555555555555555

ابوالعيد محمد سالم: الفساد في ليبيا ودور الاجهزة الرقابية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 528 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الفساد في ليبيا ودور الاجهزة الرقابية


قال تعال: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [سورة البقرة الاية 205] {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الاعراف الاية 56]

الفساد هو اساءة استغلال السلطة المؤتمنة من اجل المصلحة الشخصية، هذا هو تعريف الفساد كما جاء في منظمة الشفافية الدولية، التي تأسست في المانيا سنة 1993، اما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه: (استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص "الشخصي" غير المشروع“ ليس له أي اساس قانوني)، اما صندوق النقد الدولي فيعرف الفساد بأنه: (علاقة الايدي الطويلة المعتمدة التي تهدف الى الحصول على الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد او مجموعة ذات علاقة بالآخرين).

وقد حذر رئيس صندوق النقد الدولي السابق "جيم يونغ كيم" من ان الفساد على المستويين العام والخاص، هو محنة الدول النامية، وهو العدو رقم واحد لشعوبها، وقال جيم في هذا الخصوص (كل دولار يضعه شخص فاسد بقطاع الاعمال في جيبه هو دولار سرق من امرأة حامل تحتاج الى رعاية صحية). والقانون الجنائي الفرنسي يعرف الفساد بأنه (سوء السلوك الاجرامي من قبل الشخص “الفاسد" يقبل او يوافق على هدية او عرض او وعد او هبات او منافع من أي نوع من اجل انجاز او تأخير او اهمال القيام بفعل يدخل بشكل مباشر او غير مباشر كجزء من واجباته).

ونظرا لخطورة هذه الظاهرة - الفساد - على حياة الشعوب فان اغلب الدول حاولت ايجاد حلول - نظرية - لمكافحتها والحد منها، وذلك بإصدار مجموعة من التشريعات واللوائح بالخصوص، ولعل ليبيا من بين هذه الدول التي قامت بهذه التدابير، فقد انشا المشرع الليبي عدة هيئات مختصة بمكافحة الفساد اهمها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الادارية، هذا من الناحية النظرية، اما من الناحية العملية سنتعرف على ذلك من خلال تقارير هذه الاجهزة والهيئات، وأيضا تقرير منظمة الشفافية العالمية فيما يتعلق بليبيا عليه سنخصص مكافحة الفساد في الواقع النظري اولا، والنتائج العملية ثانيا.

 اولا: مكافحة الفساد في الواقع النظري:

من خلال متابعة الوضع الليبي يتبين ان الفساد فيها اصبح كبير جدا،  تجاوز الحد المتوقع والمتصور، رغم وجود مجموعة من الهيئات لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة اهمها:

أ) الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

تم اقتراح تشكيل هيئة لمكافحة الفساد تكون لها الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، وتتمتع بالاستقلال الاداري والمالي وتكون لها ميزانية خاصة ولقد صدر في هذا الشأن القانون رقم (11) لسنة 2014(1) بشان الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، المعدل للقانون رقم (63) لسنة 2012(2)، الذي حدد اهداف الهيئة واختصاصاتها واهم المسائل التي تخضع لهذا القانون، كما حدد القانون كيفية ادارة الهيئة، وكيفية القيام بعملها، وأخيرا نص القانون على عدم خضوع قضايا الفساد للتقادم. تهدف الهيئة وفقا لنص المادة (4) من القانون رقم (63) لسنة 2012، والتي نستغرب من المشرع الليبي حذفها في القانون رقم (11) لسنة 2014 الي:

1. الكشف عن مواطن الفساد بجميع انواعه وأشكاله بما في ذلك الفساد المالي والإداري.

2.  وضع سياسات فعالة للوقاية من الفساد ومكافحته وذلك بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة في الداخل والخارج.

3.  اتخاذ الاجراءات اللازمة للوقاية من الفساد واسترداد الاموال العائدة الناتجة عنه.

4.  المساهمة في وضع الاسماء المضافة الى قوائم الحراسة وفقا لأحكام القانون (36) لسنة 2012(3) وتعديله بالقانون رقم (47) لسنة 2012(4) بشان ادارة اموال وممتلكات بعض الاشخاص.

5.  التعاون مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والاستفادة من البرامج والمشاريع الدولية الرامية الى مكافحة الفساد.

6.  ارساء مبدأ النزاهة والشفافية في معاملات كافة القطاعات الحكومية والأهلية في الشؤون الاقتصادية والمالية والإدارية بما يكفل تحقيق الادارة الرشيدة لأموال الدولة والاستخدام الامثل لمواردها والسعي الى تفعيل كافة القوانين والقرارات الداعمة لها.

7.  تفعيل دور مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المشاركة الفاعلة والنشطة في محاربة الفساد ومكافحته وتوعية افراد المجتمع بمخاطر الفساد ووسائله وإرشادهم الى اساليب الوقاية منه.

8.تعزيز مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة.

هذه هي الاهداف التي تسعى الهيئة لتحقيقها ولكن هل تحقق ولو جزء منها؟؟!!.

