باسم المرعبي



07qpt869.jpg

حين صدرت الترجمة العربية لمذكرات الشاعر بابلو نيرودا «أعترف بأنني قد عشت»، عبّروقتها، الشاعر الجواهري في جلسة حوارية مع عدد من الأدباء العراقيين، نُشرت(إن لم تخذلني الذاكرة)، في «ملحق الجمهورية»عام 1975، عبّر بأسىً عن «مأزق» الانطلاق بمذكراته من مدينة كالنجف، قائلاً، بحدّته المعهودة: .. وأنا من أين أبدأ مذكراتي، من قبور النجف؟
طبعاً لم يكن سؤاله استفهامياً بل استنكارياً، وهو في ذلك يُقايس بين البيئة التي شهدت حياة نيرودا، خصوصاً أن الأخير استهلّ مذكراته بأجواء مندّاة بالغابة التشيلية والقمم المغطاة بالثلوج والبحيرات الكبيرة وأريج الغار البرّي وأسراب العصافير. وبيئة كالنجف تتصف بطبيعتها الصحراوية،إضافة إلى خصوصية وضعها الاجتماعي الملتبس بالديني، لا سيما والزمن هو بدايات القرن العشرين وما يمثله وضع كهذا لشاعر جامح كالجواهري. وحيرة الجواهري المتمثلة بجملته الآنفة تشفّ عن مأزقين لا مأزق واحد، هما مأزق الكتابة ذاتها (أملى فيما بعد سيرته الضخمة «مذكراتي» شفاهاً)! ومأزق البيئة التي ضاق بها (النجف) فخرج عليها ومنها شاباً.
لكن الأمر مختلف مع الكاتب زهير الجزائري، إذ لا شكوى ولا تذمر من «نجفِه» ولا من الكتابة، بل الأمر يكون لديه معكوساً، فخصيصته كسارد بارع أحالت أقسى المشاهد تجهماً لديه إلى سطور من التأمل والبحث، مستثمراً أو مفعّلاً امتيازين له كروائي وصحافي، وهو ما لا يمكن الفصل بينهما في مجمل آثاره الكتابية، خصوصاً ما يتصل منها بالسيرة والتوثيق بشكل مباشر. لقد بدت نجف «الجزائري» مغايرة لصورتها الشائعة ـ وإن لم تكن مُخترَعة ـ بانعكاسها عبر عين الكاتب وخبرته التي تلتقط المُهمل والعادي، لتكشف فيهما عن عناصر حياة أطول أمداً وأبلغ أثراً من الواقعي. ولم تكن بالمهمة اليسيرة، كتابة سيرة مدينة اعتمد وجودها أساساً على القدسية، لضمّها مشهد الإمام علي بن أبي طالب، لتتحول إلى مدينة علم وأدب بسبب مباشر من ذلك. لكن سيرة المدينة، في الأخير، هي سيرة الكاتب الشخصية، فالتنافذ بين السيرتين لم يكن تقنية فحسب، بل كان هو الكتاب. لقد نحّى عنوان الكتاب «الأنا» جانباً ليأخذ المكان حصته من الصدارة ويقترن بذات السارد، كما هنا أو من قبل في «حرب العاجز: سيرة عائد ـ سيرة بلد».
الذي هو واحد من أهم كتب السيرة ـ اليوميات، عراقياً وعربياً، لغناه سواء لناحية الموضوع أوالمعالجة، وقد ارتقت الحاسة الروائية للكاتب ورؤيته في الكثير من الصفحات والمواقف إلى ما هو شعري. كما أنّ قيمته تتأتى أيضاً من كونه الكتاب الأول في مجاله الذي يتناول العراق من الداخل بعد 2003 (السنوات الثلاث الأولى تقريباً) وتداعيات سقوط النظام والاحتلال الأمريكي. ومما يمكن الإشارة إليه أن «حرب العاجز..» قد تضمّن (مشروع) كتاب «النجف.. الذاكرة والمدينة»، عبر الفصل المسّمى «النجف» والمستعاد هنا كفصل أخير باسم «المدينة الأخرى» مع استدراكات وتعديلات. وعودةً إليه، يمكن القول إن الكاتب يعتمد فيه اتجاهين، اتجاه يعود بالمدينة من فضائها العجائبي، المؤسطَر،الذي له صلة، هنا، بالمقدّس والإعجازي، على اعتبار أن «العجيبيميلإلىالمعجزاتالإلهيّة،وإلىالإدهاشبمعناهالمشرق،والإيجابيّ». فمما يتناقله النجفيون ـ بهذا الصدد ـ حكاية الأسد الذي يأتي ليلة كل جمعة ويقف على تل في البرية ينظر إلى المنائر، بخشوع ويرفع يده اليمنى ليحيّي (الأمير) ثمّ يعود إلى غاباته، أو حديثهم عن معجزة انحراف ضوء الشمس عند الشروق ليسقط على شباك الضريح أولاً، وسوى ذلك. من هذا الفضاء يعيدها الكاتب إلى سويتها الواقعية كمدينة مثل سائر المدن في شؤونها الحياتية وتفاصيلها اليومية، بل حتى «جوانيتها»، من دون إغفال امتيازاتها الخاصة بها بعيداً عما هو ديني، كما في «خصلتيها» القومية والشيوعية. واتجاه آخر يتقصّى أو يعيد اكتشاف السحري والعجائبي المتواري في ثنايا العاديواليومي. وهو ما يمكن تسميته بـ»ظلال السيرة». هذه الظلال الساطعة تسير متلازمةً مع السرد الإخباري، التقريري والمعرفي وقد اكتست ومن خلال الحس الروائي للكاتب أهمية خاصة غدت معه سيرة موازية أُخرى في إدهاشيتها وعجائبيتها.

