http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

سالم قنيبر: قصة مدينة إسمها بنغازي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة

1- وحكاية بنغازي.. حكاية غريبة، مدينة ليست كبقية المدن، وفيها اجتمعت كل المدن، من زليطتن، ومن درنة، ومن فزان، وطرابلس، وتاورغاء، أو تاجورة، ومن جالو، وأوجلة، وهون وزلة.. ومن المرج، والبيضاء، ومصراته.. من كل بقعة من بقاع البلاد حلوا في بنغازي.. يحملون اسم المدينة التي أتوا منها الزنتاني، الزليطني، الهوني أو الدرناوي.. والمصراتي.. وعيت الطرابلسي وعيت الفزاني.. ومن أقطار الجوار.. الاسكندراني.. الشامي.. المروكي.. والتونسي.. وكذلك المالطي.. والقريتلي.. ويسبق الاسم لقب عيت،.. (عائلة) يأتون من بلادهم، يقيمون، يستوطنون ويمتزجون بمن سبقهم، وينصهرون، ويندرجون في نظام مجتمع بنغازي.. مجتمع العائلات المغلق المطوق بالمتعارف عليه من المعتقد المتجذر الممارس من العادات والتقاليد.



2- حكايتك للمتأمل يا مدينتي غريبة.. مدينة لكل القبائل.. ولا يتفرد بالوجود فيك قبيلة، أو عنصر.. قبائل الغرب.. كذلك قبائل الشرق.. والواحات.. والجنوب.. العبيدي.. الجبالي.. البرعصي.. الورفلي والكرغلي..المغربي.. الشويهدي والرملي، الأوجلي.. والحاسي، والبرغثي.. القماطي.. والعقوري، وغيرهم من عناصر الشعب الليبي.. وامتداد لقبائل كان لها حضور مميز لا تزال تحتفظ باسمها القديم.. هواره.. لواته.. صنهاجه.. و(عيت) الهنتاتي.. وعندما التجأ الكريتيون المسلمون فرارا مما وقع لهم على أيدي مواطنيهم من الإغريق المسيحيين، استقبلتهم سوسة ورحب بهم أهلها من الحاسة، وجاء الكثير منهم إلى بنغازي ليندرجوا في مجتمع عائلاتها. 

 المرابطون الأسياد

3- وقصتك التي لم تدون بعد يا مدينتي.. قصتك مع التاريخ غريبة.. مدينة للصالحين في عودتك، أو بعثك الجديد، أو نشأتك الحديثة.. المرابطون، السادة (الأسياد)، فقهاء، معلمون،.. أسسوا لهم زوايا، جوامع أو مساجد، للصلاة وتعليم الصغار، ومراجعة شئون الحياة المتعلقة بالدين... وحول المسجد الجامع نشأ الحي،.. وبالقرب من الجامع تخصص الأرض التي تتخذ مقبرة،.. وكان للفقيه، الشيخ، المرابط، في حياة سكان الحي شأنه الأول،.. وحملت تلك الأحياء أسماء شيوخها الفقهاء الأجلاء  المرابطين الأولياء،.. سيدي خريبيش، سيدي سعيد.. سيدي سالم.. سيدي الشريف.. سيدي حسين، وسيدي داوود.. والمسطاري وسيدي عبيد.. وكانت تلك الأحياء تستقبل من يفد إليها من أنحاء البلاد ولا تضيق بمن يحل بها من القادمين. اتسعت وتقاربت ثم التحمت ببعضها لتعرف باسم بنغازي..

4- إبن غازي.. أو (بني غازي).. وغازي.. شيخ مرابط ربما!!!،.. أو هو شيخ قبيلة  تنحدر عن قرب...من تلك التي اجتاحت البلاد، وبعث بها المستنصر الفاطمي للنيل من ابن باديس.. بني هلال.. الذين واصلوا المسير تجاه الغرب وبني سليم الذين بقوا في البلاد. قالوا بتخمين عن نسبة له حديثة، وذكروا رواية عن شيخ مراكشي جاء مهاجرا بعد أن تعرض للإهانة في بلاده، وأبقى صاحب الرواية على روايته تلك، رغم أن الاسم (بنغازي) ورد قبل قرون مما ذهب إليه وأشار الراوي لتلك الأحداث.

