http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

سالم أبوظهير: سنة سمينة... وسنوات عجاف...!!!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 47 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لما يقارب الثمانية عشر عاماً، عاشت ليبيا كدولة حقيقية يحكمها الملك ادريس السنوسي في أحضان شرعية دستورية تحدد صلاحياته بدقة، وتفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وترسم الخطط التنموية على أسس مدروسة للبدء في انجاز مشاريع تنقل المواطن من التخلف إلى التقدّم. ولكن الوقت لم يتسع لتحقيق ذلك كله، بسبب سيطرة معمر القذافي وعساكره على الحكم في ليبيا في أول يوم من ايلول/ سبتمبر 1969.



ورغم ما حققه نظام القذافي على مدار سنوات طويلة من إنجازات قد تُحسب له، الا أنها كانت سنوات عجاف، تأخر فيها الليبيون عن مجاراة العالم كثيراً، ولم تسخّر ثرواث بلادهم كلها لمصلحتهم. ومنذ الأيام الأولى لحكمه عُطل القوانين التي كان معمولاً بها، وأنشى نظام قضائي جديد مواز للقضاء العادي، لا يستند على دستور وانما يستمد شرعيته الثورية من الكتاب الأخضر ومقولاته. فثار عليه ليبيون كثر وطالبوا برحيله في أول فرصة لاحت لهم للتخلص منه.

كثيرون ممن شاركوا في ثورة 17 فبراير، سواء بالقتال أو التظاهر أو التصفيق أو الدعاء لها بالنجاح، توافرت لديهم قناعة رسخها اعلام محترف، مفادها أنّ البلاد ستتحول بعد أيام من موت الطاغية، إلى قطعة من الجنة على الأرض، وأنّ كل ليبي كان يتنفس الخوف، سينعم بالحرية ويتنفس العزة، فليبيا واسعه وكبيرة، وشمسها ونفطها وبحرها وترابها، ستتحول الى دولارات تصب في حسابات الستة مليون ليبي. ولن يتحقق ذلك كله أو جزء منه إلا بعد موت القذافي ورحيل اتباعه.

ورغم أنّ نظام الدكتاتور لم يكن شراً  كله، تماما كما لم يكن خيراً كله، ولا هشاً وضعيفا كما توقع الناتو، الذي سخّر ترسانته وامكاناته لاسقاطه، وأوشك أن يتفاوض معه، ويترك الليبيين وشأنهم تحت سطوة من وصفوه بالطاغية، ولكنه مات لاحقاً، وربما من خيره أنه عندما كان حيّا كان لليبيا هيبتها أمام العالم التي كان يفرضها القذافي بأموال الليبين، يبتز يها من يريد: فقد قبّل بيرلسكوني يده مقابل أن يضمن تدفق الغاز من زوارة إلى روما لسنوات طويلة، وزعزع الامن في بريطانيا بدعمه للجيش الايرلندي، وهدد دول الاتحاد الأوروبي بقنبلة الهجرة، وأزعج أميركا... ومن شره أنّ موته كلف أرواح الاف الأبرياء مدنيين ومقاتلين، ومن مناصريه ومن أعدائه، ولا يزال الموت يحصدهم، وكذلك النزوح والتهجير الطوعي والقسري داخل البلاد وخارجها مستمر ويتربص بهم!

مات معمر، وبموته توقفت ماكينة الاعلام المطبّل، ولم تعد ليبيا ولا شعبها من أولوياتها، واكتشف كل ليبي حلم بالتغيير، أنه كان مجرد ضحية و"كبش محرقة" تم استغلال مشاعره وتعطشه للحرية بشكل مدروس، وبخطاب اعلامي عربي وغربي اضاع صوابه، فتغافل وهو في نشوة النضال والمقاومة من أن يتبين السم المدسوس الذي لا يقتل في العسل المر، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وتأكد الجميع أنّ الديكتاتور الذي سقط أسقطه الغرب بالاعلام والناتو، خوفا من شره عليهم وتحقيقا لمصالحه فقط، وليس عطفا على الليبيين وخوفا عليهم.

ثورة 17 فبراير التي اقتنع معظم الليبيين بالتغيير الحاصل فيها، وصبروا وهم لا يزالوا في انتظار حصادها، اكتشفوا متأخرين أنّ سنواتها عجاف كلها، وأن السنة السمينة الوحيدة كانت قبل أن يسقط القذافي وبعد سقوطه بقليل، تلك السنة التي عاشها الليبيون بكل تفاصيلها، عبر إعلام افتراضي، لا وجود له في الواقع المعاش، تبثه كاميرات مثبتة خارج ليبيا ويشاهده الليبيون داخلها من خلف شاشات ملونة لا أكثر ولا أقل... انها وباختصار سنة سمينة جدا وأربع سنوات عجاف.

* سبق نشر المقال في موقع (المغارب).

سالم أبوظهير

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com