http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

شُكْري السنكي حكايّات مِن الزمن الجميل… سُليْمان منينة يتحدث عَن صَالح جودت

ليبيا المستقبل 0 تعليق 135 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حكايّات مِن الزمن الجميل
 




سُليْمان منينة يتحدث عَن صَالح جودت 


أتناول فِي هذه المقالة شخصيّة تفردت بموهبتها ومكانتها، ويعتبرها المصريون شخصيّة لها بصمة تميز أعمالها الإبداعيّة، وتاريخ طويل ساهم فِي نقل الأغنيّة المِصْريّة إِلى قمم الخيال والحس الإبداعي الرفيع، بالإضافة إِلى إثراء العمل الصّحفي والحركة الثقافيّة فِي مِصْر والوطن العربي. أعرض جانباً إنسانياً مِن شخصيّة صَالح جودت (1912م-1976م)، بلسان سُليْمان مُصْطفى منينة الّذِي تعرف عليه ورافقه لبضع سنين. جودت الّذِي يسميه الأديب محَمّد رضوان (قيثارة مِصْر)، ويعتبره الأستاذ فاروق شوشة: ".. واحداً ممَن يملأون الحيَاة الأدبيّة، ويشغلون النَّاس بقلمهم وكتاباتهم ومعاركهم، منذ بزوغ اسمه فِي عالم الصحافة فِي النَّصف الثّاني مِن ثلاثينيات القرن العشرين عندما أصدر ديوانه الأوَّل (ديوان صَالح جودت) عام 1934م، وحتَّى ديوانه الأخير (الله والنيل والحبّ) قبل رحيله بعام واحد.".

سجل سُليْمان منينة بعض الذّكريات التي جمعته بقامات مصريّة، تعرف عليها فِي فترة دراسته الجامعيّة بالقاهرة، مِن صيف 1966م إِلى صيف 1970م. وقد نشرها كخواطر قصيرة فِي صفحته فِي الفيسبوك،   وسبق للشاعر هليل البيجُّو أن قدّم للقارئ العربي بعضاً مِن تلك الذّكريات الّتي كانت محوراً لجلسات متفاوتة مع السّيِّد سُليْمان منينة ومَا سجله عنه فِي المدة الماضيّة وأضفى عليها مِن عنده محافظاً على جوهرها وتفاصيلها كمَا سمعها مِن صديقه سُليْمان وذلك فِي مقالة نشرها فِي صحيفة: (القدس العربي)، تحت عنوان: (الأديب الِلّيبيّ سُليْمان منينة يسرد رحلته مع "سيرة الطرب" الّتي جمعته بالشّاعر أحمَد رامي)، فِي عدد الصحيفة الصّادر بتاريخ 20 مارس/ آذار 2014م.

آمل إعادة نشر تلك الخواطر لأقدمها للقارئ العربي بشكل توثيقي أشمل، وهذا يجعلني أقدم لها وأضيف إليها قبل عرضها كمَا جاءت على لسان سُليْمان منينة. وليس الهدف مِن إضافاتي الإحاطة بالشخصيّة مِن كافة جوانبها، ولكنّ اِسْتِيفاء المَوْضوع المعروض الحق الّذِي ينبغي أن يكون عليه أو جزء منه على أقل تقدير. ولا يفوتني هُنا، التأكيد على أن منينة لم يكن هدفه ممّا عرض الإحاطة بكافة جوانب الشّخصيّات الّتي تناولها، وإنّما تسجيل مَا عرفه ولمسه مِن خلال معرفته الشّخصيّة لها، وعرض بعض الجوانب الإنسانيّة والطرائف الّتي رُبّما لم تتح لغيره معرفتها.  وحكاية اليوم عَن صالح جودت...  

