555555555555555

اليوم أشرب نخب المجنونة

بوابة افريقيا 0 تعليق 59 ارسل لصديق نسخة للطباعة

اليوم الثلاثاء الموافق 8/3/2016 والذي يصادف مرور عشرة سنوات على زواجي الثاني في قريتي "سمنو" ، أكتب لأقول أنني ما كنتُ احسب أن يأتي يوم وأتزوج فيه امرأة ثانية وأضم داخل سور بيتي امرأتين كما ستعرفون لاحقاً في نهاية هذه المادة.

كنت فقط أشعر أن لي ميلاً في ذلك . فأنا بطبعي أحب دائماً أن اقتني من كل شيء اثنين ، لكن لم أتصور أن يصل هذا الأمر بي إلى حد امتلاك امرأتين . حتى في مدرسة سبها الثانوية يوم تعدينا الصف الأول ثانوي وكان لزاماً علينا تحديد مسارنا إما أن يكون علمياً أو أدبياً أذكر يومها أنني دخلت على مدير المدرسة الاستاذ (حسن بشير) وطلبتُ منه لو يسمح لي أن أشترك في العلمي والأدبي معاً ، لكنه رفض ، وحين حاولتُ أن أشرح وأفصح له عن هذه الثنائية الكامنة في داخلي والتي تلازمني منذ الولادة وتُلزمني بضرورة امتلاك اثنين من كل صنف طردني من مكتبه ، فخرجتُ منه إلى الفصول العلمية في الطابق الثاني كما يفعل أكثر الطلبة وكان جزء مني ينازعني ويقول إذا كان لابد من مفاضلة بين العلمي والأدبي فالأدبي خير لك ، لكنني تجاهلتُ ذلك الصوت الداخلي وذهبت إلى العلمي.

بعد الثانوية خمد هذا الصوت ردحاً من الزمن قبل يعاود الظهور مُصعداً نبرته أكثر في مرحلة ما من الجامعة ويقنعني بفكرة الانتساب إلى قسم التاريخ لكن زملائي ربما كانوا أكثر إقناعاً حين طالبوني بإتمام دراستي وعدم مضيعة الوقت ، وفي 1987 تحصلتُ على شهادة البكالوريوس في الكيمياء ونسيتً بعدها قصة الميل الأدبي الذي يسكنني وانشغلتُ عنه.

يومها ما كنتُ اعلم أن هذا الصوت الجواني الذي ماانفك يعاود بين زمن وآخر سوف تتعدد نغماته مع العمر وسوف يقوى نداءه من داخلي مع الزمن وسوف يجبرني في لحظة فارقة من عمري على زواج امرأة أخرى ويبرر ذلك بأن الله قد أجاز أربعة وليس فقط اثنين ، ولأكتشف فيما بعد أن مصدر الصوت في داخلي هو واحد ، وأن الذي زيّن لي دراسة العلمي والأدبي معاً في وقت واحد هو ذاته الذي زيّن لي امتلاك زوجتين معاً في وقت واحد.

            في 2005 عاود الصوت من جديد بشكل مختلف حين بدا لي أنه أكثر نضجاً مما سبق ، فاشتريتُ له من مكتبة الرواد بـ طرابلس ثلاثة كتب للصادق النيهوم ثم استعرتُ من أخي "محمد" جزء من ثنائية "المجوس" للكوني وبعدها عثرتُ على كتاب لـ"بسكال" ثم "رسائل لـ نهرو" و "زيارة جديدة للتاريخ" لـ "حسنين هيكل" وكتاب عن "الحجاج بن يوسف" ، ثم قادتني الظروف في رحلة سريعة للقاهرة ودمشق وبيروت فاشتريت من مكتبة "مدبولي" الواقعة في وسط القاهرة " 3 أو 4 كتب أذكر منه "عمارة يعقوبيان" لـ "علاء الإسواني" ، وسألت موظف المكتبة عن الروائي المصري "صنع الله ابراهيم" وذهبتُ لزيارته في شقته بـ مصر الجديدة لا لشيء إلا لأسمع منه عن هذا الصوت الذي كلما ركلتُه بقدمي وطردته من داخلي عاد بعدها أقوى من قبل ، ومن دمشق وبيروت اشتريت مجموعة كتب أذكر منها "شفرة دافنشي" لـ "دان براون" و "الجريمة والعقاب" لـ "دستوفسكي" وصرتُ بعدها اقرأ كل ما تقع عليه يدي.

وفي شهر مارس من العام التالي وتحديداً يوم 8/3/2006 خربشتُ بما يُشبه القصة تحكي عن جدتي "اللالة" (والدة أبي) التي صارت تزور مقبرة القرية لعلها تصادف غولة ولدها الأصغر "خليفة" ..! كانوا أعمامي والجيران الذين عاصروها ينهونها عن هذه البدعة ويدعون لها بالهداية وينصحونها بالكف ونسيان ولدها فالأموات لا يعودون لكنها ظلت لسنتين تزور المقبرة.

بعد أشهر من ذلك التاريخ الذي خربشتُ فيه كلام عن جدتي اللالة وولدها الأصغر خليفة جلستُ مع زوجتي جلسة مطولة لأطلعها على الحقيقة المُرّة وأخبرها أنني تزوجتُ امرأة أخرى ، وحين عرفت أنني تزوجتُ عليها سيدة اسمها "الكتابة" قالت لي ليتك يا ابراهيم تزوجت من شارعنا انسانة عاقلة كـ بنت جارنا من اليمين أو خديجة التي في آخر الشارع  أو سالمة التي في البيت المقابل لها . كانت رفيقتي الرائعة تعلم شيئين مهمين ، الأول أن الكتابة اليوم لا تسمن ولا تُغني من جوع ، والثاني أن الكتابة كائن غير عاقل ولو تَلَبَسَ زوجها فهذا يعني أن على زوجها السلام ، لكنها مع ذلك وجدتها خلفي تقرأ نصوصي الركيكة ، وكنتُ اقول لها أرمي في السلة وكانت تقرأ وترص ركاكتي في ملف خاص.

وفي هذا اليوم الثلاثاء الذي يوافق 8/3/2016 كنتُ أنوي أن أحتفل بالذكرى العاشرة لزواجي الثاني وأشرب نخبه في "جربة" التونسية برفقة صديقي "عمر" . فأنا أحب جربة حين حملتُ كتبي وأقلامي وغادرتُ بيتي في الجنوب ، لكن ذلك لم يحدث فـ عمر الذي ظهرت له من العدم مناسبة اجتماعية في سبها عاد على عجل إلى سبها ، وأنا حُرمت من جربة حين أغلقوا الحدود في وجهي بعد أحداث بن قردان ، فملت بسيارتي عن الحدود وها أنا ذا أشرب نخب هذه المجنونة لوحدي في البرد واكتب مثل هذا الكلام على كرسي الشط في طرابلس.

القاص و أديب ليبي 

 

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




0 تعليق