http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

هذا الكتاب3 : روائع إقبال

ليبيا المستقبل 0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب3 : روائع إقبال : لأبي الحسن لندوي3/8 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" هكذا تحدث شاعر الإسلام محمد إقبال  "



عرض : سعيد العريبي

إعتداده بنفسه :
والركن الثالث الذي أثر في تكوين شخصيته ، هو معرفة النفس والغوص في أعماقهــا ، والاعتداد بقيمتها ، والاحتفاظ بكرامتها . وقد عامل نفسه ، بما نصح به غيره ، في قصيدة يقول فيها : "  أنزل في أعماق قلبك ، وأدخل في قرارة شخصيتك ، حتى تكتشف سر الحياة ، ما عليك إذا لم تنصفني وتعرفني ، لكن أنصف نفسك يا هذا ! أعرفها ، وكن لها وفيا ، ما ظنك بعالم القلب ، هو كله حرارة ، وسكر ، وحنان ، وشــوق ، أما عالم الجسم فتجارة وزور واحتيـال . إن ثروة اللقب لا تفارق صاحبهـا ، أما  ثروة الجسم فظل زائل ونعيم راحل . إن عالم القلب لم أر فيه سلطة الإفرنج ولا اختلاف الطبقات ، لقد كدت أذوب حياء ، وتندى جبيني عرقا إذ قال لي حكيم : إذا خضعت لغيرك ، أصبحت لا تملك قلبك ولا جسمك ".

وقد كان إقبال كثير الاعتداد بمعرفة النفس ، ويرى أن العبد يسمو بها إلى درجة الملوك ، بل يعلوهم إذا كان جريئا مقداما . يقول في إحدى قصائده : " إن الإنسان إذا عرف نفسه بفضل الحب الصادق ، وتمسك بآداب هذه المعرفة انكشفت لهذا المملوك أسرار الملوك .. إن ذلك الفقير الذي هو أسد من أسود الله ، أفضل من أكبر ملوك العالم. إن الصراحة والجرأة من أخلاق الرجال ، وإن عباد الله الصادقين لا يعرفون أخلاق الثعالب ".

وقد جعلته هذه المعرفة النفسية ، لا يقبل رزقا إذا قيد حريته . يقول في نفس القصيدة : " يا صاح ! إن الموت أفضل من رزق يقص من قوادمي ، ويمنعني من حرية الطيران ".

وكان إقبال يعرف قيمته ويعرف مكانته – في غير صلف ولا غرور -  فيضن بحريته وكرامته، ويربأ ينفسه عن أن يكون عبدا لغيره . يقول في قصيدة أخرى : " لك الحمد يا رب إذ لست من سقط المتاع ، ولست من عبيد الملوك والسلاطين ، لقد رزقتني حكمة وفراسة ، ولكني أحمدك على أني لم أبعهما لملك من الملوك ".

ويقول مفتخرا : "إني من غير شك فقير جالس على قارعة الطريق ، ولكني غني النفس أبي".

ويقول كذلك : " إذا لم تعرف رازقك ، كنـت فقيرا إلى الملوك ، وإذا عرفته افتقـر إليك كبار الملـوك ، إن الاستغناء ملوكية ، وعبادة البطن قتل للروح ، وأنت مخير بينهما . إذا شئت اخترت القلب ، وإذا شئت اخترت البطن " .

ولا شك أن محمد إقبال اختار القلب .. لذلك كان  يثور إذا جرحت كرامته وامتحنت عفته ، قدم إليه رئيس وزارة في دولة ، في عيد ميلاد ه ، هدية محترمة من النقود ، فرفضها ، وقال : "إن كرامة الفقر ، تأبى علي أن أقبل صداقة الأغنياء".

وعرضت عليه الحكومة البريطانية وظيفة نائب الملك في إفريقيا الجنوبية ، وكانت تقاليد تلك الوظيفة أن تكون حرم نائب الملك سافرة ، تستقبل الضيوف في الولائم الرسمية ، وتكون مع زوجها في الحفلات . فأشير عليه بذلك ، فرفضها ، وقال : " ما دام هذا شرطا لقبول الوظيفة ، فلا أقبله لأنه إهانة لديني ومساومة على كرامتي ".

وقد كانت هذه المعرفة من أهم دعائم شخصيته ورسالته ، ومما انتفع بها الإسلام انتفاعا عظيما، وقد عصمت الشاعر من التيه الفكري والهيام الأدبي ، اللذين يصاب بهما أدباؤنا وشعراؤنا وكتابنا وعلماؤنا ، فينتجون كل كلأ ، ويهيمون في كل واد ، ويكتبون في كل موضوع، وافق عقيدتهم أم لا ، ويمدحون كل شخص ، ويظلون إلى آخر حياتهم لا يعرفون أنفسهم ولا يعلمون رسالتهم .
ومن توفيق الله تعالى ، ومن حسن حظ الإسلام والمسلمين في الهند ، أن عرف  الدكتور محمد إقبال ، نفسه من أول يوم ، وقدر مواهبه تقديرا صحيحا ، ثم ركز فكره وقوة شاعريته علىبعث الحياة والروح في المسلمين ، وإيجاد الثقة والاعتزاز بشخصيتهم والإيمان برسالتهم ،والطموح إلى القوة والحرية والسيادة .

