http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

عن ليبيا المنسية: "حرك لعلك توقظ النواما"

الوسط 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليبيا، وهذه حقيقة، بعيدةٌ عن الضوء، ومن هذا تسليط الضوء على وضعها الثقافي، كيف كان، أمرٌ هام ويحتاجُ وقتا وجهداً، لكن هنا سأكتفي بما يخص الوضع الثقافي الذي كان، والذي كان له الأثر الحاسم أو المُسيطر في الراهن.



لقد نهضت ليبيا الحديثة، كما تقريبا في السودان والسعودية، ضمن حركة دينية إصلاحية هي الحركة السنوسية التي مُؤسسها الجزائري محمد بن علي السنوسي في منتصف القرن التاسع عشر، هذه الحركة المعروفة عند المؤرخين فحسب، تمكنت من صوغِ رؤيةٍ دينيةٍ تقويمية تقوم على الاتباع من جهة وعلى النظرة الخصوصية الإصلاحية لعلاقة الدين والحياة لمؤسسها الذي نجح بالتمترس في الصحراء الليبية في الابتعاد عن أي نفوذ للقوى النافذة حينها، وبالتالي نجح حفيده، من رَئسَ الحركة- بعد وفاة والده المهدي- ، في تأسيس المملكة الليبية المتحدة بعد خوض معركة جهادية تحريرية ضد الاستعمار الفاشي الإيطالي بين عامي 1911 و1944 أي نهاية الحرب الثانية، واستقلت ليبيا بقرار من الأمم المتحدة في ديسمبر 1951م، إنها دولة حديثة ناتجة، بمعنى ما، من حركة دينية إصلاحية وتقريبا، مرة ثانية، كما في السودان والسعودية، ولعل هذا يحتاج للدراسة والبحث في مجال جد هام وجديد ولم يُتطرق إليه بالدرس.

بين عامي 1951، و1969 تاريخ الانقلاب العسكري على الملك السنوسي، نجحَ النظامُ الملكي في إرساءِ دعائمِ دولة حديثة، هذه الدولة المُنفتحة على محيطها، وقبل ساعة إنشائها جعلت من انتمائها للجامعة العربية تعبيرا عن رؤية المُؤسسين لبعدها الثقافي العربي والديموغرافي حتى، ولذا كانت المناهج التعليمية في البدء ذات المناهج المصرية، وكذا كان جزء من المعلمين بها من المصريين في كافة المستويات التعليمية، وعلى هذا تأسست الجامعة الليبية مطلع خمسينيات القرن الماضي، هذه الجامعة التي أنشأها المؤسسون الأوائل كما صرحٌ ثقافي.

هذا المنحى الديماغوجي كرس مفهوما للثقافة هو خليط من مفاهيم الإسلام السياسي البارز حينها ومن العداء للعقل والعقلانية

فموقعها في وسط مدينتي بنغازي وطرابلس، ومكتباتُها ومحاضراتُها مفتوحة لمن شاء وأقامت مؤتمرات فكرية دولية شارك فيها أشهر المفكرين والباحثين حينها كالمؤرخ الإنجليزي"ارنولد توينبي" وأساتذتها من العالم والعرب كما عبد الرحمن بدوي من أصدرت له الجامعة الليبية العديد من الكتب، وفُتحت مراكز ثقافية عربية، وكانت المراكز الليبية تغص بالكتب للمؤلفين العرب والأجانب وبكل اللغات، وحتى الكتب الممنوعة في بلدانها توفرت في هذه المكتبات كرواية" أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ التي توفرت في الأكشاك في حينها.

لقد تكرس مفهوم وحدة الثقافة العربية في المملكة الليبية في التعليم وفي الحياة الثقافية، وعليه تم إنشاءُ المؤسسات الثقافية ولم تكن ثمة حدود، فالمسارح ساهم في إنشائها التونسيون، وكل الفنون العربية توجدُ في هذه المؤسسات ومنها الفنون الشعبية لأقطار عربية عدة.

