07y95.jpg

دبي – من حنان جاد:
عرضت صالات السينما، الفيلم الكوميدي «أي شيء على الإطلاق»، وهو آخر أفلام روبن وليامز. تدور قصة الفيلم حول معلم مدرسة (سايمون بيغ) بائس ومفلس، يحب جارته ويطمح إلى أن يصبح مؤلفا مشهورا. فجأة تختاره عشوائيا مجموعة كائنات فضائية متطورة، تبدو في عنفها ونزقها أشبه بآلهة الأولمب في الأساطير اليونانية، وتمنح تلك الكائنات بطل الفيلم، من دون علمه، وعبر سحب عشوائي، قوى مطلقة، لمدة أسبوع واحد. كفرصة أخيرة لتقييم التطور الذي أحرزه سكان الأرض، وإذا ما كانوا مؤهلين للاستمرار على قيد الحياة ـ وهو أمر يبدو أنه محل شك كبير من جانب الفضائيين ـ على أي حال، إذا ثبت بعد هذه التجربة أن سكان الأرض الذين سيتم اختبارهم عبر ممثلهم الوحيد والعشوائي لازالوا بدائيين سيكون على الفضائيين تدمير الأرض. لقد منحوا البطل كل قواهم، أصبح عليه فقط أن يتلفظ بما يريد ويحرك يده اليمنى كي يحدث ما يبتغي.
يكتشف البطل على امتداد الفيلم قواه المطلقة، أو بالأحرى يباغت بها، ويتعثر فيها، عبر مشاهد مضحكة تسخر من هذا المطلق، ومن هذا العالم البسيط المعقد. يحتاج البطل إلى التحدث مع أحد، يجد حيوانه الأليف، كلبه دينيس، ينبح إلى جواره، يفترض البطل أن الكلب يحاول أن يرشده إلى شيء ما عبر نباحه، فيمنحه صوتا ليفاجأ بأن كل ما يريده الكلب هو إعلان رغبته الشديدة في قطعة بسكويت موجودة على الطاولة أمامه، فيقرر البطل أن يمنح كلبه عقلا ليكف عن طلب البسكويت ويفكر معه في الأمور المهمة، يتحدث الكلب بصوت روبن وليامز لدقائق قليلة ممتعة. يلعب روبن وليامز دوره الصغير ببراعته المعهودة، ويضحك جمهوره، حتى بعد موته المأساوي، لا يخيب توقعات جمهوره الذي يضحك من اللحظة التي يسمع فيها صوته حتى آخر عبارة. مخرج الفيلم تيري جونس علق على ذلك بأن مشاهد روبن وليامز هي الأكثر إضحاكا.. إنها الضحكات الأخيرة، التي بدت وكأنها كانت عالقة بجيب سترته، فأرسلها إلينا من قبره.



التسعون دقيقة الأخيرة قبل الرحيل

لكن الأغرب من ضحكات ما بعد الموت في فيلم روبن وليامز الأخير «أي شيء على الإطلاق» هو النبوءة التي يرسلها عبر فيلمه قبل الأخير، الذي عرض قبل وفاته بنحو شهرين، «الرجل الأكثر غضبا في بروكلين» إذ يبدو وكأنه يستشرف نهايته المأساوية.
يلعب روبن وليامز في الفيلم دور محام نافد الصبر وعصبي المزاج، يذهب إلى المستشفى للحصول على نتائج فحوصاته التي تظهر إصابته بمرض خطير مميت، يصر على معرفة ما تبقى له من وقت قبل أن يموت، الطبيبة المشغولة والواقعة تحت ضغط بقية أثر من مخدرات تعاطتها، تخبره بأول رقم تقع عليه عيناها (تسعون دقيقة). يعرف في البداية أن هذا الرقم لامنطقي ويرفضه، ثم لا يلبث أن يقتنع، ويقرر أن يقضي التسعين دقيقة المتبقية بسعادة. ماذا يفعل الإنسان ليكون سعيدا في آخر تسعين دقيقة من حياته؟
في إطار كوميدي لا يخلو من البؤس، ينطلق البطل لكي يمارس الحب مع زوجته فيفشل،لا ينجح، تتحول دعوة الحب إلى شجار تتغلب فيه القطيعة المتجذرة بين الزوجين على رغبة الزوج في التواصل الحميم. يهرب روبن وليامز من البيت، والزوجة، تحت وابل من النقد الانتقامي والتفاصيل التي تظهر معها العلاقة الزوجية مهشمة بشكل لا يمكن علاجه في تسعين دقيقة. يستبدل البطل هذه السعادة بسعادة أخرى، يحاول أن يستعيد التواصل مع أخيه وشريكه في مكتب المحاماة، يتذكر أنهما اعتادا أن يكونا مقربين في ما مضى، وأنه على مدى سنوات كان يشتري شطيرتين يحملهما إلى المكتب ويفطران بهما معا، الأخ لا يستوعب هذه الاستعادة للذكريات وسط ضغط العمل. مرة أخرى يتحرك البطل في اتجاه سعادة أخرى وهو يلاحق ما تبقى من دقائقه التسعين، يقرر أن يلتقي برفاق الصبا، يدعوهم إلى الغداء في مطعم، يعتذر الجميع بسبب ضغط العمل، ما عدا عجوز ضائع نكد يلبي الدعوة، مدفوعا على ما يبدو بشراهته، ويستخدم المناسبة لتصفية حسابات قديمة.
يهرب روبن وليامز من صديقه القديم، يهرب، والوقت يهرب منه. يفكر في ابنه، صورته تلح عليه من البداية، يتردد، لكنه في النهاية يسعى إليه، في مبادرة تأخرت سنوات! إذ قاطع المحامي ابنه لأنه رفض استلام العمل في مكتب المحاماة بعدما أنهى دراسته وقام بفتح صالة للرقص، يريد البطل أن يتصالح مع ابنه، يحاول أن يصل إليه لكن الابن يهمل الرد على أبيه، والأب يلاحقه من مكان إلى مكان من دون جدوى، يمضي الفيلم كما تمضي الحياة، تسعون دقيقة مثل تسعين عاما، من دون ان يتمكن البطل من فعل الأشياء التي تسعده.