هذه هي العوامل البارزة ، التي كونت شخصية محمد إقبال ، وهذه هي آثار تربية المدرسة الثانية التي تخرج فيها ، ولا شك أنها اقوي من آثار المدرسة الأولى ، التي ظفر منها بكميات من المعلومات وافرة .. فإن كانت المدرسة الأولى ، قد علمته كيف يستعمل هذه المعلومات، وكيف يخدم بها نفسه وأمته.. فقد منحته المدرسة الثانية العقيدة الراسخة، والإيمان القوي، والخلق المستقيم، والتفكير السليم، والرسالة الفاضلة.

آراؤه في الشباب وأنظمة التعليم الحديثة :
يرى محمد إقبال أن التعليم الحديث ، جنى على هذا الجيل ، جناية عظيمة إذ اعتنى بتربية عقلــه، وتثقيف لسانه ، ولم يعتن بتغذية قلبه ، وإشعال عاطفته وتقويم أخلاقه ، وتهذيب نفسه، فنشأ جيل غير متوازن القوى ، غير متناسب النشأة ، تضخم وكبر بعض نواحي إنسانيته وحياته، على حساب بعض ، وأصبحت المسافة بين ظاهره وباطنه ، وعقلــه وقلبه ، وعلمه وعقيدته ،مسافة شاسعة ، بل أصبح التفاوت بين عقله وجسمه كبيــرا ، فالأول ضخم كبير، والثاني ضعيف ناعم . يقول في ذلك : " إن الشباب المثقف فارغ الأكواب ، ظمآن الشفتين ، مصقول الوجه ، مظلم الروح ، مستنير العقل ، كليل البصر ، ضعيف اليقين ، كثير اليأس ، لم يشاهد في هذا العالم شيئا . هؤلاء الشبان أشباه الرجال ولا رجال . ينكرون نفوسهم ويؤمنون بغيرهم . يبني الأجانب في ترابهم كنائس وأديارا ، شباب ناعم ، رخو رقيــق كالحرير ، يموت الأمل مبكرا في صدورهم ، ولا يستطيعون أن يفكروا فــي الحريـة ".

ويرى أن السبب في جبن هذا الجيل وضعفه الخلقي هو الوضع التعليمي الحاضر ، الذي أهمل الجانب الخلقي ، فنشأ الشباب نشأة متحللة ، انظر إليه وهو يقول : " لا أستغرب أيها الشباب المتعلم ، إنك حيي جبان ، فإن قلبك بارد لا لوعة فيه ولا حرارة ، ونظرك غير عفيف ، إن الشباب المثقف الذي استنارت عينه بنور الإفرنج قد يكون لبقا في الحديث متشدقا في الكلام ، ولكن عينه لا تعرف الدموع ، وقلبه لا يعرف الخشوع ".

ويرى إقبال إن المدرسة هي المسئولة عن هذا المسخ الخلقي ، وهي التي نزلت بالشباب المسلم من مقامه الرفيع إلى المحمل الوضيع ، يقول في ذلك : " أشكو إليك يا رب ! من ولاة التعليم الحديث ، إنهم يربون فراخ الصقور تربية بغاث الطيور ، وأشبال الأسود تربية الخرفان".

ومن أكبر أسباب هذا الضعف في اعتقاده ،  الذل والتقدير الزائد للمادة ، والنظر إلى الوظيفة والمرتب كغاية للتعليم ، يقول في ذلك : " إن ذلك العلم سم ناقع للأفراد الذين ليست لهم غاية ، إلا حفنتان من شعير".. يعني الراتب الذي يتقاضاه الموظف.

ويرى أن نظام التعليم العصري ، يبعث في الشباب المسلم ، تقليد الإفرنج وحب الزينة ، وحياة الترف ، يقول في ذلك : " أيها الشباب المسلم .. إني أكاد أبكي دما ، وأنا أراك في هذا الترف والبذخ ، لا خير فيك ولو أصبحت ملك الدنيا ، ما دمت متجردا من قوة علي واستغناء سلمان ".

ومن مآخذه على نظام التعليم العصري ، والمدرسة الحديثة التي تمثله وتؤدي ، رسالته أنها مصابة بالتقليد والجمود ، ومجردة من الابتكار والاجتهاد : " إن العالم أسير التقاليد ، والأوضاع، وإن المدرسة منحصرة في نطاق ضيق ، يا للأسف ! إن الرجال الذين كانوا يستطيعون أن يكونا أئمة زمانهم ، أصبحت عقولهم بالية ،وفقدت كل نشاط وجدة ، فاقتنعوا بتقليد عصرهم".

لا يرى الدكتور إقبال أن هذا الجيل حي قائم بنفسه ، ويفكر بعقله ، إنه يعتقد أنه ظل لأوروبا ، وأن حياته عارية من الغرب : " يتراءى لك أن الشباب المتعلم حي يرزق ولكنه في الحقيقة ميت، استعار حياته من الغرب ".

