http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

تفسير إجدابيا (القبائلية والإتاوّية وداعش)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تفسير إجدابيا (القبائلية والإتاوّية وداعش)
نورالدين خليفة النمر




مالا تستطيع تفسيره السياسة في اجدابيا التي تقع اليوم في مهب المعارك، كما هبوب رياح الصحراء المتربة التي تعصف بها طوال العام ، فلا تبين شيئا . ربما تبيّنه آليات التفسير الاجتماع ــ سياسي أيّ الـ"Socio – economic". إذا تمّت المقاربة العلمية للنمط "الإتاوي" الذي استنّته الميليشيات القبلية المحلّية مع الحكومات المتتابعة بعد ثورة 17 فبراير. بدءا من الحكومة الثانية للمؤتمر الوطني العام التي رشت عام 2013 الميليشيات التي لم تصبح " إتاوية" بَعْد، بأزيد من 300 مليون دينار، والدخول معها، بعد ذلك في تسويات ملتبسة، لتخلّيها عن تبنّي المطالب الاحتجاجية التقليدية التي ظهرت في أغلب المناطق وشملت تقريبا جل القطاعات شبه الاقتصادية في ليبيا بعد الثورة عام 2012. إلا أن هذا لم يمنع الميليشيات من تجاوز ذلك، بمنع الحكومة من فرض القوّة القاهرة على موانئ التصدير؛ وهو ما جرأ الميليشيات وقت ذاك على عقد صفقة تصدير مباشر تم إيقافها بتدخّل دولي.
وجود فرض الأمر الواقع، الذي استمر حتى هذا اليوم فيما سمّى بـ"حرس المنشآت النفطية" في ظل وجود برلمانيين وحكومتين تتنازعان الشرعية والسلطة في ليبيا طوال سنة 2015، ودخول حكومة توافق بدعم دولي هذا العام على الخط. التي حيّا مجلسها الرئاسي في 4-1-2016 والذي هو حاليا في حالة إنعقاد دائم في تونس المجاورة لمتابعة ما يجري في الهلال النفطي عن كثب"الدور البطولي" الذي يقوم به "حرس المنشآت النفطية" ويعني بذلك الميليشيات الإتاوية المذكورة.
هذا الوضع السياسي الأنقسامي هو ماسهّل لقادة المليشات،عقد إتفاقات ضمنية ، تحت نظر مؤسسة النفط الليبية المنقسمة هي الأخرى  مع "كارتل نفطي" يضّم عددا  من الشركات الأجنبية المساهمة في إنتاج النفط الليبي، حاملة للـجنسيات ( الأمريكية،الألمانية، الفرنسية والنمساوية )  مقابل حماية حقول وموانيء تصدير النفط التي تقع تحت حيازتها الجغرافية في منطقة الهلال النفطي، حيث توجد إلى جانب  أضخم  مركب للبتروكيماويات في رأس لانوف الذي تساهم فيه .  استثمارات إماراتيه؛ أكبر الموانيء النفطية لتصدير البترول في البلاد.كــ  : ( مينائي السدرة  والهروج اللذين صارا الآن  في مرمى نيران تنظيم «داعش» الذي فرض سيطرته على بلدة بن جواد التي تبعد عن المينائين  مسافة 30 كلم وراس لانوف 40 كلم .
مقابل "بدل الحماية" بمواصفاته الليبية فيما أسلفنا تبيانه بعمومية، هو ما أسماه(خلدون حسن النقيب) استنادا على(بولانائي) بـ" إتاوات الحماية" معتبرا إيّاها في كتاباته عن:"الدولة والمجتمع في الخليج العربي المشابه في ريعية نمط إنتاجه تقريبا لنمط الإنتاج القائم على النفط في ليبيا " شكلا من أشكال إعادة التوزيع(Redistributive enterprises)) أو، بمعنى أدق، الدخل المعاد توزيعه اجتماعيا، بحيث يصعب، كما هو حادث الآن في الحالة الليبية، التفريق بين الرسوم المتحصلة عن ترتيبات الحماية؛ التي تظهر بعد إعادة تدويرها في شكل "مهايا ، ومرتّبات ووظائف"، مستحقة وغير مستحقة، وبين شكل الأسلاب المنتهبة في الأنساق الحرابية التقليديّة الذي عرف تاريخيا في بعض أقاليم غرب ليبيا وجنوبها مقترفوه بـ"الفلاّقة" . وهو شكل من النشاط يوفرّ لممتهنيه قاعدة كافية تسمح ببزل (ponction) أي استخلاص أو بالأحرى نهب جزء من القيمة المنتجة .