• يوسبيريدس - تلك نتخذها البداية

5 - مدينة (مستقلة بحكومة.. ذات عملة خاصة.. ومطوقة بأسوأر..) كانت نشأتك الأولى  القرن.. السادس ق.م. مدينة إغريقية  ذات أهمية موقع.. اكتست بطابع التقديس.. ومن أجل تأكيد امتداد بعد الوجود التاريخي لأغرقتها.. باعتبارها آخر المدن الإغريقية على الساحل الشمالي (الليبي) المواجه للوجود القرطاجي الفينيقي الغربي.. اتخذها شعراؤهم.. كبار الشعراء مقرا لحركة آلهتهم. وموقعا يتردد ذكره في المقدس من أساطيرهم.. وغدا  للآلهة.. آلهة الإغريق كبارهم وأصبح لهم ذكر يرتبط بها.. آخر مدن الغرب الإغريقية على الساحل الليبي كنت،ومن أجل تأكيد أصول إغريقيتها رجعوا إلى القديم من أساطيرهم وأخبار آلهتهم ونقلوا مقر أحداثها إليك.

6- يوسبيريدس.. مدينة الغرب أو المساء.. أو الهسبيريدات حارسات المدينة.. بنات أطلس.. بحيرة تريتونس.. إحدى البحيرات المحيطة بك.. السفينة المقدسة أرجوس.. قائدها .جاسون ورفاقه والفراء الذهبي.. واستقبلت تريتونس سفينتهم وشملتهم بالعناية والترحاب.. ونسبوا تريتون ابنا للإله الليبي  إله البحر بوسيدون.. أثينا (إلهة الحكمة).. من رأس أبيها زيوس بكامل أسلحتها انبثقت، وتلقتها ذوات (الشعر الذهبي) الفتيات الليبيات، وقامت بتنظيفها في بحيرة تريتون اليوسبيريدسية.

7- وزواج زيوس (كبير الآلهة).. من هيرا (إلهة النضج الأنثوي).. بعد مماطلة ثلاثمائة من السنين، أسعد (جايا).. الإلهة الأم (الأرض)، واتخذوا من بساتين يوسبيريدس اليانعة المزينة بالتفاح الذهبي مقرا للزفاف.. وموقعا للحدث الميثولوجي الكبير.

8- وديمترا إلهة الزراعة كان لها ذكر ارتبط بيوسبيريدس،.. وكذلك هفستاسيوس،.. وهرقل،.. والمارد أطلس،.. والهسبيريدات،.. الجرجونات،.. والثعبان لادون،.. ونهر النسيان ليثون، على ضفافه شيد معبد لآلهة الحب أفروديت.. العديد من الأساطير التي يرويها كبار الشعراء وضمنوها، ملاحم أشعارهم وامتزجت  بمعتقداتهم.. . ومن أجل (أغرقة) أو (هيلنة)  يوسبيريدس.. واتخذوا منها موقعا يرتبط ذكره بوجود فاعل لكبار آلهتهم.. وفي ذلك الزمن  كان للأسطورة وقعها المؤثر في النفوس في زمن انطلاق الخيال المبدع، زمن الحكمة، والمعرفة والأساطير.

• ومن يوسبيريدس إلى برنيق

9- تتوجه حركة التاريخ.. من يوسبيريدس إلى برنيقي.. ومن المعتقدات الدينية الأسطورية إلى زمن التفوق الحضاري الدولي واتساع النفوذ الإغريقي العالمي بقيادة الاسكندر. (النصف الأول من القرن الرابع ق.م.)... وخلفائه كبار القادة من بعده الذين تحولوا إلى أباطرة نسبت إليهم أسماء الدول أو الإمبراطوريات التي اقتطعوها وتولوا حكمها.. ومُنحوا تميزتفوُّق ارتفع بهم إلى مرتبة التأليه.. واستبدلت أسماء مدن كانت قائمة بأسمائهم.. أو بأسماء زوجاتهم  وكذلك تمت تسمية ما استحدث إنشاؤه من المدن التي تم تأسيسها.