إذا كانت الثقافة في الدولة الناشئة تُنشأُ لها مُؤسسات مُنفتحة، وإن كانت الحركة السنوسية قد ساهمت في التأسيس فقد تأصل في الدولة بُعدها الإصلاحي ومُنطلقها كحركةٍ ثقافية، وجعل هذا من اللغة العربية كمنزلةٍ للروح فغدت لا حدود في وجه الثقافة العربية التي ساعتها كانت في أوج نهضتها، وتم إنشاءُ مكانةٍ للثقافة في المؤسسات التعليمية فـ"أيام" طه حسين هي أيام طلبة التعليم الأساسي، وأُنشئت مؤسساتٌ ثقافية كالمسارح ودور السينما ونوادي الفكر وحتى النوادي الرياضية كانت من صروح الثقافة.

لكن مع هذا فإن النظام الملكي في ليبيا- كما جُلُّ الأنظمة الحاكمة في حينها- كان يمنعُ إنشاء الأحزاب والمنظمات السياسية بل يتم معاقبة كل من يساهم في إنشائها ولو سرا، وكان من هذا مقتل هذا النظام الذي فصل بين الثقافة ومؤسساتها وبين العمل السياسي، و"إن الوعي ونتائجه هما على الدوام، بأشكال مختلفة، جزء من العملية الاجتماعية نفسها"أو كما عبر عنه"ريموند ويليمز"، وهذا ما يُعبر عن أن الاستبداد والسيطرة ليسا بُعدا ثقافيا فحسب بل والأهم البعد الاجتماعي، فلم تكن الآيدلوجية الإصلاحية الدينية هي الحسم في مسألة التسلط السياسي، ولكن المسألة الاجتماعية الحسم الأبلغ، ولذا كانت ليبيا شارعا ناصريا وفي جُهوزيةٍ لانقلاب عسكري مُماثلٍ لانقلاب جمال عبد الناصر في مصر، وهواري بومدين في الجزائر.

لكن مع الانقلاب العسكري في سبتمبر 1969م بدأت الحواجز واتخذ الإقصاء منهجا وساد القمع والتعسف رغم أن النظام العسكري الذي سيطر به الملازم معمر القذافي كان يصدحُ بالوحدة العربية ويُمارس فعل الوحدة من خلال عقد عدة اتفاقيات سياسية، لقد غدت الثقافة في عرف هذا النظام أداةَ تغريبٍ وسلبٍ وغزا مفهوم الغزو الثقافي البلاد. وفي الفترة الأولى لهذا النظام العسكري كان المفهوم الديني هو المفسر للحياة فالدين والقومية هما مرتكزا الهوية و"القرآن شريعة المجتمع"، لكن القومية كانت كما ورقة سلوفان لتغطية وتمويه البعد الديني الجامح، وما كان مبررا أيدلوجيا لتكريس السلطة الفردية وعبادة الشخصية للزعيم الأوحد صاحب النظرية العالمية الثالثة معمر القذافي الذي نجح في جعل الثقافة مُرادفا للاستعمار، وعليه أسس"جمعية الدعوة الإسلامية"، وكان ساعتها السادات في مصر قد جعل من التيار الإسلامي يُمارس القمع في الجامعات، ويكاد يكون المُهيمن الجامح على الحياة في مصر ما بعد عبد الناصر، وقد أعلن القذافي أمين القومية العربية كما صرح جمال عبد الناصر في خطاب له بطرابلس في ديسمبر 1969- الثورة الثقافية في أبريل 1973 التي أغلقت المراكز الثقافية وكرست المؤسسات الثقافية كمؤسسات دينية، ومن هنا جعل من التلفزيون الليبي محطة لـ"مصطفي محمود" والشيخ شعراوي ومن أيدهما من الليبيين مثل الدكتور"على فهمي خشيم" ومن العرب، وساعتها بدأ يتم تكريس ثقافة التلفزيون الشفاهية، والكراسات والكُتيبات التعليمية التي كانت وسيلة التنظيمات والأحزاب الشمولية للتثقيف وما نراها الساعة مُنتشرة في كل مكان تقريبا، ولقد أُحرقت الكُتب في الساحات العامة والآلات الموسيقية الغربية ومنع تداول دواوين نزار قباني مثلا وَعُد محمود درويش شاعر الشيوعية العالمية المُلحدة، وكان القذافي في أول خطابٍ له بعد الانقلاب أي في 16 سبتمبر 1969 وهذا اليوم هو ذكرى إعدام شيخ الشهداء عمر المختار من قبل الفاشية الإيطالية عام 1931 قد أعلن أن من تحزب خان، وعليه مُنعت الحزبية وما في شاكلتها من مؤسسات ثقافية واجتماعية غير حكومية، فالمجتمع المدني بهذا عمل من عمل الاستعمار.

