http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

"رّد الهدية"... تحية إلى سعادة السفير

الوسط 0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

عالم الأنثروبولوجيا الشهير(إدوارد أيفانز برتشرد) الذي ألقى بسهمه الوافر في نظرية المجتمع الانقسامي(fragmented society) التي تضيء، إلى حدّ ما، الحالة العبثية المبعثرة التي تعصف راهنا ومنذ سنتين داميتين بالبلاد الليبية، هو من انخرط في خدمة الجيش البريطاني المنتدب على ليبيا بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد خدمة مشابهة كضابط في السودان وبلدان أخرى: مستشارا للحاكم البريطاني في شؤون القبائل الليبية.



هذا العالم الحُجّة في مجاله، ألّف عددا مهمّا من الدراسات العميقة النافذة في مضمار علم الإناسة(الأنثروبولوجيا) شملت"القبائل النيلية" في جنوب السودان: كــ"النوير، والزانادي، والشيلوك" أعقبها بكتاب لم يُلتفت إليه ليبياَ، كما هو منتظر من غالبية الليبيين الذين لايقرأون، وعربيا من قبل الباحثين العرب الذين لاتهمّهم ليبيا المهملة دائما من أذهانهم.

الكتاب أسمه(سنوسيو برقة) وصدر عن جامعة أكسفورد في عام 1949 حيث مازالت ليبيا تحت الانتداب البريطاني، وقد ترجمته للعربية دار الفرجاني الليبية العتيدة عام 1969 أي سنة انقلاب العسكر المشئوم الذي حجب ليبيا عن أنظار المعرفة وحجب بدوره هذا الكتاب الهّام الذي يعتبر مرجعا تاريخيا وسيوسيولوجيا هاما عن قبائل "برقة" المسمّى التاريخي للإقليم الشرقي من ليبيا الحديثة.

الحجب الذي حاق بالكتاب الثمين ربما هو ماجعله في منجاة من تشنيع(إدورد سعيد) في كتابه- المؤسس- في نقد الفكر الإمبريالي الذي عنونه بــ"الاستشراق".

الذي دعاني إلى كتابة هذه التوطئة عن عالم الأنثروبولوجيا الجليل،هو المقال الذي كتبه سعادة سفير بريطانيا في ليبيا(بيتر ميلت) هديّة تفاؤل وأمل إلى ليبيا وهي تدخل العام الجديد بأمل جديد يحفّه التوافق السياسي، وربما السلم الأهلي الليبي-الليبي الذي ربما سينقذ البلاد من المخاطر والنذر التي خبأتها،وربما مازالت تخبئها، الأجندات المحلية والإقليمية وربما الدولية المخرّبة.

الذي أدهشني ولفت انتباهي في هدية السفير، نظره للمسألة السياسية الليبية، التي انفقأت منذ سنتين دّملا انفجر في وجوه الليبين بل العالم عنفا قاتلا، وفظاظة، وبدائية مجتمعية بل عبثية قلّ في عالمنا الحديث نظيرها، مموضعا أمل الليبيين في الأمن والاستقرار والسلام في رواية للكاتب الإنجليزي العظيم(تشارلز ديكنز)"الآمال الكبرى" أو الكبيرة، وهي رواية تلحق عادة من قبل الدارسين ونقّاد الأدب بلون أو نمط(الرواية التكوينية) أو"البيداغوجية"، حيث يتتبع الكاتب قصة إنسان(طفل) في سعيه للنضج، من مرحلة الطفولة وحتى يبلغ أشدّه.

الدافع وراء إرسال بريطانيا عالما أنثروبولجيا مرموقا إلى شرق ليبيا ليس هو ما أوردته هواجس المؤامرة في الأدبيات القومجية العروبية

فالآمال الكبرى إذن رواية تتحدث عن قصة "بيب"، الطفل اليتيم، من طفولته المبكرة وحتى بلوغه ومحاولته لإدراك النبل والحصافة أثناء مسيرته تلك. وتجري أحداثها من عشية عيد الميلاد عام 1812م، عندما كان بطل القصة في السابعة من عمره، وحتى شتاء 1840م. ويمكن اعتبار الرواية قصة شبه ذاتية للكاتب ديكنز، على غرار الكثير من أعماله، يستقي فيها من خبرته في الحياة ومع الناس.

المغزى الذي رمى إليه السفير المثقّف، في مقاله الذي أهداه إلى الليبيين بمناسبة أعياد ميلاد السيّد المسيح، وحلول السنة الميلادية الجديدة التي ارتبطت في أذهان النخبة الليبية المثقّفة بذكرى ميلاد دولة استقلالهم المجيد الذي ساهمت بريطانيا الدولة الليبرالية المنتدبة على ليبيا بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية في إنجازه عام 1951، لايحتاج إلى تعليق كثير مني أنا الذي أنفقت وقد ذرفت على الستين من العمر جلّ حياتي درسا للأدب العالمي، واستمتاعا بقراءة عيونه وعلى القمّة منها روايات تشارلز ديكنز.