10- ومع قيام الدولة البطلمية في مصر بعد وفاة الاسكندر تم توحيد المدن الخمس القورينائية الليبية (البنتابولس).. وتعيين (ماجاس) إبن الملكة برنيقي  الأولى حاكما لها.. ولحق التغيير بأسماء بعضها..  وتحولت يوسبيريدس إلى برنيقي.. برنيقي الأولى زوجة بطليموس الأول..  كبير قادة الأسكندر، الذي خلفه في حكم مصر.. ثم  حفيدتها برنيقي الثانية أشهر ملكات البطالمة  قبل كليوباترا التي آل إليها عرش قورينة بعد وفاة أبيها.. ماجاس.. ويتوقف التاريخ طويلا ليروي لنا قصصا  مثيرة.. ويحدثنا عن وقائع ذات شأن كان لها أثرها في مسار الأحداث الكبرى االمؤثرة في العلاقة بين القوتين العالميتين العظميين آنذاك (السلوقية) في سوريا و(البطلمية) في مصر... كان للملكتين الجدة والحفيدة البرنيكيتين موقع مميز في أحداثها.. وتحولت يوسبيريدس صدى يتردد في مدونات التراث الثقافي الإغريقي. وظلت برنيقي مصدرا يطالعنا بأحداثه في العديد من مراحل التاريخ.

• وكانت ثورة اليهود

11- واجهة للصراع تظلين يا برنيق، وما حل بك واستشرى خطره.. جاء به البطلميون، وشجعوا على مقدمه، وهيئوا له أسباب العيش.. أولئك هم اليهود الذين تكاثر عددهم في مدن البنتابولس وقد شجع على قدومهم البطلميون عبر الإسكندرية  من - فلسطين - (يهوذا - أورشليم) التي كانت تتبع امبراطوريتهم.

12- وكان نصيب برنيق من هؤلاء كبيرا.،.. بلغ عدد أحيائهم (دياسبورا) في المدينة تسع، كما تذكر مصادر التاريخ نقلا عما تم اكتشافه من النقوش. يدير كل تجمع ويشرف على شئونه الاجتماعية والدينية والحياتية (أرخن - كاهن) رجل دين. وكذلك كان لهم وجود بارز كبير ومؤثر في قورينة، وطلميثة ( بطلومايس)،  وتوكرة التي أطلق عليها البطلميون اسم ملكتهم أرسينوي زوجة فيلادلفوس.

13- وعلى غرار جاليات اليهود في العالم. كان ترابطهم الاجتماعي المغلق المتماسك بمقوماته العنصرية والدينية والثقافية.. يشكلون تجمعا منظما قائما بذاته ومتميزا عن غيره من السكان منفصلا عنهم بخصائصه الذاتية.

14- تكاثرت الجاليات اليهودية في مدن البنتابولس (قورينة، وبرقة، بطلومايس، وتوكرة،(أرسينوي) وبرنيق).. وازداد عددها وتوزعت في القرى والريف،.. وكان يتردد داخل مجتمعاتهم المغلقة، وفي معابدهم وكنائسهم ويستعاد ما حل بهم في الأرض التي تقول أسفارهم بأن الرب قد منحها لهم.. وغضبُ الرب سيظل قائما ما داموا يوالون الوثنيين ويقبلون بالخضوع لحكمهم . ونظرا للضعف والتردي الذي هم عليه من تبقى هناك منهم، في (فلسطين - أورشليم).. مقابل القدرة والتمكن الذي أصبحت عليه جالياتهم الموزعة خارج بلادهم... وفيها أعدوا للثورة (ضد أعدائهم.). ومن قورينة بزعامة لوقا أندرياس انفجرت انتفاضتهم، (115م) وكانت الجاليات في  بقية مدن الإقليم قد أخذت مأخذهم. استولوا على قورينة، واستباحوها، وأشعلوا في مبانيها ومعابدها وأسواقها النيران، وأمعنوا في قتل  سكانها والتمثيل بجثثهم، وكذلك فعلوا في برنيق وتوكرة (أرسينوي) وبقية مدن الإقليم، واندفعوا يطاردون الفارين ويحرقون المزارع والحقول ويدمرون القرى.