هذا المنحى الديماغوجي كرس مفهوما للثقافة هو خليط من مفاهيم الإسلام السياسي البارز حينها ومن العداء للعقل والعقلانية ومن أوهام التضخم النفطي بعد ارتفاع سعره عقب حرب 1973 هذا التضخم ضخم شخصية الزعيم القائد المفكر والمعلم القائد، في لحظتها قام النفط بتغطية معايبِ المرحلة عن النُخب فتكونت ثقافة النفط التي جعلت العقل يبحثُ عن مأوى في بلدان "البترول دولار"، لقد هاجرت عقول عربية عدة إلى بلدان النفط ومنها ليبيا، في حين في البلاد تم محاصرة الثقافة وقمع وسجن المثقفين بالجملة منذ أبريل 1973 وإغلاق المؤسسات الثقافية كالمركز الثقافي البريطاني والأمريكي ثم المصري ... وغيرها، وكان تم اعتبار محو الأمية مفسدة، فالتعليمُ الحق ليس في دور العلم بل في الحياة، وهو فعل لدحر الثقافة كنظرةٍ نقدية، مثلا غير اسم كلية الحقوق إلى كلية القانون.

لقد تم إفقار الحياة من الثقافة، والتعسف جعل الحياة في الرمق الأخير، فـ"الكتاب الأخضر" فلسفة الحياة حيث لا فلسفة ولا حياة، وفي هذا تم توظيف الثروة النفطية في شراء كل ما يُكرس الفوضى واللاعقلانية وتكريس البلاد كإمبراطورية للفراغ، والكثير من المثقفين العرب وحتى من العالم كمثل روجيه غرودي يُدعون ويحضرون محافل الكتاب الأخضر، وكغالي شكري من ساهم في إنشاء مركز الكتاب الأخضر، وبهذا تم حصر الثقافة في كُتيب وبه تم دحر الحياة الثقافية بل الحياة نفسها في ليبيا ولعقود : 1 سبتمبر 1969 – 17 فبراير 2011.

اعتلال كبير أصاب الثقافة من قبل هذا النظام الذي من أدبياته مفهوم" اللا دولة" ما عمل على تكريسهِ، ونزعَ إلى تحقيقه في أجواء يُوجزها القاص الليبي عمر أبو القاسم الككلي في قصة بعنوان" صناعة محلية ": مواطن أراد شراء كراس إملاء ذهب لمحل وطلب كراس بهامشين، اعتذر البائع بأن ليس لديه إلا كراس بهامش على اليمين، مضطرا اشترى الكراس، في البيت كشف عن الكراس لم يجد أي هامش. لكن الثقافة والمُثقف الفاعل يدرك أن في الطين يكمن التمثال.

