http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

المهدي الخماس: العبرة من كفاح السود

ليبيا المستقبل 0 تعليق 40 ارسل لصديق نسخة للطباعة

شهر فبراير من كل سنة هو شهر تاريخ السود في أمريكا. ابتدأ الاهتمام والاحتفال بأسبوع تاريخ السود في أمريكا عام 1926. وكان مقتصرا على أسبوعين في شهر فبراير. اعترفت الحكومه الأمريكيه بتمديده رسميا لمدة شهر في 1976 ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه الذكرى تشمل شهر فبراير كله.



وصل السود إلى أمريكا منذ حوالي 400 سنة (1619) أغلبهم عن طريق النخاسة (الرقيق). وتمكن هؤلاء الرقيق بقبول العبودية من المجتمع الأمريكي تمكنا عميقا لأكثر من 200 سنة. كان  السود  عبيدا مملوكين لا أكثر ولا أقل، وفي سنة 1868 أعطيت لهم الجنسية الأمريكية الكاملة ولم يُعطَ لهم حق التصويت حتى سنة 1870. كافح السود طويلا، والكثير منا سمع بمالكولم إكس ومارتن لوثر كنج، وجيسي جاكسون وغيرهم كثير من أجيال مختلفة ساهموا في استمرار مسيرة الكفاح والحصول على مزيد من الحقوق. عاشوا سنوات عديدة كان فيها الأسود يترك كرسيه للأبيض في القطارات والحافلات، وكانت مدارس السود تختلف عن مدارس البيض، حتى في الجيش كانوا مفصولين على البيض، وكثير منهم مات مغدورا. ولكن الأثر طويل المدى وما يزال موجودا إلى حد اليوم. ومر الوقت إلى سنة ١٩٨٩ عندما انتخب دوجلاس والدر كأول والٍ من أصل أفريقي في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب الأهليه.  والحاضر يخبرنا أن الرئيس أوباما هو أول رئيس أمريكي من أصل أفريقي. وما زلنا نحكي عَلى التفرقة العنصرية وآثار العبودية إلى اليوم.

إخوتي وأخواتي في ليبيا والعالم العربي…

سردت هذه المقدّمة من تاريخ السود في أمريكا لعلنا نرى فيها عبرة،  ذلك أن المجتمعات المتخلفة تحتاج إلى وقت وصبر وطول نفس وكفاح للحصول على الحقوق والمكانة الاجتماعية اللائقة. وبدون الرجوع إلى قرون عديدة من التاريخ العربي فإنه من السهل علينا ان نعرف ومن معلومات المدرسة أن أغلب العالم العربي كان مستعمَرا. كان عنف الاستعمار واستبداده ونظرته إلى أهل الوطن مختلفا من مكان إلى آخر ولكنه كان استعمارا بمعنى الكلمه ونوعا من العبودية. ومع كفاح الشعوب ضد الاستعمار وبمعونة بعض الدول الكبرى حصل الاستقلال لكثير من الدول العربية وأصبح لها يوم وطني هو يوم الاستقلال.

مثلا ليبيا يومها 24 ديسمبر 1951 واستقلال الإمارات ألعربيه المتحدة من الاستعمار البريطاني هو يوم 2 ديسمبر 1971 والعراق يومها الوطني هو 3 أكتوبر 1932. أين ليبيا من الإمارات؟ (بالمناسبه بريطانيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها يوم وطني، وأما الدنمارك فهي ليس لها يوم وطني أيضا، ولكن لها يوم الدستور). يعني بعد خروجنا من الاستعمار الأجنبي وفي بداية الحكومات المدنية، وقع الكثير من دول العالم العربي تحت حكم النظم العسكرية كظاهرة انقلابية بحجة التقدمية والسير إلى الأمام. ومع التجربة لعشرات السنوات اتضح أنها شعارات لم تحقق أكثر من شبكات طرق مغشوشة  وكهرباء متقطعة ونصيب من المساكن الشعبية الخاليّة من البنية التحتية. وازداد الفقير فقرا وازداد الغني غنى وضاعت الطبقة المتوسطة في خضم شعارات القومية الفارغة. وضاعت الوطنية والمواطنة وحل الولاء للنظام الحاكم كأساس للمناصب القيادية بدلا من الكفاءة والأهلية، وفشلت في بناء الإنسان وتعليمه القبول بالآخر وطرق التفاوض والتنازل لمصلحة الوطن. حتى الأحزاب علمت منتسبيها إما حزبهم او الطوفان وكل الأحزاب الأخرى لا تستحق الوصول إلى الحكم  أوالمشاركة فيه. ومن يحكم يُقاضي غيره ويودعه غياهب السجون والإقصاء مع العقاب الجماعي في أحيان كثيرة.