 سُليْمان منينة.. خلفيات وصداقات حميمة فِي مِصْر

سُليْمان مُصْطفى منينة شخصيّة مِن شخصيّات مدينة بّنْغازي المعروفة وأحد وجوهها المُشرقة، وصاحب اهتمامات ثقافيّة وفنيّة، ويُضاف إِلى ذلك حضوره البّارز على مستوى جميع الأوساط الاجتماعيّة. ينحدر مِن عائلة عريقة كان لها دورها الوطنيّ البّارز وحضورها المشهود فِي عهد الاتراك ومقاومة المستعمر الإيطالي ثمّ فِي بناء دولة الاستقلال كذلك فِي مقاومة استبداد نظام القذّافي.

استقبل عبدالله الأمين منينة (تُوفي حوالي 1865م) واستضاف الإمام المصلح محَمّد على السّنوُسي (1787م-1859م) فِي بيته بشارع قصر حمد في مدينة بّنْغازي العَام 1842م، وهُو الّذِي كان شيخاً لتجار المدينة فِي زمن مِن الأزمان. وكان أخوه عبْدالرَّحمن الأمين أوَّل عميد للبلديّة بمدينة بّنْغازي حينما تأسست سنة 1870م. وكان مصْطفى إبراهيم منينة (عم والد سُليْمان منينة) أحد أعوان السّيِّد صفى الدّين السّنوُسي  (1895م - 22 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1967م) قائد معركة القرضابيّة التي دارت رحاها فِي صحراء سرت فِي 29 أبريل / نيسان 1915م، وهُزمت فيها القوَّات الإيطاليّة الاستعماريّة الغاشمة، والّتي تُعد مِن أهمّ المعارك فِي تاريخ الجهاد الِلّيبيّ ضدَّ قوَّات المستعمر الإيطالي. إمّا والده مُصْطفى سُليْمان منينة (1900م - 30 أكتوبر/ تشرين أوّل 1985م) فقد كان عضواً بمجلس الشّيوخ فِي عهد المملكة الِلّيبيّة، وكانت له - طيب الله ثراه -اهتمامات ثقافيّة وفنيّة إِلى جانب اشتغاله بالسّياسة ردحاً مِن الزمن. اهتم والده بِالشِّعْرِ الفصيح وربطته صداقة حميمة بشاعر الوطن الكبير أحمَد رفيق المهدوي (1898م-1961م)، بِالإضافةِ إِلى إنّه كان عاشقاً للشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ ومِن الرواة المعتبرين له.

نشأ سُليْمان منينة وسط هذه الأجواء وفِي كنف عائلة وطنيّة انشغلت بهُمُوم الوطن وقضاياه، وشغوفة بالثقافة والشِّعْرِ والفنِ والأدبِ. ربت العائلة فِي سُليْمان حبّ الوطن والاهتمام بالشِّعْرِ والفنِ والموسيقى، وتشكلت اهتماماته الثقافيّة وذائقته الفنيّة فِي فترة دراسته فِي مِصْر إبّان أبهي سنوات التجديد والتطوير فِي الفنّ المصري المعاصر. ويخبرنا الناقد والشّاعر هليل عبْدالوكيل البيجُّو عَن اهتمامات سُليْمان منينة الثقافيّة وذائقته الفنيّة فيقول: ".. يملك الأستاذ سُليْمان مكتبة فنيّة نادرة تجمع بين الأغنيّة الشّعبيّة الِلّيبيّة والأغنيّة الشّرقيّة لا سيما تسجيلات أقطابها الأفذاذ: محَمّد عبْدالوهاب وأم كلثوم. ناهيك عَن التسجيلات الخاصّة التي تعمر بها مكتبته لأهم المقارئ والمجودين للقرآن الكريم. حباه الله نظرةً ثاقبةً وعيناً فاحصةً إِلى جانب رهافة سمع وحسن ذائقة مع دقة تحر فِي كلِّ مَا يرويه أو يوثقه وقد كانت له يد بيضاء على الشِّعْرِ الِلّيبيّ لا سيما فِي مدينة بّنْغازي حيث كان وراء صدور ديوان الشّاعر عبْدالرَّحمن بونخيلة (الربيع المتجَدّد) الّذِي أصدرته (مكتبة قورينا) عام 1975م، إذ هُو الّذِي جمعه. كذلك هُو الّذِي جمع ديوان الشّاعر معتوق آدم الّذِي جمعته به صحبة طويلة. إضافة إِلى أشياء أخرى كثيرة لم تزل مخطوطة عنده تنتظر دورها فِي الصدور.".