المنفى والذاكرة

ثمة تلازم بين الذاكرة والمنفى. فالمنفي يعيش عادةً حياة داخلية، هي ثمرة الذاكرة، بموازاة حياة معلنة، حياة لم تتحرّر من المكان الأول أو هي لا تريد ذلك. يتحدث الكاتب عن زقاق اعتاد أن يسلكه في مدينته النجف، والزمن يعود إلى أواخر الخمسينيات، يقول: في المنفى تجولت في هذا الزقاق مراراً بذاكرتي، وفجأة تقطعني ثلمة في الذاكرة، مكان أدرك أنه موجود، لكن تفاصيله غائمة، وكذلك اسمه. سيتطلب الأمر أياماً، تستعصي عليّ علامة أو ملمح مفقود، ويصبح الغائب أشدّ لجاجة من الحاضر في الذاكرة: ما هو؟ ما اسمه؟ أُرمّم الثلمة كما الرفّاء مستعيناً بذاكرة اخرى. يسألني الآخرون: مالك مشغول بهذا الماضي العتيق؟
ـ أشعر بأنني أُعيد امتلاكه حين أُحدّد المكان وأُسمّيه.
امتلاك هو إذن للمكان أو «نفي للمنفى» بتعبير الكاتب في كتابه الآخر «حرب العاجز…»، معلّلاً بتسميته هذه، «التشبث بالتفاصيل الدقيقة للمكان»، كما عند الروائي العراقي غائب طعمة فرمان.
زهير الجزائري المولود في منفىً داخلي، أواسط الأربعينيات لأب معلّم نُفي بسبب من نشاطه السياسي المعارض، وكأنه بذلك قد ولد باستعداد جيني للمنفى، وبذاكرة منفتحة، سلفاً، على الماضي. يستعيد لاحقاً أمام والده ذكريات المنزل الذي ولد وعاش فيه في «سدة الهندية» حتى عمرالثلاث سنوات، واصفاً البيت والطريق بدقة، أمام دهشة الوالد. إنها الذاكرة الاستشرافية التي تتمرّن على منفى مقبل، أطول وأقسى زمناً ستندثر في غياهبه أمكنة وعوالم وحيوات بكاملها. بعد عقود من واقعة ذاكرة الطفولة تلك سيقول الكاتب: يموت الناس في مدينة الموتى حالما التفتُ إليهم، أو حينما تمسّهم ذاكرتي. كان يبحث عن الوجوه والأسماء، لكن عبثاً! فقد عاد متأخراً، إذ لم يبق سوى الرماد والجنائز،لكأنّما على خلاف البدايات، فمأثرة النجفيين أنهم غيّروا المكان من قبر إلى مدينة، كما يعبّر الكاتب.
يُرجع زهير الجزائري خصيصة المغامرة، هجرةً واغتراباً وثقافةَ، إلى جده الشيخ أحمد اسماعيل الجزائري، الذي أورث أحفاده هذه الروح، فما أن بدأ تعلم فكّ الحرف، حتى يقرّر هجر حياته المستقرة في الأهوار صيّاداً،معبراً عن ضيقه بها، عازماً على الرحيل إلى النجف للدراسة، على الضد من رغبة والده. يقول الكاتب: منه ورثنا المهنتين المتعبتين، الترحّل والثقافة. وهي مغامرة بحق يقترفها رجل من «الأكواخ النائية على الحافة الجنوبية لهور الحمّار». وقد أحرز النجاح في رحلته تلك، منجزاً عدداً من الكتب في مجاله الديني، الفقهي، أشهرها كتاب «قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر»، المعروف اختصاراً بـ»آيات الأحكام». لكن هذه الصبغة العُلَمائية التي صارت للعائلة وترسّخت مع الأحفاد الثلاثة لأحمد، لنشاطهم الفقهي والأدبي، وهم «عبد الكريم ومحمد جواد وعبد اللطيف، والأخير هو جد زهير لأمه» ، لم تحُل دون الصبغة العِلمانية للأجيال اللاحقة للعائلة، كما الحال مع علي الجزائري والد زهير، فقد كان حداثياً في نزعته حدّ التمرّد، سواء في طريقة حياته أو قراءاته أو تربية أبنائه تربية منفتحة في بيئة شديدة المحافظة كالنجف ولاشكّ أن الكاتب قد تشبّع بكلّ ذلك الجو، بالإضافة إلى تأثير أخواله الحاسم عليه باتجاههم الثقافي أو السياسي.

