http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

د. الشيباني أبو همود: في الذكري الخامسة للثورة الليبية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 19 ارسل لصديق نسخة للطباعة

في الذكري الخامسة للثورة الليبية



دعوة للتفكير خارج الصندوق

يمر هذا الاسبوع الذكرى الخامسة لثورة السابع عشر من فبراير التي أطاحت بنظام القذافي الذي حكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود. الكثير من الساسة والمتابعين الليبيين والدوليين رسموا في العام 2011 صورة وردية جميلة لما ستكون عليه ليبيا ما بعد القذافي وذلك لامتلاك ليبيا لكل مقومات النجاح كالموارد المالية وقلة عدد السكان والموقع الجغرافي وغيرها من العوامل الضرورية لإعادة الاستقرار والبناء في أي بلد.وحدهم قراء التاريخ العارفين بالتحديات الجمة التي تواجه عملية بناء البلدان وصعوبات التحول السياسي نبهوا منذ البداية الى أن ليبيا وكأغلب بلدان الربيع العربي ستحتاج الى فترة طويلة من الزمن للاستقرار وبأن هذه الفترة ستكون صعبة ومليئة بالتحديات، وهو ما حدث فعلاً. اليوم تواجه ليبيا ثلاثة تحديات رئيسية:

الأول: يتعلق بالاتفاق على نظام سياسي بديل لنظام القذافي الذي ما كان له أن يبقي بعد أن اختفى حجر الزاوية فيه وهو القذافي نفسه شخصيات وكيانات سياسية  عديدة دخلت على المشهد السياسي الليبي في الخمس سنوات الماضية واختفت بعد أن اكتشفت أن  الواقع أكثر صعوبة وقسوة مما توهموا في لحظة النشوة بانتصار الثورة. صحيح أن الامور تصحح نفسها في النهاية ولكن عميلة التصحيح هذه تمثل عملية ولادة عسيرة لا يبدو الشعب الليبي مهيئاً لتحمل اعبائها بعد أن تعود على العيش في ظل دولة تتكفل بكل شئ في حده الادنى شريطة عدم المطالبة أو التطلع الى ما هو أكثر. للأسف فإن النخبة الليبية لا تبدو قادرة على مصارحة شعبها بأن فترة المخاض هذه ستطول وستزداد تكلفتها قبل ان تستقر الامور.

التحدى الثاني: يتعلق بالوافد الجديد على المشهد الليبي والذي أربك حسابات  الجميع في الداخل والخارج وهو داعش الذي بات مسيطراً على اماكن عديدة في البلاد. لا أحد يعرف على وجه الدقة الحجم الحقيق لداعش في ليبيا وبات من شبه المؤكد أن بعضاً من الدول الغربية ستتحرك سريعاً للقيام بعمل عسكري ضده. المقلق في الموضوع هو أن تجارب الدول الغربية في حروبها ضد الإرهاب لا تبعث على التفاؤل خصوصاً في غياب مشروع سياسي واضح مصاحب لهذا التدخل القادم. داخلياً، الامر يبدو أكثر تعقيداً. فغياب سلطة مركزية موحدة ومنضبطة في ليبيا تتحرك لمواجه التنظيم يجعل من أي عمل عسكري ضده هو نوع من القفز في الهواء وربما فقط لتحقيق انتصارات زائفة قد تنفع في بعض الحملات الانتخابية لبعض الساسة الدوليين. الليبيون لا يملكون من مقومات هذه المعركة إلا الشجاعة التي لطالما أظهروها في مواجهة الأعداء في كل مرة تم التعدي عليهم من الخارج أو من الداخل، ولكن الشجاعة وحدها لا تكفي لمقارعة تنظيم أثبت قدرة فائقة على المقاومة والصمود.

التحدي الثالث: وهو اقتصادي، فليبيا مهددة بالإفلاس بسبب انقطاع تصدير النفط الذي انخفض الى الربع وانخفاض أسعاره واستفحال الفساد، الامر الذي أذي الى استنزاف الاحتياط النقدي على الاقل في الثلاثة سنوات الأخيرة. حتى مع قدوم حكومة الوحدة في الأيام القادمة فإن ذلك لا يغير شيئاً في أسعار النفط، كما أن إعادة مستوى التصدير الى ما كان عليه سيحتاج الى وقت والى استثمارات جديدة لا يبدو الوضع الامني مشجعاً على قدومها سريعاً.

هذه التحديات الثلاثة والتي تكاد تكون مشتركة وإن بنسب مختلفة مع العديد من بلدان المنطقة ترسم صورة قاتمة للأوضاع في بلادنا وتحتم على الليبيين والدول المساندة لهم البحث عن حلول جذرية وواقعية لا تشكل بالضرورة استنساخاً لتجارب ربما نجحت في بلدان أخرى لها ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة.