كان سُليْمان منينة أوَّل طالب لّيبيّ يدرس فِي  الجامعة الأمريكيّة فِي القاهرة، وقد أكد هُو بنفسه على ذلك بقوله: ".. كُنت أنا الطالب الِلّيبيّ الوحيد فِي تلك الجامعة حيث إنّها لم تكن معروفة عند الِلّيبيّين وقتذاك..". وأثناء فترة دراسته بالقاهرة، ربطته صداقة ومودة أخويّة حميمة بالشّاعر صَالح جودت والفنّان سيد مكاوي (1927م - 21 أبريل/ نيسان 1997م) والمُوسيقار محَمّد الموجي (1923م - 1 يوليو/ تموز 1995م) والفنّانة زينب صدقي (1895م - 23 مايو / أيّار 1993م) ومدير دار الأوبرا المِصْريّة شكري راغب (تُوفي فِي الثمانينات) وعازف آلة الكمان أحمَد الحفناوي (تُوفي سنة 1990م) وعازف آلة القانون محَمّد عبده صَالح (1916م-1970م) والشّاعر الكبير أحمَد رامي (1892م - 5 يونيه/ حزيران 1981م) الّذِي تعرف عليه منذ مجيئه للقاهرة وذلك فِي 20 أكتوبر/ تشرين الثّاني 1966م فتولدت بينهما صداقة ومودة كبيرة حيث كان رامي يعامله كأحد ابنائه وَمِن خلاله تعرف على الكثيرين من علية القوم فِي مِصْر.   

جمعته أيْضاً مجالس وسهرات مع كثيرين مِن المشاهير منهم الكاتب والأديب توفيق الحكيم (1898م - 26 يوليو/ تموز 1987م) وعميد المسرح العربي يُوسف بك وهبي )1898م - 17 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1982م).. وآخرين. وعَن هذا يخبرنا الأستاذ سُليْمان منينة فيقول:..".. مِن خلال علاقتي بالأستاذين الشّاعرين أحمَد رامي وصَالح جودت رحمهما الله، كُنت أذهب معهما أحياناً إِلى جلسة كانت تعقد صباح كلَّ يوم أحد فِي شرفة فندق سميراميس القديم المطلة على النيل (الانتركونتيننتال حاليا). تلك الجلسة الأدبيّة كان يحضرها كثيرون، منهم: الأستاذ الكبير توفيق الحكيم وعميد المسرح يُوسف وهبي والدّكتور حسين فوزى والكاتب إبراهيم الورداني..".  

وَفِي بيت السفير الِلّيبيّ بالقاهرة، التقى بعدد مِن الساسة والمشاهير، وقد أكد الأستاذ سُليْمان على ذلك فقال: ".. كان السّيِّد عبْدالسّلام بسيكري (1902م - أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1970م) سفيراً لليبَيا فِي القاهرة مِن 1966م إِلى بدايّة سنة 1970م، والّذِى تربطني به علاقة عائليّة (إبن عمتي) وكان رحمه الله يدعوني إِلى جميع حفلاته واستقبالاته ومآدبه حيث إنّه لم يرزق بولد وكُنت أقوم أنا بمقام إبنه ومِن خلاله أيْضاً حضرت مجالس العديد مِن الساسة والمشاهير.". 

كان السفير الِلّيبيّ بالقاهرة واحد مِن بين الشخصيّات الكبيرة الّتي حضرت حفل تخرجه مِن كليّة الاقتصاد والعلوم السّياسيّة بالجامعة الأمريكيّة فِي القاهرة فِي يونيو / تموز1970م، وإِلى جانبه: أحمَد رامي  وصَالح جودت وزينب صدقي وشكري راغب والفنّان الِلّيبيّ الكبير عبْدالسّيِّد الصابري (1924م - 1997م).  

