقوبة. لكن الحكومة نفسها كما يعلم القاصي والداني تفتقر إلى "وسائل إكراه"، بلغة ماكس فيبر. وكل هذا يجعلنا نصادق على التقويم الذي أبداه عدد من خبراء القانون الدولي والذي مفاده أن ما صدر عن مجلس الأمن لا يزيد عن مجرد تلويح لاسيما في غياب لائحة صادرة عن مجلس الأمن يمكن أن تستند لها المعاقبة. كل هذا يثير السؤال الآتي: هل الغاية من كل ما صدر عن مجلس الأمن بخصوص العرقلة مجرد الردع العام، وهل ذلك الردع كاف لضمان عدم عرقلة تنفيذ الاتفاق والعملية السياسية. وبين يدي الإجابة على هذا السؤال علينا أن نستحضر انقسام المجتمع الدولي حول نفسه بإزاء الشأن الليبي، وظهور مؤشرات عديدة تفيد بغياب إرادة سياسية حقيقية على المستوى الأممي للمشاركة الحقيقية في إرساء دعائم السلم في ليبيا.

الخاتمة

في ضوء كل ما سبق جديرٌ بنا أن نقف على آثار أوجه العوار المذكورة على المصير النهائي للإتفاق السياسي. ونستحضر في ذلك أولا أن أوجه العوار المذكورة أعلاه جوهرية وليست ثانوية. ونستحضر ثانيا أنه بمجرد أن دخل الاتفاق حيز التنفيذ بدأت آثار أوجه العوار تلك تظهر وأن حالة الاحتقان الراهنة داخل المجلس الرئاسي نفسه وتعطل الإعلان عن تشكيل الحكومة واستمرار الوضع الإنساني الكارثي هي بعض مظهر ذلك. دون الاخلال بما سبق، ينهض السؤال: هل بالإمكان على أرض الواقع تدارك أوجه العوار المذكورة جزئيا أو كليا والوصول إلى قدر معقول من الاستقرار والسلم؟ ليس من إجابة قاطعة على هذا السؤال. لكننا نقول إنه ليس من المستحيل تقليص آثار أوجه العوار التي لحقت بالاتفاق السياسي. لكن هذا النجاح الجزئي بدوره رهينٌ لمدى وعي اللاعبين السياسيين أولا بالثوابت الوطنية وبوعيهم ومدى التزامهم بمبادئ حقوق الانسان. كما يتوقف ذلك على ما إذا كان اللاعبون السياسيون يملكون الإرادة السياسية لمراجعة هذا الاتفاق خلال مرحلة تنفيذه والعمل على استدراك ثغراته وجبر أوجه القصور الواردة فيه. ذلك أن أي تسوية أو سلام يفتقر إلى ميثاق وطني مرتكز إلى ثوابت وطنية وعدالة انتقالية وتصالحية وخطة رصينة لنزع السلاح وتفكيك الكتائب وإعادة دمج المسلحين وفقا لآليات محددة وعلمية وفي وجود مراقبين محليين "مستقلين" طيلة مرحلة التفاوض وخلال تنفيذ الاتفاق، لن يكون إلا سلاما هشا بلا دعائم تضمن استقرارها.

الزهراء لنقي

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com