http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

د. عبيد احمد الرقيق: مجالس الحكماء والأعيان، تعددت الاجسام فغابت الادوار!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 58 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ان تدهور الوضع الامني وعدم السيطرة على السلاح ووقوعه في ايدي ميليشيات غير منضبطة وغير شرعية، وغياب سلطة الدولة نهائيا ساهم في وجود الاختراقات الامنية المتكررة، والتي ادت الى تقاتل مسلح بين بعض القبائل والمدن الليبية وتشكّلت ما يشبه دويلات داخل الدولة الأم، بعدما تمزق النسيج الاجتماعي والوطني، وقد تطلب هذا ظهور قيادات شعبية اجتماعية من رحم الواقع، وكان ذلك ضرورة حتمية استشعرها الكثير من الحكماء والأعيان على امتداد الارض الليبية، حين تنادوا متطوعين يدفعهم حب الوطن والانتماء اليه، راغبين في لملمة الجراح ورتق النسيج الذي اصابه التمزق، فقاموا بالتشكل في مجموعات عفويّة تطوعيّة اقتضتها الحاجة الملحة لفض الكثير من النزاعات المسلحة التي تحدث بين حين وآخر بين القبائل والمدن وخاصة في الغرب والجنوب الليبي.



لقد ابلى المتطوعون من العقلاء والأعيان بلاء حسنا، فلاحقوا باندفاع وطني تطوعي مواقع الصراعات وبؤر التقاتل، وتمكنوا بعزيمة صادقة من اطفاء نيران الحرب في الكثير من المناطق الليبية، واستطاعوا في زمن قياسي فك الاشتباكات وتثبيت الهدنات وحتى الوصول الى مصالحات بين بعض الاطراف المتقاتلة، ولقد اثبتوا بذلك قدرتهم وفاعليتهم الاجتماعية الحكيمة في احتواء النزاعات الاهلية وفض المشاكل بالرغم من صعوبة وخطورة الوضع الامني المنفلت الذي تحكمه لغة السلاح والرصاص، لقد انجزوا تلك المهمات الصعبة، في غياب كامل لما يسمى بالحكومات الصوريّة، التي تقف عاجزة حتى على فك اشتباك مسلح بسيط بين عائلتين! 

وأمام كثرة الاختراقات الامنية وتوسع بؤر التقاتل الليبي، وعجز كامل لما يسمى بالحكومة وضخامة حجم المسئوليات والمهام، كان ملحا تكوين جسم واحد يجمع الاعيان والحكماء على مستوى ليبيا، ليتولى مهمة متابعة وحل اشكاليات النزاعات والتقاتل، يكتسي الطابع الرسمي والتنظيمي، بما يمكن من تسهيل تنقل وتواصل الاعضاء وتوزيع المهام وملاحقة الاحداث المتسارعة عبر جغرافيا الوطن، وفعلا تم الاعلان عن تشكيل ما سمّي بمجلس اعيان وحكماء ليبيا في العام 2012 ومقره طرابلس، بعد اعتماده من قبل المجلس الانتقالي انذاك، وضم في عضويته كل المناطق من الشرق والغرب والوسط والجنوب، ولقد تطلب التنظيم ان تتشكل مجالس فرعية في كل المناطق والقبائل الليبية تضم المتطوعين من الاعيان والحكماء.

الا انه وبكل اسف ما ان اعلن عن ذلك حتى بدأت اعداد كبيرة تلح في الالتحاق بمجالس المناطق والقبائل، مدفوعة بالرغبة جامحة في التسلق وصولا الى تحقيق المنافع الشخصية، طمعا فيما قد يقدم لهذه الاجسام من ميزانيات كما جرت العادة سابقا فيما يسمى بالقيادات الشعبية! وبهذا تسرّب السوس الى مجلس الحكماء والأعيان على مستوى ليبيا، وبدأ يفقد توازنه وتقلصت فاعليته، ونشأت الخلافات بين اعضائه فاختلفوا على المواقع بما فيها موقع الرئيس، ما ادى الى انشقاق مجموعة عنه وسعوا في تشكيل جسم اخر موازي له، أسموه "مجلس الحكماء والشورى!" وتمكنوا من الحصول على الاعتماد له من قبل سلطات العبث التي لم تراع خطورة تكرار الاجسام التي يفترض ان تخدم نفس الغرض!.