• صَالح جودت (1912م-1976م) 

هُو إبن المُهندس كمال جودت الّذِي كان مِن بين النخبة المُتعلَّمة والمُثقفة فِي مِصْر فِي زمنه. وصَالح جودت عنوان وقفتنا هذه هُو الصّحفي والشّاعر والأديب وكاتب القصّة والروايّة والأغاني وحوارات السينما إِلى جانب ترجمات فِي مجالات مختلفة. ولد بمدينة الزّقازيق يوم الخميس الموافق 12 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1912م، وتلقي تعليمه مِن الإبتدائي إِلى الثانوي فِي مدارس مِصْر الجديدة ثمّ مدينة المنصورة، وتحصل على بكالوريوس التجارة فِي جامعة القاهرة سنة 1939م. ترجم عدداً مِن روايات إرنست هيمنجواي (1899م - 2 يوليو/ تموز 1961م) أهمّ كتّاب القصّة والروائيين الأمريكيين كروايّة (الشّيخ والبحر).. وله عدة ترجمات علميّة، وفِي أدب الرحلات. وأصدر مجموعة مِن الدواوين أهمها: ديوان صَالح جودت، سنة 1934م.. ألحان مِصْريّة، سنة 1968م.. الله والنيل والحبّ، سنة 1973م. وأصدر مجموعة مِن الدّراسات الأدبيّة: شاعر الكرنك.. شعراء المجون.. بلابل مِن الشّرق.. ملوك وصعاليك.. ناجي: حيَاته وشعره.. الهمشري: حياته وشعره. وتحصّل على عدة جوائز وأوسمة، والأوسمة التي تحصّل عليها هي: وسام النّهضة الأردني، سنة 1951م.. وسام العرش المغربي، سنة 1958م.. وسام العلوم والفنون مِن الطبقة الأولى، سنة 1959م.. جائزة الدولة التشجيعيّة فِي الآداب مِن المجلس الأعلى لرعايّة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعيّة، سنة 1958م.. جائزة أحسن قصيدة غنائيّة فِي السد العالي، سنة 1965م.. ميداليّة العلوم والفنون.     

كان صَالح جودت مِن المدرسة الجديدة فِي الشّعر أو شاعر مجدد، ولكنّ صداقته الحميمة بالشّاعر أحمَد رامي جرفته إِلى مكان آخر ثمّ ابعدته ثورة 23 يوليو/ تموز عَن الإذاعة مع مَنْ أبعدوا عنها بعْد سيطرتها على الحكم، فاتجه إِلى صحيفة الأهرام بعْد عمله فِي الإذاعة وتقديمه لبرنامج شهير: (روائع الشعر) الّذِي كان معنياً باكتشاف المواهب الشعريّة وتقديم صور الشّعر الجماليّة والفنيّة ومَا يحمله مِن مضامين إِلى المُتلقي وجمهور المستمعين. وجاء عَن هذه المحطّة فِي حيَاة جودت فِي دراسة للأستاذ فاروق شوشة مَا يأتي:..".. غير أن الحيَاة الصاخبة الممتلئة الّتي عاشها صَالح جودت التهمت كثيراً مِن طاقته الإبداعيّة وَمِن تفرغه للشعر، كمَا التهمت معاركه الأدبيّة والصحفيّة والسّياسيّة كثيراً ممّا تبقى مِن هذه الطاقة. وحين جذبه صديقه الأثير أحمَد رامي إِلى طريق كتابة الأغنيّة، وبخاصّة للعديد مِن الأفلام السينمائيّة أشهرها شاطئ الغرام وألمظ وعبده الحامولي، كسبته الأغنيّة العاطفيّة وخسرته القصيدة المجددة المحلقة الّتي كان يبدعها ناجى وعلى محمود طه. وَفِى الإذاعة المصريّة عمل صَالح جودت عدة سنوات مشرفاً على الأحاديث ومقدمًا للبرامج الشعريّة، أشهرها (روائع الشعر)، ومكتشفاً للمواهب الجديدة. وَمِن خلاله عرف النَّاس شعر شاعر الكرنك أحمَد فتحي قبل أن تشدو به أم كلثوم. ثم أُخرج مِن الإذاعة مع مَنْ أبعدوا عنها عند قيام ثورة 23 يوليو فاتجه إِلى الأهرام صحفيًّاً وكاتباً فرئيساً لتحرير مجلّة الراديو والإذاعة فرئيساً لتحرير (المصور) ورئيساً لتحرير (الهلال) فنائباً لرئيس مجلس الإدارة فِي دار الهلال.