وأولّها "ديفيد كوبر فيلد"، وثانيها"قصة مدينتين" عن الثورة الفرنسية التي قرّرت علينا قراءتها باللغة الإنجليزية في المدرسة الثانوية أيام كانت هناك مدرسة في ليبيا، و"أوليفر تويست" الرواية العذبة الساحرة التي مازال مذاقها اللاذع في فمي... هذه الروايات الثلاث، كما يعلم سعادة السفير والقراء الذين أدمنوا الاستمتاع بأزاهير المخيّلة الروائية للكاتب الواقعي الساحر ديكنز، وبالذات قصة مدينتين، وأوليفر تويست اللتين تُدرجان في أدب الخيبة والشدة الذي تبعه الكاتب العظيم بروايات معتمة أخرى ك:"أوقات عصيبة، والمنزل الكئيب، وصديقنا المشترك إلخ".

"الآمال الكبرى" أو الكبيرة: الرواية الباعثة للأمل والتفاؤل والتي تعتبر استثناء في أدب ديكنز والتي لاأذكر، آسفا، أني قرأتها هي التي يضمّنها السيّد السفير(بيتر ميلت) في هدّيته لليبيين عظة، وتذكرة محفزّة لهم في هذه الأوقات العصيبة التي تمرّ بها بلادهم، أن لاييأسوا ويتشبثوا بالأمل في انبعاث بلادهم ليبيا الحرّة الديمقراطية المدنية التي انبعتث دائما إنبعاث"طائر الفنيق" الأسطوري الذي من رماده يولد.

عودا إلى التوطئة التي افتتحت بها مقالي عن عالم الأنثروبولوجيا الشهير(إدوارد إيفانز برتشرد)، أقول أن الدافع وراء إرسال بريطانيا عالما أنثروبولجيا مرموقا إلى شرق ليبيا ليس هو ما أوردته هواجس المؤامرة في الأدبيات القومجية العروبية، التي هيمنت على الليبيين ردحا من الزمن، بل هو دراسة واستكشاف السر النادر الذي ألهمت به الحركة الإصلاحية السنوسية فطرة بدو القبائل العربية الليبية الذين كانوا على هامش الجغرافيا أن يلعبوا دورا متقدّما في التاريخ فيما أبانه العلاّمة(ابن خلدون) في مقدمته الثمينة من"أن العرب لايحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم(إصلاح) من الدين على الجملة".

لقد لعبت بريطانيا دورا بناءً في تأسيس ليبيا الحديثة على الأسس الدستورية والديمقراطية التي تتلاءم مع ذهنيات الليبيين وظروفهم الاجتماعية والثقافية من عام 1951 وحتى عام 1969 عندما قفز ضباط الجيش الصغار على السلطة بقيادة ملازم أهوج مغمور نكّل بالليبيين وأخّرهم عن ركب التقدّم طوال أربعة عقود.

ليس هذا فحسب بل نكاله وعبثه شمل تلك العلاقة المطوّرة البناءة التي نسجت بين الشعبين الليبي والبريطاني التي تجلت في تقديم معونات، ليس أقلّها ماأورده السياسي والوزير الأول في حكومات دولة الاستقلال(عثمان الصيد) في"مذكراته" بشأن هدّية بريطانيا لدولة ليبيا وهي تشرع في 24 ديسمبر عام1951 في تأسيس دولتها المستقلّة، وأقصد الاتفاقية المالية الليبية البريطانية التي تتعهّد فيها بريطانيا بتقديم دعم مالي إلى الدولة الليبية(الفقيرة والمعدمة وقتذاك) في حدود 3.570.000 مليون جنيه استرليني(المحصّلة من دافع الضرائب: المواطن الإنجليزي) تخصّص منها 2 مليون وخمسة وسبعين ألفا لدعم الميزانية ومليونا للتنمية والتي قوبلت بما يشين الليبيين من طرف الدكتاتور البدائي وزمرته الغابرة بدعم كل ضروب القتل والإرهاب التي مسّت المواطن البريطاني في أمنه المعيشي، وهو مالانريد استدعاءه في هذه الأوقات التي يملأها التفاؤل والأمل.

لقد آن الآوان- وهو ماستؤسس له حكومة التوافق الوطني المرتقبة وماستساعد فيه بريطانيا- أن تقاد ليبيا من نخبتها المثقفة التي أدركت أنوار العهد الاستقلالي الوطني، وانفتحت على معارف الليبرالية الغربية/ الأوروبية وأذواقها وخلقياتها التحضرّية، التي تبنّتها، وروّجت لها الحكومات الرشيدة لدولة الاستقلال المرّشدة بحكمة الملك المتحضّر(إدريس الأوّل) والنخبة السياسية لدولته الرشيدة، وهوالذي كان شاغله وهمّه، رغم كل الهنات السياسية التي شابت عهده، مستقبل الليبيين وتطلّعات الغالبية منهم في الحياة المنفتحة الكريمة، والذين لم تلوّث عقولهم المعتقديات المنكفئة على الذات القومية الوهمية، وفيما بعد التقهقرات التزمتية الماضوية الإسلاموية التي غذّاها الدكتاتور الغابر بالجهل والعنف البدائي الفوضوي، والتي تلعب، منذ أربع سنوات وحتى اليوم مع القبائليات والجهويات الفاعلة في الجينات الليبية والمدججة بالأسلحة حتى أسنانها، دورا مدمّرا في ليبيا اليوم خرابا وقتلا عدميا عابثا.




شاهد الخبر في المصدر الوسط

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com