ب) ديوان المحاسبة

اعيد تنظيم ديوان المحاسبة بموجب القانون رقم (19) لسنة 2013، والذي جاء في نص مادته الاولى على ان: (ديوان المحاسبة هيئة مستقلة تلحق بالسلطة التشريعية) ومن اهداف الديوان  كما  حددتها المادة (2) من القانون الى:

1. تحقيق رقابة فعالة على المال العام والتحقق من مدى ملائمة انظمة الرقابة الداخلية اليدوية والالكترونية وسلامة التصرفات المالية والقيود المحاسبية والتقارير المالية طبقا للتشريعات النافذة.

2. بيان اوجه النقص او القصور في القوانين واللوائح والأنظمة المعمول بها.

3. الكشف عن المخالفات المالية في الجهات الخاضعة لرقابة الديوان. 

4. تقييم اداء الجهات الخاضعة لرقابة الديوان والتحقق من استخدام الموارد بطريقة اقتصادية وبكفاءة وفعالية.

هل تحققت هذه الرقابة وهل تم ايضاح اوجه النقص والقصور الخ من الاهداف من قبل ديوان المحاسبة؟!!.

ج) هيئة الرقابة الادارية

اصدرت السلطة التشريعية القانون رقم (20) لسنة 2013 بإنشاء هيئة الرقابة الادارية، وقد جاء في المادة الاولى منه: (تنشا بموجب احكام هذا القانون هيئة تسمى هيئة الرقابة الادارية  تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة وتلحق بالسلطة التشريعية) ومن اهداف الهيئة كما حددتها المادة (24) من هذا القانون هي: (تحقيق رقابة ادارية فعالة على الاجهزة التنفيذية في الدولة ومتابعه اعمالها للتأكد من مدى تحقيقها لمسؤوليتها وأدائها لواجباتها في مجالات اختصاصاتها وتنفيذها للقوانين واللوائح، ومن ان العاملين بها يستهدفون في اداء اعمالهم خدمة المواطن كما تعمل الهيئة على الكشف عن الجرائم والمخالفات المتعلقة بأداء واجبات الوظيفة العامة وكرامتها، والتحقيق فيها واتخاذ الاجراءات اللازمة لمسائلة مرتكبيها. وفي سبيل تحقيق هذه الاغراض تباشر الهيئة الاختصاصات المنصوص عليها في هذا القانون بالنسبة الى الوزارات والمصالح ووحدات الادارة المحلية والسفارات والقنصليات الليبية بالخارج والهيئات والمؤسسات العامة والخاصة ذات النفع العام والشركات وأجهزة القطاع الخاص التي تباشر اعمالا لحساب الجهات السابقة وكذلك الجهات التي تساهم فيها الدولة او تشرف عليها).

هذه هي هيئات الرقابة الرئيسية بليبيا، واهم الاهداف التي تسعى الى تحقيقها من خلال ما كلفها به المشرع الليبي، لتحقيق راحة ابناء الدولة، والحفاظ على الاستقرار المالي للدولة،  وحصول المواطن البسيط على قوت يومه بأيسر الطرق، وان يؤدي الموظفين والعمال اعمالهم  وان يتقاضوا لقاء ذلك مرتباتهم  وأجورهم في الوقت المناسب دون تأخير. ولكن كل هذا من الناحية النظرية ماذا عن الجانب العملي في ذلك؟ وما هي النتائج التي تحصلنا  عليها في هذا الصدد.

• ثانيا: الواقع العملي:

عندما نتحدث عن الواقع العملي يجب ان نتناول اخر تقرير لديوان المحاسبة (أ)، وهيئة الرقابة الادارية (ب)، وأخيرا تقرير منظمة الشفافية العالمية (ج).

أ) ديوان المحاسبة

في اطار الدور الذي يحاول ان يقوم به ديوان المحاسبة لمكافحة الفساد الذي استشرى في كل القطاعات العامة والخاصة، تم انشاء مكتب المخالفات المالية بموجب قرار رئيس ديوان المحاسبة رقم (78) لسنة 2014، دوره البحث عن  الفساد والمخالفات المالية، التي ترتكب داخل الدولة، وحسب ما جاء في تقرير ديوان المحاسبة الاخير لسنة 2014، انه تم خلال سنة 2014 التصرف في عدد (79) ملف احيلت على جهات الاختصاص، وجاري استكمال ملفات اخرى عددها (40) ملف، وتركزت اهم موضوعات القضايا والمخالفات في الاتي: الفساد المالي،  وإهدار المال العام، واساءة استعمال السلطة، والتقصير في حفظ وصيانة المال العام، واستعمال الاموال في غير الاغراض المخصصة لها، والتزوير والتدليس للحصول على منافع غير مشروعة، وتقديم الرشوة للحصول على قروض او خدمات او عقود، والتلاعب في القروض والتسهيلات المصرفية، وفتح حسابات مصرفية بالمخالفة، والشراء عن طريق التكليف المباشر، والتهرب من رقابة الديوان المسبقة، ونقل الحسابات بالمخالفة، والتلاعب والتزوير في المعاشات الاساسية، والتعدي على الاموال العامة، وتزوير وثائق رسمية، وعدم موافاة الديوان بالمستندات التي يطلبها، وتحرير صكوك بدون رصيد،  والامتناع عن تمكين الديوان من الفحص، واستغلال الوظيفة لتحقيق نفع بشكل غير مشروع، واستعمال الايرادات في الصرف بالمخالفة، والسطو على المصارف،  واختلاس الاموال العامة. 