وَيبقى الوجه الشعرى لصَالح جودت هُو وجهه الأساسي والأصيل، وهُو الوجه الّذِى عرفه النَّاس فِي آخر تجلياته مع قصيدة (الثلاثيّة المقدسة) الّتي شدت بها أم كلثوم.".  

أخِيْراً، ربطت جودت مع الشّاعر الكبير أحمَد رامي علاقة صداقة وودّ صافي لأكثر مِن ثلاثين سنة لم يفترقا خلالها، ويخبرنا الأستاذ سُليْمان منينة عَن هذه العلاقة، بما يأتي: "..عندما رُشِّحَ احمد رامي لجائزة الدولة التقديريّة فِي الفنون والآداب وهى أعلى جائزة كانت تمنحها مِصْر لكبار أدبائها وعلمائها ومنهم الدّكتور طه حسين (1889م - 28 اكتوبر/ تشرين الأوَّل 1973م) وتوفيق الحكيم (1898م - 26 يوليو/ تموز 1987م) وعباس العقاد (1898م - 1964م). كانت هُناك مُعارضة مِن بعض أعضاء اللّجنة المختصة فِي المجلس الأعلى للفنون والآداب بحجة إنَّ رامي يكتب الزجل وكان صَالح جودت سكرتيراً للجنة فكتب دراسة أوضح فيها فضل رامي فِي الرقى بلغة الأغاني مِن المستوى الّذِى كان سائداَ إِلى مستوى مَا يكتبه مِن قطع غنائيّة.. وفاز رامي بالجائزة وأقيمت له حفلة تكريم فِي نادى السيارات حضره قادة الفكر وأساطين الفنّ فِي مِصْر تتقدمهم السيدة أم كلثوم.. بدأها رامي بوصف علاقته بصَالح وبمعانقة صَالح له وهُو يبكى عندما أستلم الجائزة فِي قصيدة كانت واحدة مِن روائعه..".  

