http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

العلاقة الأربعينية

مركز الجنوب الليبي للدراسات 0 تعليق 26 ارسل لصديق نسخة للطباعة

 



اتصلتُ به قبل مدخل القرية بمسافة وعرفتُ انه موجود ، فملأتُ خزان سيارتي من محطة الوقود القريبة والواقعة على يمين الطريق ثم ركبتُ وانعطفتُ يساراً إلى داخل قريته . كنتُ مسافراً من سبها إلى الشمال حين خطر ببالي هذا الصديق القديم في “سمنو” فقلتُ أنام الليلة عنده ثم أواصل سيري.

ملتُ بسيارتي على اليسار وحسب ما عرفتُ منه أنه الآن يلعب “السيزة” في ظل الجامع ، لذلك لا داعي لسؤال احد عن مكان وجوده وكل ما قمتُ به أنني وضعتُ مئذنتي الجامع الكبير بين عيني والسيارة تتحرك يمينناً وشمالاً إلى أن وصلت باب الجامع الذي يفتح غرباً ، وفي ظله من جهة الشرق حتماً سوف أجد “عثمان” ومجموعته يلعبون السيزة.

كنتُ أعرف أنه أمهر لاعب سيزة في سمنو ، لكن الذي لا أعرفه عنه أن له قدرة عجيبة على تفسير الطامات ، حتى انني عرفت في جلستي تلك أنه صار يُفكر في تقديم بحث أكاديمي عن الطامات الكبرى وعن الطامات الصغرى.

وجدته يلعب ويجادل شخصين كانا يجلسان خارج حلقة اللعب . كانا خلف ظهره وهو منكب فوق السيزة ولسانه يجادل ويسألهما إن كانا يعرفان ما هي الطامة الكبرى أو هل مَرَ أحدهم من قبل بطامة كبرى أو هل يعرفون آلية حدوث الطامة أو كيف بمقدور أي رجل أن يصنع طامة ؟

لم يجبه أحد منهم.

لذلك سوف يجيبهم عن هذا السؤال الطويل ، وسوف يسوق لهم مثلاً حياً ما زالت طامته حية طرية تتحرك في داخله ، ولكن قبل أن يُحدثهم عن مثاله الحي وكيف وقع ومتى وأين وقع بالضبط أكد لي أنا شخصياً – حتى لا أسيئ فهمه – أنه ليس جهوياً ، لالا ليس جهوياً ولكن من حقه إلقاء بقعة ضوء على جهته الجنوبية التي وُلد وتربى وعاش فيها والتي يتصور أنه سيموت فيها.

بدا واضحاً عثمان أنه موضوعي في طرحه حين افترض نتيجة منطقية بعد الذي حصل في ليبيا وأن يظهر الجنوب متماسكاً وأقوى من غيره اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً وحتى “عسكرياً!” ذلك أن الأربعين التي فاتت كان ظاهرها – كما يقول الليبيون – له لا عليه ، ورجالاتها كانوا ذات جذور جنوبية ، وحكومة ظلها التي تُسير دواليب الحكم كانت جنوبية ، والهوى السائد آن ذاك كان جنوبياً إلى الحد الذي جعل عقال الناقة مُعلقاً على خشوم السيارات في الظهرة وفي قرقارش . لكن باطن الشيء قد يكون أحياناً عكس ظاهره تماماً ، وربما هذه هي الطامة التي اشار لها عثمان في بداية حديثه والتي بات يُفكر جدياً بتقديم اطروحة دكتوراه فيها.

التفت لهم مديراً وجهه عن السيزة وموجهاً حديثه إلى واحد من الشخصين اللذين يجلسان خلفه وقال:

أنه إذا أردت أن تصنع من أي شيء طامة فما عليك إلا تُفرغ باطنه وتنفخ الحياة في شكله الخارجي . تماماً كما حصل في الجنوب يوم صار شكل الرجل الجنوبي من الخارج منفوخاً ، وكان هذا الجنوبي حين يركب في سيارته الفارهة أو ينزل منها في شوارع طرابلس يبدو لناظره كما لو ان ديكاً منفوشاً ركب أو نزل من سيارة ، ثم فجأة تطاير ريشه عنه في عام واحد ، واكتشف الجنوبي أنه كان ريشاً ليس إلا ! وكان مستغفلاً ومستنزفاً وفقيراً ومشتتاً وضعيفاً وجاهلاً.

أدار عثمان وجهه لي ليقول بحرقة :

يومها يا صاحبي والريش يتطاير منا وقفنا نتلفت على اليمين وعلى الشمال لنجد البنزين التي تحت أقدامنا تأتينا من الشمال وكهرباء ليبيا التي تتغذى من الجنوب تأتينا من الشمال والغاز القابع في جوف الجنوب لن نطهو به ولن يدخل مطابخنا ما لم يُملأ في اسطوانات في الشمال . بل حتى مشروع النهر “العظيم!” اكتشفنا أنه عظيم على أهل طرابلس أما بالنسبة لـ براك وسبها ومرزق ما هو إلا كارثة جيوليجية عظيمة مؤجلة التوقيت ، وكنتونات قبائلنا الجنوبية التي كان يجمعها باب العزيزية وينفخ في ريشها تبينت أنها كرتونات جنوبية فشلت حتى في حمايتنا من المد الأسود القادم من أسفل الخريطة – كما فعلت الكُفرة.

والأسوأ من هذا كله هو الإنسان.

الإنسان الجنوبي الغير مصدق إلى حد الآن أن الاربعين تمت.

ثم تنهد عثمان تنهيدة كبيرة من أعماقه وترك السيزة نهائياً واستدار كله لي ليقول:

لو جبت يا صاحبي مدن ليبيا لن تجد نسيجاً مهتكاً اليوم كنسيج سبها الاجتماعي من القذائف العشوائية التي تتساقط عليه من فوق في الليل والنهار ، ولو جبت لن تجد – وقاك الله – مرض الملاريا في أي مكان من العالم إلا في أفريقيا أو في براك الشاطئ من مستنقعات شبكة صرفها المتآكلة ، ولو مشيت شرقاً وغرباً فسوف ترى في شرق وغرب ليبيا ملمح لشخصية المكان الذي تمشي فيه لكنك في جنوبها لن تلمح سوى خيال لجنوب بلا شخصية.

شيء يا عزيزي حين نتأمل فيه صار يوجعنا ويُشعرنا بشيئين اثنين لا ثالث لهما.

الأول : أن علاقتنا الأربعينية بالباب والتي كنا نحسبها كعلاقة برقة بالسنوسية تبين أنها غير سوية وربما حتى علاقة مَرَضية قادت إلى هذه النتيجة ، وتبين لنا أيضاً أنه شتان بين علاقات السنوسية وبين علاقات غيرها.

والشيء الثاني هو : أننا بتنا حين نتأمل لساعة من الزمن ، أو حتى أقل من ساعة ، نشعر بوخز خفيف تحت جفنينا يزداد طرداً مع التأمل ويدعونا إلى البكاء ، فلا نملك إلا أن ندير وجهنا عن الناس ونبكي عسانا ننزف دموعاً أربعينية على جنوبنا الذي استهلك كما تُستهلك بطارية الريموت كنترول.

بقلم\الكاتب ابراهيم عثمونة 




شاهد الخبر في المصدر مركز الجنوب الليبي للدراسات




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com