فلمعالجة التحدي الأول والمتعلق بطبيعة وشكل النظام السياسي المناسب لليبيا ما بعد القذافي فقد بات من شبه المؤكد أن الأمر يحتاج إلى نوع من الخيال السياسي للبحث عن حل لا يمر بالضرورة عبر الديمقراطية بمفهومها الغربي الضيق، أي حكم الأغلبية المنبثقة عن صناديق الاقتراع، إذ يبدو من العبث محاولة إقامة ديمقراطية راسخة قبل ترسيخ الدولة نفسها . فعلى الرغم من نزاهتها ومن رمزيتها التحررية العظيمة باعتبارها من أهم مكاسب الثورة بإتاحتها الفرصة لليبيين للمشاركة في إدارة شؤون بلادهم، إلا أن جميع الانتخابات التي جرت في الخمس سنوات الماضية قد عمقت من الانقسام السياسي وخلقت نظاماً هجيناً نصفه ديمقراطي ونصفه ثوري بحسب وصف البعض وأدت في غالبها إلى مخرجات غير مؤهلة أضرت بمصداقية العملية الديمقراطية نفسها . الشكل الظاهر لهذه الانتخابات يوحي بأنها قد أدت إلى نوع من تداول السلطة في ليبيا ولكن الحقيقة المرة المسكوت عنها تقول بأن هذه السلطة التي يتم تداولها غير موجودة أصلاً مما يجعل العملية أشبه بالقفز في الهواء. الغرب حبيس عقدة صندوق الاقتراع كان سعيداً بالعملية الديمقراطية الشكلية التي جرت في ليبيا باعتبارها انتصارا لقيمه الديمقراطية ولكنه سرعان ما أكتشف بأن تلك العملية القُشورية لم تخلق له شريكاً حقيقياً يبحث معه القضايا المهمة التي تمس أمنه القومي كقضايا الارهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة.

الأمر يحتاج إلى إعادة ترتيب للأولويات وأن تكون الاولوية لخلق السلطة التي يتم لاحقاً تداولها عبر صناديق الاقتراع . ولإن القوى السياسية الليبية وكأي قوى سياسية عربية تظل محكومة بواقعها الاجتماعي العميق (قبلي - طائفي - جهوي) فإنه لا مناص من إعادة ترتيب السلطة على أساس أفقي بشكل يأخذ في الاعتبار الأبعاد الجغرافية والتاريخية والاجتماعية للمجتمع الليبي. تنظيم السلطة أفقياً سيؤدي بدون شك إلى تسهيل عملية تنظيمها على المستوى المركزي ويمكن في هذا المجال الاستفادة من تجربة الاستقلال عام 1951.

أما فيما يتعلق بالتحدي الثاني وهو داعش فإن المجتمع الدولي وعلى الرغم مما يُظهره من استعداد لمحاربته عسكرياً إلا أنه لا يبدو جاداً في القضاء عليه طالما أنه يُريد الحفاظ على المشهد السياسي الذي كان سبباً في وصول داعش إلى ليبيا. هنا يجب التذكير بأن داعش لم يدخل إلى ليبيا على ظهور الدبابات بل بوجود خطاب سياسي مرحب ومشجع لها سهل وصول الدواعش عبر المطارات الرسمية في عملية أشبه بعملية استجلاب اليهود إلى فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. محاربة داعش تمر بالضرورة بالقطيعة مع كل من مول ودعم وسهل وصول داعش إلى ليبيا وبالخروج من حالة الضبابية في الخطاب الغربي الرسمي وبعدم وضع الليبيين أمام خيار القبول بالسئ لتفادي الأسوء. الأكيد هو أن الليبيين غير قادرين لوحدهم على مقارعة عدو فشلت قوات التحالف الدولي بكل إمكانياتها من إلحاق الهزيمة به في سوريا والعراق، وبالتالي لا مناص من تعامل إقليمي ودولي مع داعش في ليبيا خصوصاً وأن الدواعش في ليبيا ليسو في أغلبيتهم من الليبيين.

التعامل مع التحدي الاقتصادي لن يقل صعوبة من التعامل مع التحدين الآخرين بل لعل سيكون الأصعب والأطول زمنياً. فالليبيين لا يتحكمون في أسعار البترول حتى وأن تحقق الاستقرار السياسي وتمت هزيمة داعش . الأمر سيحتاج ليس فقط إلى نقلة نوعية في النظام الاقتصادي الليبي الريعي بل إلى تغيير جدري في ثقافة الناس وفي أسلوب حياتها الاستهلاكي بعد عقود من الاعتماد على الدولة في توفير كل الضروريات الحياتية مقابل قبولهم بالنظام السياسي الذي كان قائماً، الأمر يتطلب بالضرورة وقف الهذر في المال العام والتوقف عن سياسية شراء السلم الاهلي وهو ما حوّل الحكومات الليبية المتعاقبة  الى أرباب عمل للمليشيات المتصارعة التي ابتزت الدولة و افلستها.

في الظروف العادية فإن معالجة مثل هكذا قضايا تتم عبر حوار مجتمعي يهدف إلى خلق توافق عام بشأنها. في الحالة الليبية الراهنة فإن الأمر يحتاج إلى عقد ما يشبه بلوياجركا ليبية تضم كل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة يهدف الاتفاق على ما يشبه بعقد اجتماعي جديد يعالج التحديات السابقة ويعيد كل من السلطة والثروة والسلاح إلى الدولة بدلاً من وضعها الحال في يد الأفراد في مشهد أشبه ما يكون بحالة ما قبل الدولة.

د. الشيباني أبو همود
سفــير ليبيا في فرنســا

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com