• محطّة إنسانيّة فِي حيَاة جودت يرويها سُليْمان منينة

صَالح جودت (1912م - 1976م) اسم لمع فِي عالم الأدب والشّعر والصحافة فِي مِصْر والعالم العربي فِي القرن الماضي. اسعدني الحظ بالتعرف عليه عَن قرب خلال دراستي الجامعيّة فِي القاهرة. تعرفت عليه عَن طريق معرفتي بالأستاذ أحمَد رامي والّذِى يعتبر صَالحاً صديق عمره ورفيقه لسنوات طويلة، كنا في البدايّة نلتقى فِي مقهى لابّاس فِي شارع قصر النيل، ثمّ صادف أن أتصلت به للمعايدة بمناسبة أحد الأعياد الدينيّة فدعاني لزيارته فِي بيته.. ولعلمه بهوايتي لسماع المُوسيقى العربيّة والفنّ العربي، سألني أين أقضى سهراتي فقلت أحياناً أذهب مع بعضا الاصدقاء إِلى المحلات الّتي بها عروض فنيّة.. فقال ليّ بالحرف الواحد: هذا البيت بيتك وأنا أسهر كلَّ ليلة مع أصدقائي فيه، وكلَّ مَنْ تريد أن تسمع موسيقاه أو غناه يأتيك هُنا إلاّ أثنان.. أم كلثوم وعبْدالوهاب.. ليس لأنهما لا يزوراني ولكنّ لأنهما لا يسهران خارج البيت.. وفعلاً منذ تلك الليلة اصبحت أسهر ليلياً عنده بعْد أن أكون أكملت مراجعتي الدّراسيّة والّتي كان رحمه الله أحد المراقبين عليّ فيها وبذلك لم أتأخر فِي أيّ سنة مِن سنوات الدّراسة، وكان رحمه الله ضمن مَنْ حضروا حفلة تخرجي سنة1970م وكان ليلتها فِي غايّة السعادة.. وقد تعرفت عند صَالح على الكثيرين مِن أهل الأدب والفنّ، وحضرت عنده ليالياً لا تنسى مازلت احتفظ بتسجيلات لها. صَالح شخصيّة متكاملة.. فهُو سليل أسرة عريقة.. فِي بدايّة حياته عمل سكرتيراً لطلعت حرب 1867م - 13 أغسطس/ أب 1941م) عميد الاقتصاد المصري، ثمّ أمتهن الصحافة ووصل لرئاسة تحرير مجلّة (المصور) ونائب رئيس مجلس إدارة مؤسسه (دار الهلال)، وساهم فِي تأسيس أو إنشاء (إذاعة صوت العرب) يوم 4 يوليو/ تموز 1953م، هذا بالإضافة إِلى كتاباته ودواوين شعره وأعماله الفنيّة لكثير مِن الفنّانين وأبرزها اغنيّة (الفنّ) لعبْدالوهاب وقصيدة (الثلاثيّة المقدسة) لأم كلثوم. إمّا عَن سلوكه الاجتماعي فهُو شيء يندر مثيله فِي المعاملة وحبّ النَّاس والكرم والعاطفة الصّادِقة.. ويسعدني أن أورد لذلك بعض الامثلة.. صَالح إنَّ كُنت صديقه يلقاك يبكى ويودعك يبكى مِن فرط عاطفته. ولأنه يحب النَّاس ويحسن معاملتهم على اختلاف مستوياتهم، كان يحظى بمحبة خاصّة ومكانة فِي أيّ مكان يدخله. أذكر جيداً أنه دعانا ليلة للعشاء في نادى السيارات وهُو مكان راقي جدَّاً فِي مِصْر.. وعند دخولنا لاحظت وجود أحد أعضاء مجلس الثورة ومعه ضيوف، وعند دخول صَالح هب جميع الخدم فِي المطعم للترحيب به تاركين طاولة ذلك المسؤول الكبير.. وَمِن كرمه إنني كُنت عنده يوماً فِي المكتب واحضروا له مرتبه، فأخذ جزء منه خارج المظروف وعند خروجنا أخذ يوزع ذلك المبلغ على الفراشين وصغار الموظفين.. كذلك تعلمت منه درسين لا يمكن أنساهما ما حييت.. الأوَّل، أنني لاحظت إن له صديقاً بخيلاً وإنّه يدعو ضيوفه معه لبيت صَالح الّذِى يتقبل ذلك بصدر رحب.. وعندما أبديت له ملاحظتي قال ليّ فلان هذا عاش طول عمره معزوم.. واللي تعود طول عمره يأخذ ما يعرفش يعطىّ !!!.. الدرس الثّاني، طلب مني والدى أن اشترى له عصى مِن الخيزران.. فقال لي صَالح غداً نذهب لسيدنا الحسين نتغدى عند مطعم الدهّان (وكان أشهر مطعم أيامها) ونشترى العصايا.. وذهبنا واستقبلنا الدهّان بحفاوة لم أشهدها مِن قبل ورفض أن يأخذ قيمة الغذاء.. وعند خروجنا وجدنا رجلاً عجوزاً طاعناً فِي السن يبيع العصى ..سألته عَن الثمن قال جنيه ونص فقلت له أعطني أثنين. أقسم صَالح أن يسدد الثمن وأعطى الرجل خمسة جنيه وسحبني مِن يدى لنمشي فقلت له نأخذ الباقي.. فقال ليّ ألم ترى حال هذا العجوز وربنا عالم مَا يعانيه.. الخمسة جنيه بالنسبة لي لا تساوى شيئاً ولكنها بالنسبة له قد تحل له مشكلة.. وكانت الخمسة جنيه لها قيمة فِي الستينات مِن القرن الماضي. وَكَمَا أَسْلَفَت، كانت علاقاته الاجتماعيّة لا حدود لها.. كان صديقاً للرئيس السّادات ولكثير مِن الوزراء.. إمّا علاقته بكوكب الشّرق وسيدة الغناء العربي أم كلثوم (1898م - 3 فبراير/ شبّاط 1975م) والمُوسيقار محَمّد عبْدالوهاب (1902م - 4 مايو/ أيّار 1991م) فكانت مِن الدرجة الأولى وكان تقريباً كلَّ ليلة يتصل بهما أو يتصلان به ويتبادل معهما الحديث وأخر النكت.