واقعية سحرية نجفية!

منذ طفولتي وقبل أن أُصبح روائياً تختلط لديّ الأحلام بالواقع، اختلاطاً لافكاك منه، وأحياناً تفوقه صلابةً ولوناً.
«زهير الجزائري»

بهذه الرؤية التي تحكم تعاطي الكاتب مع واقعه، يمكن التعامل مع المواقف والشخصيات التي يستحضرها ـ يصوغها في «النجف.. الذاكرة والمدينة»، بحيث تغدو مصائرها أو مآلاتهافي تحققها الفني، لا الواقعي، هي المرجعية. ومردّ ذلك هو النظر إلى شخصياته كونها مشروعاتروائية.إن ما يلفت هنا هو استثنائية وغرائبية هذه الشخصيات في سلوكياتها، ما يدخلها بالتالي فيما هو عجائبي خارق. طبعاً غني عن القول إن مصهر الكاتب، أي كاتب، يمكن أن يجعل حتى من الشخصية التي تبدو نمطية، شخصية أُخرى ذات إمكانات فعل روائي، فكيف إذا كانت هذه الشخصيات تحمل مقوماتها «الروائية» ضمناً، مثال ذلك شخصية «نجوى المخبلة»، هذه الشخصية المفصّلة من قماشة الجنون، واقعاً، قد استعادها الكاتببالفعل، في روايته «الخائف والمخيف». شخصية أُخرى مسّها الجنون، أيضاً، بجناحه، هي شخصية «علوان طار» المسكون بحلم الطيران. أما شخصية هادي اللواني، قريب الكاتب، فهي شخصية فنية، روائية بحق. هادي النحات المؤرق بصنع تمثال، كما في مخيلته، لكنه حين يعجز عن ذلك يُصاب بما يُشبه الهستيريا ويعمد إلى تخريب تمثاله الطيني الفاشل وعجنه، صارخاً: روح، روح.. ليست فيه روح!وبخصوص «الرجل الشبح» مهدي الجزائري وهو الآخر قريب للمؤلف،فقد بدا،بفرسه البيضاء، كشخصية خارجة من رواية سحرية. أوعمة الكاتب «زهرة» الملاحَقة بالجن. كما أن شخصية أحمد الشيخ شريف لا تقل غرابة بمحاولاته لصنع الذهب، مستخدماَ لذلك دهن قط أُحرق وهو حي، أو نباتات جُلبت من مقبرة، مقتنعاً أنه لابد أن يقبض، يوماً،على لمعة الذهب! إنه ميلكيادس نجفي! كذلك الأمر مع شخص مثل علي الصراف، أو «مانينه»،أو شخصية «قسام»، آخر موديل بين مجانين المدينة كما تطلق عليه «جوقة المنكّتين»، أوحتى شخص مثل محمد الجزائري، المبالِغ في أناقته وعدم اكتراثه بالآخرين، كدخوله مجلس عزاء مرتدياً بدلة بيضاء، بمنديل