http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

عزة كامل المقهور: الشيشباني

ليبيا المستقبل 0 تعليق 23 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الشيشباني



قصة قصيرة

"شيشباني ياباني
هذا حال الشيباني
هذا حاله واحواله
وربي يقوّي مزاله"

الشيشباني شخصية ليبية بامتياز، تظهر لتختفي في سويعات في يوم عاشوراء. يلف جسده بجريد النخيل، ويغطيه بالقواقع والقطع المعدنية التي تصدر صوتا مميزا عندما يتحرك... يسير وسط الأزقة والشوارع، يحيط به أولاد الحي وهم يتغنون... "شيشباني ياباني"، يغطي وجهه، ويطرق الأبواب، ويفتح جرابه، ليتساقط فيها أي شيء بدءا من حبوب الفول والحمص المسلوق وانتهاء بالقطع النقدية... "هذا حاله وأحواله.. وربي يقوي مزاله".

ورغم طيبة قلب الشيشباني، وزرعه للإيقاع والغناء والمرح بين أتباعه من الأطفال، وحصولهم عن طريق حركاته على النقود والحلوى والهدايا، إلا أن هذه التسمية "الشيشباني" لحقت بكل من يهرج في ملبسه أو حركته، أو يتمظهر بقوة لا يملكها فيبدو مضطربا مهزوزا في وضع أشد ضعفا وحيلة، فيقولون عنه "زي الشيشباني".


*****

أنور بو طبل، لم يأت إلى العاصمة إلا زائرا، كان يعيش في قريته، ويعمل موظفا للحسابات في إحدى الشركات .. يجمع ويطرح ويضرب ويقسم، وفي كل مرة يحتفظ ببعض الأرقام في جيبه.

رجل عادي.. ربع القامة، يفرق شعره على الجانب الأيمن ويسدله جانبا... كثير الابتسام والضحك... لم يزر قارئة فنجان أو حظ أو كف أو يحاول أن يستشف المستقبل.. كان قنوعا بتلك الحسابات والأرقام وما يجمعه بينها.

وفي الدول التي تزلزلها الثورات أو الحروب.. تنشق الأرض وتبتلع شخصيات وتعلو بأخرى، وهذا ما حدث لأنور بالذات، تفجرت ثورة ثم عمت فوضى مكنت كثيرين من الظهور والصعود بل والسقوط في أحيان كثيرة... لكن الفوضى حين تختلط بالدماء، يكون السقوط مريعا ومكلفا. وأقوى أنواع السقوط أن يزدريك الناس أو يستهزءون بك ويتندرون عليك، أو أن تصبح ملاحقا وطريدا.

والخروج من حالة الثورة مؤلم، كخروج كائنات فرس البحر من شق بطن الذكر الذي يلف ذيله حول نتوء ويقذف بها خارجه لتعيش.. مراحل مؤلمة لابد من طيها، ولكن بعضا من الناس تستغل هذه المراحل وتتقمص شيئا من دور "الشيشباني"، تتنطط وتهرج بل وتتقرب وتتوسل من أصحاب النفوذ، ليس مقابل الفول ولا الحمص المطهو ولا بعض النقود، ولكن مقابل كرسي لا تجيد الجلوس عليه. هذا النوع من الشيشباني يتنطط على الكرسي وهو يتمسك بيديه حتى يعرق كفيه، بينما الشيشباني الحقيقي يتنطط وقوفا ولا يحب الجلوس، وما دوره إلا سويعات ليلية في يوم واحد من العام.

جرت انتخابات في البلاد في أيام الفوضى، خاضها أنور عن قريته، واكتفى بتعليق صوره في الشوارع ومحطات الوقود دون أن يقدم برنامجا انتخابيا، وفاز بعدد محدود - لكنه كاف - من الأصوات أهلته لأن ينتقل إلى العاصمة.. وبقفزة أو اثنتين في الهواء، وبكلمة وحركتين وصوت بثه ميكروفون القاعة تولى أنور الرئاسة.