ومنذ ذلك الحين انقسم المجلس عن نفسه، وتبعثرت الجهود وتضاءل الفعل بل انحسر، ناهيك عن الحساسيات التي تولّدت عن ذلك الانقسام والتي دفعت بالبعض في كلي الجسمين الى القاء العثرات والعراقيل في وجه الآخر، ونتيجة لمزايا الاقامة والتنقل والمكافئات التي يبدوا انها توفرت!، سال لعاب الكثير من ضعفاء النفوس فاندفعوا طامعين، في دخول هذه الاجسام على مستوى المناطق والقبائل، وأصبحت المجاميع من ضعاف النفوس تتشكل تلقائيا وتتصارع فيما بينها لأجل الاعتماد، املا في الحصول على مكاسب، ولقد وجدوا في التساهل من الجهات الحكومية تشجيعا لهم على ذلك، ولهذا لم يكن مستغربا ان تجد في منطقة واحدة او قبيلة اكثر من مجلس اعيان او مجلس شورى!، لقد اختلط الحابل بالنابل ودب الوهن والضعف فتراجع الدور الحقيقي للحكماء والأعيان الذي كان مميزا في بدايات الاحداث عندما كان الالتزام وطنيا ذاتيا والجهد تطوعيا صادقا لا مكان فيه للجزاء او الشكر.

لقد ادى ذلك الى عزوف الصادقين وأصحاب الحكمة والعقل من الاعيان، واستغل الفرصة الانتهازيون ما ادى الى انحراف تلك الاجسام عن مسارها الطبيعي، ودخولها في متاهات التجاذبات السياسية والأجندات المختلفة، وطفت على السطح رائحة الجهوية والقبلية المقيتة، وتحول دور مجالس الحكماء من مجرد جسم شعبي تطوعي مهمته رتق النسيج الوطني، وإنهاء النزاعات حفاظا على اللحمة الوطنية، الى اجسام تمتهن السياسة والعمل الاداري، وانطلقت مجموعات اخرى فشكلت ما اسموه "المجلس الاعلى للقبائل والمدن" ثم ما يسمى بمجلس الشيوخ!!...الخ. وهكذا وبكل مرارة يتم اجهاض كل الافكار الوطنية المخلصة كما عوّدتنا دائما ثقافة الانتهازية، المدفوعة برذيلة الطمع الموغلة في الانانية وحب الذات! وهكذا تتكسر امواج المبادرات الخيرة على حواجز من ركام المطامع الرخيصة الذي تتكدس بفعل الانتهازيين المتسلقين.

نعم لقد تعددت الاجسام وتوالدت حتى غص بها المكان والمقام، فلم تعد هناك فسحة للعمل الوطني التطوعي، فقد ابعد الصادقون الشرفاء طوعا او كرها، لأنهم لا يحسنون التمظهر او التلوّن حسب المواقف، ولا يقوون على العيش في بيئة ملوثة بسخام الطمع!، ومشبعة بأبخرة حقارة الارتزاق! فهاهي اليوم تلك المجالس مجرد اجسام كرتونية هزيلة، تغص بالدهماء من القوم، يعتلي مناصبها المغمورون الموتورون وحتى السفه!، وتسوسها قيادات وهمية ابعد ما تكون عن الحكمة والعقلانية، فتبعثرت الجهود وتشتت الادوار وانحرفت وغيّبت الحكمة والتعقل، فالحكمة موهبة ربانية لا تكتسب ولا تشترى بمال!! اليس هي من قال فيها المولى عز وجل (..... يؤتي الحكمة من يشاء..)، فمتى يدرك الليبيون ان الطمع اللعين هو ما يجهض كل مبادرات الخيرالصادقة وهو قاتلهم!؟، وأين الحكمة حين يفترق من يدعونها زيفا، فيساقون خلف اجندات تقتل الوطن تقسيما بفعل حكومات العبث والفساد التي ابتليت بها البلاد؟!.   

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/3437
elragig@hotmail.com

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com