ويخاطب الشاب المتفرنج فيقول : " لا نأمل منك أن تطرد المستعمرين ، لأنك بناء قد بنوه . جسمك في نظري فارغ من معرفة النفس ، فأنت غمد محلى بغير سيف ، وجود الله غير ذابت في نظرك ، ووجودك غير ذابت في نظري".

اكتوى محمد إقبال بنار نظام التعليم الغربي ، وخاض في دراسته ، فابدي حقيقته في أسلوب جاد عميق ، مؤسس على التجارب الشخصية ، يقول : " إياك وأن تكون آمنا من العلم الذي تدرسه ، فإنه يستطيع أن يقتل روح أمة كاملة ".

ويرى أن نظام التعليم الغربي ، مؤامرة على الدين والخلق : " إن نظام التعليم الغربي ، إنما هو مؤامرة على الدين والخلق والمروءة ".

ويقول إقبال إنه من أولئك لرجال المعدودين ، الذين خاضوا بحر نظام التعليم الغربي ، وخرجوا منه ساليمن ، وازدادوا إيمانا بخلود الإسلام ، وازدادوا ثقة بأنفسهم : " كسرت طلسم العصر الحاضر ، وأبطلت مكره ، والتقطت الحبة من شبكة الصياد ، يشهد الله أني كنت في ذلك مقلدا لإبراهيم ، فقد خضت في هذه النار واثقا بنفسي ، وخرجت منها سليما محتفظا بشخصيتي".

وأخيرا يتمنى محمد إقبال للإسلام جيلا جديدا : " شبابه طاهر نقي وضربه موجع قوي ، إذا كانت الحرب فهو في صولته كأسد الشرى ، وإن كان الصلح فهو في وداعته كغزال الحمى ، يجمع بين حلاوة العسل ومرارة الحنظل . هذا مع الأعداء وذاك مع الأولياء.
إذا تكلم كان رقيقا رفيقا ، وإذا جد في الطلب كان شديدا حفيا . وكان في حالتي الحرب والصلح عفيفا نزيها . آماله قليلة ، ومقاصده جليلة ، غني القلب في الفقر ، فقير الجسم والبيت في الغنى. غيور في العسر، رؤوف كريم عند اليسر . يظمأ إن أبدي له الماء منة ، ويموت جوعا إن رأى في الرزق ذلة.
إذا كان بين الأصدقاء كان في النعومة كالحرير ، وإن كان بين الأعداء كان صلبا كالحديد . كان طلا وندى ، تتفتح به الأزهار وترف به الأشجار ، وكان طوفانا تصطرع  به الأمواج وترتعد له البحار . إذا عارض في سيره صخورا وجبالا ، كان شلالا ، وإن مر في طريقه بحدائق ، كان ماءا سلسلا.
يجمع بين جلال إيمان الصدَيق وقوة علي ، وفقر أبي ذر ، وصدق سلمان ، يقينه بين أوهام العصر  كالمصباح ظلمات الصحراء ، يعرف في محيطه بحكمته وفراسته ، وبآذان السحر .
الشهادة في سبيل الله أحب إليه من الحكومات والغنائم.. يقتنص النجوم ويصطاد الأسود ، ويباري الملائكة ، ويتحدى الكفر والباطل أينما كان . يرفع قيمته ويزيد في سعره ، حتى لا يستطيع أن يشتريه غير ربه .. شغلته مآربه الجليلة ، وحياة الجد والجهاد عن زينة الجسم والتأنق في اللباس . وشعر بإنسانيته ، فترفع عن تقليد الطاووس في لونه، والعندليب في حسن صوته".

ويذكر تمرده على العلوم الغربية ، وتفلته من شباكها ، واحتفاظه بعقيدته ، وإيمانه وخصائصه، فيقول بحق وجدارة : "  كنت كطائر يقع على شبكة ، فيقرض منها الحبال ، ويأخذ الحب ، ويطير بسلام".

وكان قد ظفر بلب العلوم الغربية ولبابها ، ورمى بقشورها ،وخرج من حبائلها سالما .. يقول في افتخار واعتزاز : " يعلم الله  ! أني رحلت في أعماق هذه العلوم واكتويت بنارها ، من غير أن أرزأ في عقيدتي ، وخلقي وصلتي بالله . وقد جلست في نارها بشجاعة ، وخرجت منها بسلامة، كما كان شأن إبراهيم - عليه السلام -  مع نار نمرود".

 

ـــــــــــــــــــــــ

 

تطالعون في الجزء القادم :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آراءه في الشعر والأدب /  آراءه في الفلسفة /  الإنسان الكامل في نظر محمد إقبال /
المسلم هو الإنسان  الكامل /  المسلم المثالي /  المسلم حي خالد / خلق المسلم .

 

هامش :
ـــــــــــــــــــــ
ــــ   سعيد العريبي /   al_oribi@yahoo.com

*   عرض مختصر  لكتاب : (  روائع إقبال  )  تأليف : أبو الحسن الندوي، الطبعة الثانية ، صدرت سنة :  1968 ،  بمناسبة  الذكرى السبعين لوفاته.




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com