وبعد أن كان أنور يتلاعب بالأرقام، أصبح يتلاعب بمصير بلد وشعب وقوته..ودخل البلد في عهده نفقا مظلما، وحربا هوجاء مزقت نسيجه وافقرت سكانه، فشح الغذاء وارتفعت الأسعار وانتشرت البطالة، وعمت الجريمة، وهدمت البنية التحتية. وانفرط عقد ذلك المجلس الذي يترأسه حتى لم يعد هناك إجتماعا ولا جلسة ولا نقاش، واستفرد أنور بالقرار.

لكن الحقيقة هي أن البلد تفتت، وأن العاصمة التي جاءها زائرا فأصبح لها حاكما، تحولت إلى أحياء ممزقة، لكل مجلسه وحكامه وجماعته المسلحة.

ولأن أنور يحتمي بجدران قصره ولا سيطرة له على ما يجري خارج أسواره، ولأن الأرض تميد بين الحين والآخر تحت قدميه، فقد كان من المتوقع وهو الذي يحسب ويضرب ويطرح ويجمع أن يحاول إيجاد مخرجا من هذه الأزمة التي صنعها وضاعفها حتى استحال جمعها أو طرحها...لكنه لم يفعل.


*****

في نهاية العام اختار أنور بوطبل أن يكون "الشيشباني".. يهز بدنه وهو يخطب في ساحة خالية ويقول "نحن"، ثم يجلس على كرسي فخم ويتقمص شخصية الرئيس وهو لا يحكم خارج باب القصر. الفارق بينه وبين "الشيشباني" الطيب الحقيقي، أن الأخير يجمع الخير في جرابه ويوزعه على أولاد الحي، أما أنور بوطبل، فيحفر الطرق المؤدية إليه حتى يقع فيها الجميع قبل أن يصله دون أن يعي أنه سيقع في إحداها حتما. ما فات أنور بوطبل، أن هناك طرقا متعددة وأنها كلها كما يقول المثل "تؤدي إلى روما" التي لا تبعد إلا ساعة طيران من مقر قصره.

أنور بوطبل، أثبت في مستهل هذا العام أنه لا يحكم خارج قصره، وأن ضيوفه الأجانب الذين أجلسهم بخبث على مقاعد كالتلاميذ لم يستجيبوا له، إذ لم يستطع حتى أن يتحكم في وجهتهم وحركتهم وزياراتهم داخل العاصمة.

شيشباني يا باني...
شيشباني فوق حصان... دبر يا مولى الدكان
شيشباني فوق جمل... دبر يا مولى المحل

لكن أبناء تلك المدينة سيغنون له ذات يوم وهو داخل قصر لا يملكه "مشي يجيب كلاه الديب".. فحذاري من القطيع حين يجوع.

أنور بوطبل.. شيشباني من نوع جديد، مهرج، لكنه محاسب صغير أتى من قرية وادعة، جاء إلى المكان الخطأ في الوقت الخطأ وظن أنه يتلاعب بأرقام لا بمصير شعب... يضع ربطة عنق ويجلس في كرسي وثير في بلد متهالك مفلس ممزق مقفر يشهد نزوحا ولجوءا وإرهابا، لا يمكنه أن يهش فيه ذبابة فما بالك بأن يكافح جريمة سرقة سيارة في عز النهار أويقبض على مشتبه فيه، أو يمنع بوابات وهمية أو حتى أن يضبط حركة السير... بلد لا صوت له فيه. الشيشباني الذي عهدناه يوم عاشوراء صوته عالٍ وغناؤه يردده كومبارس من الأطفال بفرح "مشت تجيب أعطيها الصحة"، والأهم أنه يغيب بعد سويعات، أما بوطبل فصوته غائر رغم ناقل الصوت ولا يسمعه إلا حيطان قصر "الشعب"، ويلتصق بالكراسي الوثيرة الدافئة التي تتثاقل بغبار السنين.

أنور بوطبل "شيشباني" من نوع فريد، إن خرج من قصر الشعب تاه، وإن بقي فيه فقد عقله..

"شيشباني يا باني.. هذا حال الشيباني
هذا حاله وأحواله.. وربي يطيح مزاله"

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/887
2.1.2016  

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com