سيرا على المثل الليبي الذي يقول" حوش أو (غار) الضبع لا يخلو من عِظام) وبالرجوع إلى أوراق قديمة، كنت أعددتها محاضرات في النظرية الأجتماعية الخلدونية لطلبة قسم الفلسفة نهاية الثمانينيات وبداية أعوام التسعينيات من القرن الماضي وجدت توصيفا لهذا النمط الحرابي، الذي نعت ممتهنوه بـ"الفلاّقة" في أزمان الفوضى الليبية، ما قبل تكوّن الدولة ،و ظهور النفط لدى الفيلسوف (محمّد عابد الجابري) في أطروحته حول (العصبية والدولة)، فهو يصف هذا النمط من المعاش بــ"الاقتصاد القائم على الغزو" وهو ما سيحدّده لاحقا بلغة الاقتصاد السياسي المفكّر الأقتصادي العالمي (سمير أمين) بأنه" نمط طرفي" أيّ بدائي" في "التشكيلة الخراجية" أو بالأحرى الريعية تحديدا له عمّا وصفه (كارل ماركس ) بغموض في تنظيره لـ" نمط الإنتاج الآسيوي" وهو كما يراه (الجابري) نمط شاذّ في(الكسب)، وشذوذه يرجع لكونه أولا وبلغة (ابن خلدون):"مذهب غير طبيعي في المعاش"،حيث القوى التي يقوم عليها حربية في عمومها عزّزها- في حالة الميليشيات الليبية- الاستحواذ على السلاح القتالي، الذي مكّنها بأن تلعب دورا ليس فقط في سياسة النفط بل في عموم السياسة الاجتماعية بعد التحوّل السياسي العاصف في ليبيا عام 2011. بدءا بتبنّي دعاوى سياسية تمثّلت في المطلبية الفدرالية !، في الشرق الليبي والتي تجاوز دعاتها المحاصصة السياسية للمطالبة بنصيب مستقل من الإيرادات النفطية، يتّم تخصيصه بشكل مباشر لمنطقة ترى أنها تجيء في مرتبة ثانوية حين يتعلق الأمر في الماضي بإنفاق الدولة أو بما ادّعاه رأس النظام الدكتاتوري السابق في شعاره الغامض بـ"توزيع الثروة". الذي يتمظهر اليوم قبائليا وبشكل معرقل لعمل مجلس الرئاسة لحكومة التوافق المقترحة بالضغط من قبل التمثيلية البرقاوية مراعاة إقليم "برقة" في شرق ليبيا، في صناديق دعم التنمية، وفي حصص البعثات للخارج والمناصب كالسفارات والحقائب الوزارية، وبأن تكون حصته "ثُلث" الوزارات في الحكومة المنتوى تشكيلها .
ثم إن العلاقات السائدة في هذا النمط من النشاط كما يبيّن (الجابري) ثانية: هي علاقات عصبية ، فالتلاحم العصبي هو الذي يؤطر، ويقنّع، سعي الجماعات القبلية المستقلة، نحو أقصى مفاصل السلطة، والأهمّ أوسع الامتيازات الناتجة عنها، وفي مقدمتها: الريع، أي الثروة الجاهزة أو ما أسماه (الغنيمة) الأقنوم الثالث المؤسس للعقل السياسي العربي في تنظيره اللاحق.
إن الاقتحام القبائلي، كنظيره الأيديولجي"الديني" للمشهد السياسي عبر بوّابة الريع النفطي بعد ثورة 17 فبراير 2011 هو ما أدخل بدوره (المشائخ أو زعماء القبائل ) ومن ينوب عنهم كـ (رؤساء المجالس المحلية) بما يتجاوز دورهم كوسطاء، بل فاعلين أساسيين ليس فقط في السيطرة والتحكّم في المورد النفطي في المناطق التي يسيطرون عليها، بل أيضا في فرض وزراء في الحكومة، التابعة للبرلمان المنتخب في (طبرق) الممدّد لولايته المنتهية هو الآخر، والتي انضوت الميليشيات الإتاوية تحت المظلّة الشرعية لحكومته المؤقتة ، بل تمرير نائب أول أو نائبين لهم في"حكومة التوافق" المقترحة من طرف "المندوب الأممي" في "إتفاق الصخيرات" يضمن مصالحهم التي صارت إلى حدّ ما متضاربة مع توّجهات الجسم الفيدرالي! في الشرق الليبي. الذي صار يمثّله عسكريا فقط مسمّى (الجيش الليبي) . الانقسام الذي حتمتّه "المصالحية الزبائنية" (clientism) في الجسم القبائلي "الفيدرالي" بين هذين الجسمين" الميليشاويين" ،والذي أعاد التنافر الهوّياتي التقليدي بين ما سمّي تاريخيا ببرقة الحمراء وبرقة البيضاء، هو الثقب الذي يخرج اليوم منه : المارد تنظيم الدولة "داعش" في نسخته الليبية ـــ الأفريقانية، والذي اكتفى في الأشهر الأخيرة الماضية، من خلال الإحكام المتزايد لسيطرته على إمارة خلافته (سرت)، والبلدات المجاورة لها من شّن - بين الفينة والأخرى - ضرباته المخرّبة في الحقول والموانئ النفطية.بغرض تعطيل العمل فيها، والإعلان عن نفسه إزاء الأجسام: "الميليشياوية الإتاوية" و" الدولة الافتراضية" و"الكارتل النفطي العالمي " إلى البدء في معركته القادمة التي يحرّكها جوعه للنفط ،وخبراته الإتاوية التي ورثها من سلفه (تنظيم القاعدة) وطوّرها واتقنها في تدوير مصالحه المالية والسياسية بدخوله في المعادل النفطي في اللعبة السياسية الدولية عبر إماراتيه المشرقيتين : العراق والشام. فهل يفسد تدخل دولي (أوروبي) عبر شرعية الأمم المتحدة من إفساد اللعبة المملة والعبثية بكاملها واضعا ليبيا في نقطة الاستقرار  المرتقبة؟! .
 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com