ورديفي جيب الصدر. لا يقلّ هو الآخر «روائيةً» عن الشخصيات الآنفة. ليس فقط هذه الشخصيات، بظرفها أو غرابتها، هي ما يستوقف قارىء زهير الجزائري في سيرته النجفية، بل هناك نوع آخر من الشخصيات تتصف بمسحة درامية تدفع بالقارىء إلى التأمل بعمق في مقدار الحيف والظلم الواقع عليها وهي هنا المرأة بشكل خاص، مثال ذلك «نون»، التي حبسها أخوها في غرفة فأضافت هي حبساً آخر لنفسها حين كوّرت جسدها في صندوق، احتجاجاً، رافضةً الخروج. كذلك «ميم» التي عاقبت نفسها بنوبات الصرع، حتى الموت، لأنهم امتنعوا عن تزويجها من أحد المتقدمين لها. وكما هو بيّن فإن نموذجي «نون» و»ميم» يندرجان أيضاً في اطار الغرائبي بوصفه «الجانب الكابوسي من الخارق». كذلك الشأن مع الأختين العانسين، حسيبة وعزة، المتجسدة عزلتهما وحزنهما بكلمات المؤلف المباشرة عنهما: «وحين أُغلقَ الباب ورائي قلت، لن يُفتح هذا الباب لسنوات طويلة قادمة لزائر آخر، ولن يتذكرهما أحد وهُما تجفان هنا من الوحدة والرتابة».
هذه الشخصيات تبدو هنا عند «حافة» الرواية، وهويذكّر بما قاله غابرييل غارسيا ماركيز وردّده مراراً بأن كلّ سطر في رواياته مأخوذ من الواقع،الأمر الذي يتيقن منه القارىء حقاً وبالتفاصيل، عند قراءة سيرة ماركيز سواء في «عشت لأروي» أو عبر كتاب سيرته الهائل الدقيق الذي وضعه جيرالد مارتن. وعلى ذكر ماركيز، بدا وكأنّ الكاتب باستحضار الكثير من شخصيات أقاربه، نساءً ورجالاً، وبمختلف ميزات وخصائص وظروف هذه الشخصيات من الأقارب بفروعهم الثلاثة: الأسدي والجزائري واللواني، يجترحنوعاً من سلالة «بوينديا» كما في «مائة عام من العزلة».
بقي القول أن زهير الجزائري في كتابه هذا كاتب معلّم، سواء في سيرة حياته أو كتابته، ينفتح على قرائه بتجاربه، مضيفاً إلى رصيده كتاباً اختط فيه هندسة مدينة تسكن الحلم والذكريات وقد تجسّدت عبرهما، في الوقت الذي تلاشت بين يديه في رحلة البحث عنها على أرض الواقع. وبين الاستذكار والحلم يحوّل الكاتب تراب الوقائع إلى ذهب مرويّ.

كاتب عراقي

باسم المرعبي