أصيب بسرطان فِي الرئة وأوفد على حساب الدولة للعلاج فِي لندن وزرته هُناك وكانت أخر مرَّة ألقاه فيها فِي صيف سنة 1976م وقد توفى بعْد عودته للقاهرة.. كذلك هُو ليس له أولاد وكان متبنياً ابنة شقيق زوجته وقد ربّاها أحسن تربية وزوجها وأقام لها حفلاً كبيراً فِي زواجها. ليّ مع صَالح جودت رحمه الله، الكثير مِن الحكايات والذّكريّات، ولكنّ مهما كتبت أو قلت عنه فلن أوفيه حقه.. أدعو الله له بالرّحمة والمغفرة وجزاه الله عنى شخصيّاَ كلَّ خير لما رأيته منه مِن ود وصداقة مخلصة وكرم غامر.

شُكْري السنكي
 

صُوَرَة خاصّة مِن أرشيف سُليْمان منينة تُنشر لأوَّل مرَّة، وتجمعه بالشّاعر الرَّاحل 
المُبدع أحمَد رامي فِي حفلة أمّ كلثوم يوم الخميس الموافق 5 يناير/ كانون الأوَّل 1967م

 

مِن اليمين: صَالح جودت، عبْدالسّيِّد الصابري، عبْدالسّلام حسين بسيكري،
محَمّد السّنوُسي جبر، السيدة سها جودت حرم صَالح جودت، سُليْمان منينة
     


مِرْفق الصُوَر:

- الصُّوَرَة الأولى: صَالح جودت... الصُّوَرَة الثّانِيَة: صُوَرَة خاصّة مِن أرشيف سُليْمان منينة تُنشر لأوَّل مرَّة، وتجمعه بالشّاعر الرَّاحل المُبدع أحمَد رامي فِي حفلة أمّ كلثوم يوم الخميس الموافق 5 يناير/ كانون الأوَّل 1967م... الصُّوَرَة الثّالِثة: صُوَرَة خاصّة مِن أرشيف سُليْمان منينة تُنشر لأوَّل مرَّة، ومناسبتها يوم حفل تخرجه مِن كليّة الاقتصاد والعلوم السّياسيّة بالجامعة الأمريكيّة فِي القاهرة فِي يونيو / تموز1970م، وتضم الصُّوَرَة ومِن اليمين: صَالح جودت، عبْدالسّيِّد الصابري، عبْدالسّلام حسين بسيكري، محَمّد السّنوُسي جبر، السيدة سها جودت حرم صَالح جودت، سُليْمان منينة.  

مصَادِر وَمَرَاجِع:

1) موقع ويكيبيديا، (الموسوعة الحرَّة) - سيرة حيَاة الشخصيّات المصريّة الثقافيّة والأدبيّة والفنيّة - شبكة النت الدّوليّة. 

2) الأستاذ هليل البيجُّو– الأديب الِلّيبيّ سُليْمان منينة يسرد رحلته مع (سيرة الطرب) الّتي جمعته بالشّاعر أحمَد رامي - صحيفة: (القدس العربي) العدد الصّادر بتاريخ 20 مارس/ آذار 2014م.

3) الأستاذ فاروق شوشة - مقالة: (متى ينصفون صَالح جودت؟) - صحيفة: (الأهرام)، العدد (46584)، الصّادر بتاريخ 22 يوليو / تموز 2014م. 

4) الأستاذ سُليْمان منينة - مقالة: (صَالح جودت) - صفحة سُليْمان منينة الخاصّة فِي الفيسبوك الموجودة تحت اسم (Suleiman Mneina).          

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com