15- ومن البنتابوليس القورينائي الذي لحق به دمار شامل، وخلو من البشر يكاد يكون كاملا، توجه أندرياس لوقا بجماعاته (116م) نحو الاسكندرية.. واستجابة لهذه الثورة تحركت الجاليات اليهودية في مصر قبرص والعراق - (بتسومانيا) وأنطاكيا، واندفعت تروع السكان، وتفاجئهم بمختلف صور الانتقام.

16- تطرف العنف الذي بدت عليه، تلك الأحداث، تمت مواجهته من قبل السلطات الرومانية بعنف مماثل، فسارع الإمبراطور تراجان (116-117م) بتوجيه حملة يقودها ماركيوس توربو لاحقت المتمردين في مصر وقضت عليهم، واقتحمت أسوار قورينة، ونكلت باليهود المعتصمين فيها، وطاردتهم في بقية المدن والقرى، وأنزلت بهم من العقاب بمثل ما ارتكبوه من الفظائع وألحقوه من التخريب والعبث بالأرض والمدن ومن يعيش فيها من السكان.

17- الأرض المحروقة، والسكان الذين أبيد معظمهم، والمدن التي تحولت إلى خرائب، لم تنجح محاولات الإمبراطور تراجان وخلفه هدريان (117-138م) في إعادة اعمارها. ولم يتمكن من استقدموا من الجنود المتقاعدين من بعث الحياة في حقولها ومزارعها. وتراجع منذ ذلك الحين شأنها، وخفت ذكر بعضها وتلاشى عبر زمن طويل وجود الآخر منها ولم تتمكن (هدريانابولس) - دريانة - التي أنشأها الإمبراطور هدريان لإيواء النازحين والمهجرين والمشردين من توكرة وبرنيق من الحلول محلهما.. وقصتك يا مدينتي سنتابعها متواصلة.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2131
بنغازي 5 يناير 2015

ــــــــــــــ
المــراجع

1- أنظر محمد مصطفى بازامة - بنغازي عبر التاريخ 230 – 237 ج1.

2- تم اكتشاف نقشين في بنغازي يتضمن كل منهما قرارا أصدرته الجالية اليهودية في برنيق (30-ق.م) يفيد بأنه كان يرأس الجاليات اليهودية في المدينة سبعة كهان (أراخنة) ويذكر القرار الثاني  25 ق.م.)  أنه كان يدير شئون تلك الجاليات في برنيق تسعة كهان.. أنظر د. عبد الطيف البرغوثي - التاريخ الليبي القديم 404.

3- (حول ما ارتكبه اليهود في هذه الثورة بحق السكان من العنف  أنظر ما نقله د. عبد اللطيف البرغوثي عما ورد في كتاب دي كاسيو حول ما ارتكبه اليهود من الوحشية والفظائع التي نظير لها أثناء تلك الثورة، ويشير إلى ما ذكره الإسكندر دي فوكس من أن مراجع أخرى عديدة تحدثت عما رافقها من الأعمال االحطيرة... التاريخ الليبي القديم ص 413-414. وأنظر كذلك بنغازي عبر التاريخ ج1 ص 187-188 لمحمد مصطفى بازامه).

4- دراسات في التاريخ ليبيا القديم. د. مصطفى عبد العليم ص 204-205.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com