لماذا يصعب أن تقول لشخص أنك تحبه؟

إن كل ما يريده روبن وليامز ويتعذب لأجله ويذوق الأمرين خلال مشاهد متعاقبة ومواقف مضحكة محزنة هو أن يخبر ابنه بأنه يحبه، وهو يلخص ذلك صارخا بسؤال صادم بقدر ما هو معبر عن معاناة إنسانية حقيقية «لماذا يصعب أن تقول لشخص أنك تحبه؟». قبل أن تنتهي الدقائق التسعين، سنشعر بالإجهاد كما يشعر به روبن المحامي أو الممثل المريض، سنشعر بأن الزمن طويل وعاجز، رغم أنه مجرد تسعين دقيقة! في هذه اللحظة من العجز يفاجئنا روبن وليامز بقرار الانتحار في الفيلم، تماما كما حدث بعد عرض الفيلم بشهرين في الواقع!
حاول السيناريو الالتصاق بعنوان الفيلم؛ الرجل الأكثر غضبا في بروكلين، مكرسا نهايته للبحث عن أسباب غضب بطله، معللا ذلك الغضب بفاجعة موت الابن الأكبر أثر حادث.، ودار بارتباك حول التحول الذي يمكن أن تحدثه فاجعة من هذا النوع في حياة رجل عائلة مثالي. بينما مشاهد الفيلم وأداء روبن وليامز المحزن المضحك يستعرضان بمزيج من الألم والسخرية تحلل الحياة والعلاقات، ذلك التحلل الذي يعيشه معظم الناس أغلب الوقت بدون فواجع أو تحولات، حيث نجد أنفسنا ذات صباح وقد توقفنا عن عادة اقتسام الشطائر مع الإخوة والحب مع الأزواج والحديث مع الأبناء، واختفت السعادة البسيطة وحلت النقمة والغضب. وجاء لهاث روبن وليامز وأداءه الرائع وهو يتتبع أثر السعادة في الدقائق الأخيرة ليذكرنا كم تستحق السعادة أن تكون هدفا على امتداد الحياة البشرية القصيرة، وكم نؤجلها! وكم يبدو العمر مرهقا وطويلا حتى لو كان دقائق.
يأخذنا الفيلم إلى نهاية مريحة نوعا ما، تليق بفيلم كوميدي لكل العائلة، فالبطل لا يتمكن من الانتحار لأن الطبيبة تقتفي أثره وتنقذه في آخر لحظة! عدة أيام فقط يعيشها البطل بعد أن يتم إنقاذه وإعلام عائلته بحقيقة مرضه، يتصالح خلالها مع أحبته، يلعب الورق مع ابنه، ويتناول الشطائر مع أخيه.
يحدث ذلك في الفيلم، لكن في الواقع، لا يأتي أحد في اللحظة الأخيرة التي يتراكم فيها الحزن لينقذ البطل، وعندما يقرر روبن وليامز الذي يخبره الأطباء بإصابته بمرض باركنسون أن ينهي حياته معلقا في بيته بحزام بنطلونه، وحيدا، سينجح، ويموت قبل أن تنقضي التسعون دقيقة التي قررها الأطباء.