لهذا المؤسسات الثقافية الليبية جنحت لوسائط ووسائل تنأى بها عن المُجابهةِ المُباشرة مع السلطة الغاشمة ، لهذا أعتقد أن هذا ساهم في نتاج موسوعي بيِّن: فـ"مركز الدراسات التاريخية الليبية" أنتج موسوعة تاريخية ليبية شفاهية في العديد من المجلدات، وسجلت حقبة تاريخية هي فترة مقاومة الاستعمار الإيطالي، كذلك تم تحقيق وإصدار في مجلدات يوميات الفقيه حسن التي كُتبت بعامية مدينة طرابلس الغرب في أكثر من نصف القرن الثامن عشر، وكذلك أصدر"مركز الدراسات الافريقية": "الموسوعة الأفريقية" الدولية في العديد من المجلدات وبمشاركة دولية، وأنشأ الكاتب والباحث الليبي المعروف"الصادق النيهوم" دارا لتحرير وترجمة وإصدار الموسوعات العلمية ومنها موسوعة"بهجة المعرفة" وموسوعات تعليمية علمية ومهنية متخصصة للنشء وموسوعات تاريخية مصورة، أما الكاتب يوسف الشريف فقد تخصص في ثقافة الطفل وبمجهود ذاتي أصدر"معجم اللغة العربية للأطفال" و"الموسوعة العلمية الميسرة" وغيرهما الكثير.

أبدل البهلويون القانون الديني بنظام قضائي معاصر، لكن الضرر الذي لحق بالمؤسسة الدينية كان أكبر بكثير مما يوحي به الفعل وحده

وكذلك النجاح الذي حققته الرواية الليبية التي صدر أغلبها في الخارج فهناك أسماء روائية ليبية لا يمكن تجاوزها في الرواية التي صدرت خلال قرن مثل روايات إبراهيم الكوني التي ترجمت للكثير من لغات العالم، والروائي هشام مطر الذي يكتب بالإنجليزية، والروائي أحمد إبراهيم الفقيه وغيرهم.

وهذا التحليل ما في صيغة التوصيف يبين أن الماضي هو المُقدمة التي أعطبت نهوض مجتمعات خرجت من حروب تحرير ومن فقر مادي وروحي ناتج عن حقبة استعمارية استنفدت الطاقات، ما بات الحديث عنه أو التحدث عن الدور الإمبريالي فيه بمثابة الاستخدام الملعون لـ"نظرية المؤامرة".

ومثلا فإن في ليبيا الإفقار الثقافي من منع للتعليم ومن إنشاء مؤسسات ثقافية وإغلاق للمكتبات العربية ومنع الأحزاب حصل في عهد الفاشية الإيطالية بين عامي 1923و1945، ولا يمكن القفز على هذا وعلى آثاره في أي مبحث لنصوص الثقافة وسردياتها في المجتمع الليبي كما في المجتمعات العربية الأخرى، أو كما يقول الأسترالي"سايمون ديورنغ": "من أن معرفة الماضي يستدعيها أن الماضي مُستمر الوجود في الحاضر، والذي ليس له وجود في الحاضر ليس له تاريخ، ببساطة أصبح منسيا "، عليه ليس من السهل البحث في البنيات الثقافية باستبعاد لهذا المؤثر الفاعل والرئيس، خاصة والحديث عن دويلات ناشئة ومجتمعات يحق بشأنها قول الإيرانية "آذر نفيسي":"عندما أعيد النظر في تاريخنا، ما يبدو مدهشا بالنسبة لي الآن ليس كيف كانت السلطات الدينية قوية وفعالة في إيران بل كيف سيطرت العلمانية المعاصرة بسرعة على مجتمع هيمن عليه بشدة الدين التقليدي والديكتاتورية السياسية. أبدل البهلويون القانون الديني بنظام قضائي معاصر، لكن الضرر الذي لحق بالمؤسسة الدينية كان أكبر بكثير مما يوحي به الفعل وحده ".




شاهد الخبر في المصدر الوسط




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com