ب) هيئة الرقابة الادارية

بعد ديوان المحاسبة تأتي هيئة الرقابة الادارية، محاولة ايضا مكافحة الفساد، حيث جاء في اخر تقرير لها لسنة 2014، انه تم التحقيق ومباشرة الدعوى في عدد (696) قضية وقد شكلت اغلبها جرائم الاهمال والتقصير في حفظ وصيانة المال العام، والتزوير في وثائق رسمية، واستعمال الوثائق العرفية المزورة، واستخدام المال العام في غير الاغراض المخصصة له، واختلاس الاموال العامة والاستيلاء عليها، وإساءة استعمال سلطات الوظيفة العامة لنفع الغير او الاضرار به، والإهمال في اداء الوظيفة. 

ج) تقرير منظمة الشفافية العالمية

صدر مؤخرا كما يعلم البعض تقرير منظمة الشفافية العالمية، لسنة 2016(5)، عن السنة الماضية 2015، رغم ما رأينا في تقرير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الادارية، من محاولة منهم لنشر الشفافية ومكافحة الفساد، إلا انه من المؤسف ان نجد ليبيا في الترتيب السلبي السابع، من حيث الفساد العالمي، ولا اعرف ما هو دور جهات الرقابة فيما يحصل منه، هل ما ينشر من هذه الجهات من تقارير حقيقة من حيث التطبيق العملي ام انها مجرد ارقام، لكي يقال ان الرقابة فعالة وتعمل، رغم ان الارقام التي ذكرت لا تجعل ليبيا في هذه المرتبة، وأيضا لم نجد أي عمل او تقرير للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، او انه مجرد تشريع متضارب مع اخر كلف فقط لجان لإعداده، وقلم مسئول ليعتمده، وظل حبيس ادراج بعض الجهات، لان فلسفة صناعة القانون هو علاج المشكلة، والمشكلة في ليبيا ليست عدم وجود قانون،  ولكن في عدم تطبيقه، وان طبق لا يطبق إلا على البعض، والقانون لن يكون فعال إلا اذا كان الجميع تحته.

وأخيرا  كما جاء في تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2014 ان علاج أي مشكلة يتطلب بداية الاعتراف بوجودها، ثم تشخيصها تشخيصا سليما، ثم طرح سياسات وخطط للمعالجة، وفي هذا يمكن القول ان الداء والمشكلة معروفة، ولكن الدواء والمعالجة لم تكن في المستوى المطلوب من هذه الجهات، ولكي لا نضع كل اللوم عليها فقط، ايضا هناك جهات اخرى يجب ان تتكاثف جهودها، وان لا تتعارض في عملها مع بعضها، لمحاولة القضاء على كل الفساد، وفي ليبيا يجب البداية من الاعلى ومحاسبة المسئول قبل الموظف، وينطبق على هذه الجهات قول الاستاذ الصادق النيهوم في كتابه نوراس الشوق والغربة (كيف تتمرن على انقاذ الغرقى وتنسى كيف تتعلم السباحة)(6) لان من بين المفارقات التي دائما تثير استغرابي هو عندما يكلف شخص بوظيفة عمل عليا في الدولة، يعطى بدل سكن كأنه كان يسكن في الشارع، وبدل مركوب لدرجة تحس انه يذهب لقضاء حاجاته مع جاره.


جدول يبين مقارنة الفساد في ليبيا حسب ما جاء في تقرير منظمة الشفافية العالمية

(من سنة 2009 الى سنة 2015)

 


من خلال هذا الجدول التوضيحي الذي يبين  مكانة ليبيا، من حيث ترتيبها بين الدول في الفساد حسب ما جاءت به منظمة الشفافية الدولية(7)، حيث  يتبين زيادة الفساد في ليبيا منذ سنة 2009 الى غاية سنة 2015، وهذا ما اكده ايضا ديوان المحاسبة(8) وهيئة الرقابة الادارية بليبيا(9)، ونعزي زيادة الفساد في ليبيا الى عدة اسباب اهمها، الجانب السياسي المتمثل في عدم استقرار الدولة، والإداري، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي والأخلاقي وأخيرا الاسباب النفسية(10).

وأخيرا نأمل ان يكون ما كتب من ملاحظات على الجهات الرقابية قد جانبه الصواب، لكي لا تكون الاموال التي صرفت وتصرف  ضاعت وتضيع هباء منثورا، ونكون في موقع اخر للفساد ولكن هذه المرة بطريقة مشروعة. 

ابوالعيد محمد سالم

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق