http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

هذا الكتاب4 : روائع إقبال

ليبيا المستقبل 0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب4 : روائع إقبال : لأبي الحسن لندوي4/8 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" هكذا تحدث شاعر الإسلام محمد إقبال  "



عرض : سعيد العريبي

آراؤه في الشعر والأدب :
لـشاعرنا محمد إقبال آراء حصيفة في العلوم والآداب والشعر ، هي عصارة تفكيره وتجاربه . منها أن الأدب قوة عظيمة.. وموهبة كبيرة من مواهب الله ، يحدث به صاحبه انقلابا في المجتمع، ثورة فكرية ، يضرب به الأوضاع الفاسدة الضربة القاضية ، يشعل به القلوب حماسة وغضبا ، ويشعل نارا وثورة ، يملأ النفوس قلقا واضطرابا ، وتذمرا من الشر ، وتطلعا إلى الخير ، فلا بد أن يكون في قلم الأديب والشاعر ، التأثير الذي كان في عصا موسى ، وأن يؤدي رسالته في العالم ، وكل أدب استغل لجمع ، أو لإرضاء الأغنياء والأثرياء أو إثارة الشهوات ، أو أداة للهو والتسلية ، أو حتى للتذوق بالجمال والتغني به ، فهو أدب ضائع مظلوم ، استعمل لغير ما خلق له، ولغير ما وهب له ، يقول في ذلك : " أنا لا أعارض التذوق بالجمال والشعور به ، فذلك أمر طبيعي ، ولكن أي فائدة للمجتمع  من علم لم يكن تأثيره في المجتمع ، كتأثير عصا موسى في الحجر والبحر".

ويعتقد محمد إقبال أن الأدب لا يصل إلى حد الإعجاز حتى يستمد حياته وقوته من أعماق القلب الحي ، ويسقى بدمه . ويصف مهمة الأدب والشعر ورسالتهما فيقول : " يا أهل الذوق والنظر العميق ، أنعم وأكرم بنظركم ، ولكن أي قيمة للنظر الذي لا يدرك الحقيقة .. ؟ لا خير في نشيد شاعر ، ولا صوت مغن ، إذا لم يفيضا على المجتمع الحياة والحماس . لا بارك الله في نسيم السحر إذا لم تستفد منه الحديقة إلا الفتور والخمول والذويّ والذبول".

يقول محمد إقبال هذا ، ويرى بالعكس أن الأدب الإسلامي المعاصر ، قد أصبح تتحكم فيه المرأة ، فأصبح لا يتحدث إلا عنها ، ولا يتغنى إلا بها ، ولا يبحث إلا فيها ، ولا يصور إلا إياها ، ولا يرى في الكون إلا ظلها وجمالها ، وهذه عقيدة جديدة في ( وحدة الوجود )  التي يمكن أن تسمى بـ  ( الوجودية الأدبية ) . وكأن الأدب العصري ينادي بلسان حاله ( لا موجود إلا المرأة ) أو ( لا موجود إلا الفتاة ) : " أسفا للشعراء والرسامين وكتاب القصة في بلادنا ، لقد استولت على أعصابهم المرأة ".

ولا شك أنه تصوير صادق للاتجاه الأدبي العام في العالم الإسلامي كله ، واندفاع الأدب المتهور وراء المرأة ، وهيامه بها ، وإعراضه عما سواها.

آراؤه في الفلسفة :
وللدكتور محمد إقبال رأيه الخاص في الفلسفة وعلوم الحكمة . فهو يرى أن الفلسفة لا تعيش إلا بالجهاد والتضحية ، وأن الفلسفة التي تقتصر على الدراسات والبحوث العلمية ، وتتلهى بالمناقشات اللفظية ، ولا تتعرض للمجتمع ، وتعيش في العزلة عن العالم ، إنما هي فلسفة منهارة لا تستطيع أن تعيش : " إن الفلسفة التي لم تكتب بدم القلب ، فلسفة ميتة أو محتضرة ".
وقد انتهت به دراسته للفلسفة ، وتوفره على مطالعتها ونقدها ، والتفكير الطويل العميق ، إلى إخفاق الفلسفة في حل مشكلات الحياة ، وأنها صدفة لامعة خالية من اللؤلؤ ، وهي بمعزل عن الحياة والكفاح ، لا تساعد البشر ولا تمنحهم دستورا للحياة ، وأن الدين هو الذي ينظم المجتمع  وينير الطريق ، ويقدم دستورا للحياة ،وأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ، هو المصدر الوحيد الذي يستفاد منه هذا العلم .
كان لشاعرنا محمد إقبال صديق من الهاشميين ، أثرت فيه الفلسفة تأثيرا كبيرا ، وتزلزلت عقيدته الإسلامية ، فكتب إليه يقول : " أنا رجل كما تعرف ، أنتهي في أصلي إلى سومنات -  معهد وثني معروف في الهند -  وكان أبي من عباد اللات ومنات ، وأن أسرتي عريقة في البرهمية ، وفي عروقك يجري  دم الهاشميين ، وتنتمي إلى سيد الأولين والآخرين ، وقد امتزجت الفلسفة بلحمي ودمي ، وجرت مني مجري الروح . أنا وإن كنت لا أحسن شيئا ، فلا شك أني نزلت في أعماق هذه الفلسفة ، وتغلغلت في أحشائها ، وها أنــا أقول : إن الحكمة الفلسفية ليست إلا حجابا للحقيقة ، وأنها  لا تزيد صاحبها إلا بعدا عن صميم الحياة ، وأن بحوثها وتدقيقاتها تقضي على روح العمل .. هذا ( هيجل ) الذي تبالغ في تقديره ، إن صدفته خالية من اللؤلؤ ، وإن نظامه ليس إلا وهما من الأوهام.. لقد انطفأت شعلة القلب في حياتك أيها السيد ! وفقدت شخصيتك ، فأصبحت أسيرا ( لبرجسان ).

إن البشرية تريد أن تعلم : كيف تتقن حياتها ، وكيف تخلد شخصيتها ، إن بني آدم يطلبون الثبات ويطلبون دستورا للحياة ، ولكن الفلسفة لا تساعدهم في ذلك . بل العكس من ذلك .
إن المؤمن إذا نادى الآفاق بآذانــه ، أشرق العالم واستيقظ الكــون . إن الدين هو الذي ينظم الحيــاة ، وأنه لا يكتسب إلا من إبراهيم ومحمد عليهما السلام ، فعليك أيها السيد ! بتعاليم جدك صلى الله عليه وسلم . إلى متى يا ابن علي ابن أبي طالب !  تقلد علي ( ابن سينا ) .. إذا لم تكن بصيرا بالطريق فالقائد القرشي  -  صلى الله عليه وسلم - خير لك من القائد البخاري".. يعني ابن سينا.

وبالإجمال إن الدكتور محمد إقبال يرى ، أن نظام التعليم الحديث قد أخفق في أداء رسالته وأخفق في انتاج جيل جديد يحسن الانتفاع بمعلوماته ، ويحسن استعمال مادته العلمية ، وثروته الثقافية ويضع كل شيء في محله ، ويعيش حياة سعيدة مطمئنة . والعكس من ذلك ، وجد جيل مثقف ثقافة عالية ، يعرف عن مجاهل إفريقية والقطب الشمالي ، وعن حياة الحيوان والنبات شيئا كثيرا ، ولا يعرف عن نفسه إلا قليلا ، ويسخر البخار والكهرباء ، ويسخر الطاقة الذرية ، ولا يملك نفسه وقوته . ويطير في الهواء كالطير ويسبح في البحار كالسمك ، ولا يحسن أن يمشي على الأرض ، وما ذاك إلا لأن التعليم قــد اختــل ميزانه ، وفسد مزاجه ، وكيف يستقيم الظل والعــود أعــوج .. ؟
في ذلك يقول إقبال : " من الغريب أن من اقتنص أشعة الشمس ، لم يعرف كيف ينير ليله وكيف يصبح . إن من بحث عن مسالك النجوم وطرقها ، لم يستطع أن يسافر في بيداء أفكاره ، ومن عكف على الألغاز يحلها ويشرحها لم يستطع أن يميز النفع من الضرر".

الإنسان الكامل في نظر محمد إقبال :
يقول جلال الدين الرومي في إحدى قصائده : " رأيت البارحة شيخا يدور حول المدينة،  وقد حمل مشعلا ، كأنه يبحث عن شيء .. فقلت له يا سيدي ! تبحث عن ماذا..؟ قال : قد مللت معاشرة السباع والدواب ، وضقت بها ذرعا ، فخرجت أبحث عن إنسان في هذا العالم ، لقد ضاق صدري من هؤلاء الكسالى والأقزام ، الذين أجدهم حولي ، فخرجت أبحث عن عملاق من الرجال وبطل من الأبطال ، يملأ عيني برجولته ، وشخصيته ، ويروح نفسي .. قلت له : لقد غرتك نفسك يا هذا!!!  فخرجت تقتنص العنقاء، بالله !!!  لا تتعب نفسك ، وارجع أدراجك ، فقد أجهدت نفسي ، وأضنيت ركابي ، ونقبت في البلاد ، فلم أر لهذا الكائن عينا ولا أثرا.. قال الشيخ: إليك عني ، أيها الرجل  ! فأحب شيء إلى نفسي ، أعزه وجودا وأبعده منالا".

بهذه المقطوعة الشعرية افتتح الدكتور محمد إقبال كتابه الخالد ( أسرار خودي ) ولا أظن أنه اختار هذه المقطوعة ، وحلى بها صدر كتابه ، إلا لأنها تصور نفسيته ، وتعبر شعوره ، فقد كان بحكم دراسته الفلسفية من كبار الرواد والباحثين عن الإنسان الكامل ، فهل وجد محمد إقبال ضالته، يا ترى .. ؟ وظفر بمطلوبة أم قطع منه الرجاء ..؟

المسلم هو الإنسان الكامل :
وجد محمد إقبال الإنسان المنشود ، وعرفه واتصل به ، فوجد فيه من معاني الإنسانية والقوة والحياة والجمال والكمال ، وتغني في شعره بإنسانيته وشخصيته ، وهام به هياما .. فأين وجده وكيف السبيل إلى هذا الإنسان الرفيع .. ؟ إن الإنسان الكامل ، الذي وجده شاعرنا الكبير ، هــو ( المسلم ) لا أقل ولا أكثر.
إن هذا الجواب يعد مفاجأة حقا ، للذين يحملون للمسلم صورة قاتمة هزيلة لا تتفق أبدا ، مع هذا التصوير الرائع، الذي قدمه الشاعر للإنسان الكامل ، والذي يرى من خلاله أن المسلم هو الضالة المنشودة والصورة الكاملة للإنسانية.

المسلم المثالي :
المسلم في نظره يمتاز بين أهل الشك والظن ، بإيمانه ويقينه ، وبين أهل الجبن والخوف ، بشجاعته وقوته الروحية ، وبين عباد الرجال والأموال والأصنام والملوك ، بتوحيده الخالص ، وبين عباد الأوطان والأوان والشعوب ، بآفاقه وإنسانيته ، وبين عباد الشهوات والأهواء والمنافع بتجرده من الشهوات ، تمرده على موازين المجتمع الزائفة ، وقيم الأشياء الحقيرة ، وبين أهل الأثرة والأنانية ، بزهده وإيثاره وكبر نفسه ، ويعيش برسالته ولرسالته.. ذلك هو المسلم الحق الذي مهما اختلفت الأوضاع وتطورت الحياة لا يزال الحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتحول ، أما ما عداه فزبد يذهب جفاءً.. ذلك هو المسلم .. شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، أما ما عداه فشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
يقول في ذلك : " إنك أيها المسلم في العالم وحدك ، وما عداك سراب خادع ودهم زائف ".. ويقول أيضا : "إن إيمان المسلم هو نقطة دائرة الحق ، وكل ما عداه في العالم المادي ، وهم وطلسم ومجاز".

المسلم حي خالد :
يعتقد محمد إقبال أن المسلم حي خالد ، لأنه يحمل رسالة خالدة ، ويحتضن أمانة خالدة، ويعيش لغاية خالدة ، يقول في ذلك : " لا يمكن أن ينقرض المسلم من العالم ، لأن وجوده رمز لرسالات الأنبياء ، وأن آذانه إعلان للحقيقة التي جاء بها  إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام".. ويقول كذلك : " المسلم رسالة الله الأخيرة ، فلا يعتريها النسخ والتبديل ".
ولا يعني محمد إقبال ، أن كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية ، حي خالد ، يفلت من الموت ، ويتمرد على القانون الطبيعي ، كيف وقد قال الله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ).. وقال أيضا  : ( أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) .
ولكن محمد إقبال يرى ، أن المسلم موج ، من أمواج بحر الإسلام الخضم ، يأتي موج ويذهب مــوج ، وتترامى الأمواج في أحضان البحر ، وتتلاشى في وجوده ، والبحر لا يتغير ، فالبحر امتداد دائم ، وتسلسل قائم لأجزاء متغيرة ، كبحر الحياة وبحر الوجود ، تتبدل أمواجه – وهي أفراد البشر- ولا يتبدل كيانه.

خلق المسلم :
ويتقدم محمد إقبال خطوة أخرى ، فيعتقد أن المسلم هو غاية هذا الكون ، وخلق العالم له ، وخلق هو لله تعالى.. وهو خليفة الله في أرضه ، خلق لأجله العالم ، وعلمه الأسماء ، وحكمه في الأرض، وأورثه  خيراتها وخزائنها ، وألقى إليه بمقاليدها .. ومن هنا يجب عليه أن يعتقد ويقتنع بأن العالم خلق له ، ويجتهد لتطبيق هذه العقيدة ، وتحقيق هذه الفكرة : " العالم تراث للمؤمن المجاهد ، لا يشاركه فيه أحد ، ولا يعد مؤمنا كاملا ، من لا يعتقد أن العالم خلق له".

ــــــــــــــــ

تطالعون في الجزء القادم :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقام المسلم مقام الإمامة والتوجيه  ــ  المسلم رائد الانقلاب ورسول الحياة ــ  قوة المؤمن
مستمدة من رسالته ــ  المسلم لا ينحصر في الأوطان والشعوب ــ  المسلم متخلق بأخــلاق
الله ــ  المسلم كالشمس لا تغرب مطلقا.

هامش :
ـــــــــــــــــــــ
ــــ   سعيد العريبي /   al_oribi@yahoo.com

*   عرض مختصر  لكتاب :  " روائع إقبال "  تأليف : أبو الحسن الندوي، الطبعة
     الثانية ، صدرت سنة :  1968 ،  بمناسبة  الذكرى السبعين لوفاته.




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com