جاء الربيع العربي بكل عفوية وببساطة وبرآءة وتلقائيه. وكذلك ليبيا والليبيين. وسُرق في المهد حتى أصبح يشار إليه بالمولود الميت. سرق في المهد وأصبح جزءا من مؤامرة أكبر من طاقاتنا. وقعنا في الفخ. وساءت الأحوال وندم البعض. ورجع البعض خطوات إلى الوراء. واتضح أن من كان يسرق الملايين استبدلنا به من يسرق المليارات، ومن يسجن أصحاب الرأي الآخر استبدلنا به من يسجن بنوع الهوية المكانية والمناطقية. استبدلنا بسيارات الأمن سيارات الخطف، وبسيارات الأسعاف سيارات نقل الموتى، وانتقلنا من حكم العائلة ومحاولة التوريث إلى حكم العائلات والعصابات والمدن. ومن ليبيا يأتي الجديد وكوّنّا مجلسين منتخبين وثلاث حكومات واستبدلنا بالسجون المعروفة ظلماتٍ غير معروفة. وطالبنا بالأنفصال وطالبنا بالتدخل الأجنبي مرة أخرى واقتنعنا أننا لا نصلح لمصالحة انفسنا ولانصلح للديموقراطية وربما نحتاج إلى قبعة عسكرية وعصا طويلة حتى نستقيم واستغول علينا الإحباط  وأصبحنا ملطشة لكل من هب ودب.

علينا أن نميز بين أمرين. اولا نظام الفرد لعشرات السنوات. هذا النظام قد زال. نتفق على إنجازاته او إحباطاته أمر آخر, نتفق أو لا نتفق في طريقة التغيير، ولكن نتفق على أنه تُوفيَ وانتهى أجله. أمر الاعتراف بهذا الحدث الرهيب وفك القيود خطوة ضرورية للشفاء من داء النظر والسير إلى الخلف. ولا أعتقد (لا أملك نتائج استفتاءات) أن الشعوب لديها الرغبة في الرجوع إلى هيمنة الأسرة والقيود، يعني قُضي الأمر ونقطة من أول السطر. الامر الثاني أن الليبيين ليس بإمكانهم علم الغيب ومعرفة الأحداث بعد تكسير القيود. ولكن عرفنا أننا وبقيادة نخبتنا السياسية فشلنا في تكوين الدولة وإرجاع الأمان إلى الناس. ومثلما أشرت أعلاه استبدلنا الأسوأ بالسيء، واستجرنا من الرمضاء بالنار، وهربنا من الغولة ووقعنا في حجر سلال القلوب، وهذا ما أدى إلى الخلط والإحباط والمقارنة بين العهد الماضي ووجود الدولة وبين مستنقع الحاضر وغياب الدولة. وهذا ماجعل الاحتفال بالذكرى الخامسة أمرًا مستهجنًا واختلف عليه الليبيون. 

الآن نرجع إلى المقدّمة ونقول إن معركة تكوين الدولة والانتقال إلى الأمن والأمان لم تنتهِ بعد. وإن الطريق مليء بالمطبات وبعضها عالٍ ومخيفٌ ويجعلك تفكر في الرجوع. الطريق يجعلك تفكر بل تعتقد أن كثيرًا من موظفي الماضي وسرقاتهم أفضل من سراق الثورة. وأن كثيرًا ممن عملوا عن قرب من النظام السابق أشرف ممن كانوا في قائمة المناضلين لسنوات طويلة، وربما الارادة السياسة السابقة شجعتهم على السرقة ولم تمكنهم من خدمة الوطن. الكر والفر سيستمر والروح الطويلة ضرورية للحصول على مستقبل آمن للأجيال القادمة.          

كلنا نؤمن بالقضاء والقدر ولكن لا نرضى بالاستسلام. وقضية التغيير إلى الأفضل ليس لها علاقه بالتعليم في أمريكا أو الغرب، شاهدنا من عاش الديموقراطية في أمريكا وتعلم بها  وعندما رجع إلى الوطن انقلب سارقا وناهبا لثروة الشعب ومطالبا بالملايين. ولكن الإنسان يعرف ان عبادة الأشخاص والنفاق هو ما أوصلنا إلى حالتنا الراهنة. وعلى الإنسان أن يشعر بالحرية وأن يمارسها بعقل واعٍ، وعليه الابتعاد عن تعليق الصور وتأليه الأشخاص والابتعاد عن مبادرات ومبايعات شيوخ الرز ولحم الخروف. وعليه أن يعرف أن المصالحة تعني العفو عند المقدرة، وتعني المحاكمة العادلة للقاتل والمجرم وليس التكريم.

خلاصة مهمة. كفاح الشعوب لا يقاس بخمس سنوات والانتصار لا يأتي بين يوم وليلة وإنما يأتي بالصبر واستمرار النضال والتقدم خطوات في مرات والخسارة مرات أخرى، وباتحاد القيادات القديمة المخلصة مع القيادات الجديدة المخلصة ستدور عجلة التقدم والتحرير والتطوير. الإخوة من العهد الماضي، التدمير لغرض التطوير ليس صحيحا في كثير من الأحوال. لغة الرفاق والجماهير والقائد الأوحد والكاتب الأوحد ومصمم السيارات أكل عليها الدهر وشرب وأصبحت بضاعة لا يتقبلها حتى الاغبياء ومصطلحات تُذَكِّر بعصر الديناصورات والبوسعدية. أيها الليبيون والليبيات القوارب حُرِقت "أيها الناس؛ أين المفرُّ؟! والبحر من ورائكم  والعدو أمامكم، فليس لكم والله! إلا الصدق والصبر"... أيها الناس... انتبهوا انتبهوا فيوجد بيننا الرجلان (تياران) اللذان قسما ظهر سيدنا علي بن أبي طالب وهما العالم المتهتّك والجاهل المتنسّك…. وجمعتكم مباركة… ودمتم بخير.

المهدي الخماس
26 فبراير 2016

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com