http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

الشعب والطفل والماء

مركز الجنوب الليبي للدراسات 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

 



للكاتب ابراهيم عثمونة

 

لم يقنعني كلامه . فأنا أريد حلاً سريعاً وجاهزاً لحالتنا وهو لا يؤمن بالحلول السريعة والجاهزة ، ولا يرى فيما يحدث سوى حصاد لمحصول أينع وطاب . ومثل هذا الكلام رأيته محاولة منه لتعليق عجزنا على جهة أخرى ، لذلك كنتُ أقاطعه وأقول له (تلك أمة قد خلت) ، لكنه ما يلبث أن يعيد ويكرر ليُثبت لي أننا أولادهم ، وحين جادلته وأكثرتُ جداله استدل بـ “بالبو” الايطالي وكان ذلك الاستدلال في الواقع مستفزاً لي.

فهو حين يدير لفتة قصيرة للوراء تجده دائماً يتساءل مخاطباً نفسه ماذا لو لم يكن الطليان ينون البقاء في بلادنا ، وماذا لو لم يسمونها الشاطئ الرابع لهم ، ولو لم يخلقوا مناخاً ملائماً يمكنهم يومها من العيش بشكل دائم ، ولو لم يُروّضوا ذلك الجموح والتناحر القبلي بيننا لصالح دولتهم المزعومة حتى غدا فيها “الذئب يعيش مع النعجة” ! فهل كنا سنضع بتلك السهولة أول لبنات دولة مدنية حضارية بعد هزيمتهم في الحرب الثانية بجيوش الحلفاء – الذين شكلوا فيما بعد نواة لـ حلف الناتو – وهل كنا أنكرنا يومها ذاتنا بشكل ملفت لنبني ليبيا ، وهل كان المؤسسون الأوائل مؤسسين أوائل!

أخبرني ، وأكد لي بحماس أن الحرب الثانية كانت أشبه بالشمس التي أشرقت علينا بعد أن أخذنا قسطاً كافياً من النوم ، لتجدنا جاهزين عن غير قصد لبناء دولتنا ، لكن الذي لم يجد له تفسيراً في كل مرة يدير لفتة قصيرة للوراء هو كيف بقى الحس الوطني فينا وكيف بقيت هذه النخبة الوطنية من المؤسسين الأوائل رغم هذا المستعمر الغريب الذي كان يحكمنا ؟! والأغرب الذي لن يجد له تفسيراً حتى لو ظل العمر كله ملتفتاً للوراء هو لما لم يبقى الحس وأين تبدد ولما لم تتضاعف النخبة وأين ذهبت او ماذا حل بها ؟!

كنتُ اقاطعه وأطالبه بحل سريع وجاهز ، وكنتُ أصرفه عن الالتفات للوراء ، لكنه يخاتلني ويتحايل عليَّ ويدور ببراعة لأجد نفسي مصغياً له باهتمام . ولكن حتى لو مات الحس الوطني وانقرضت النخبة ، فأنا في الحقيقة لا يمكنني تصور أن الطليان كانوا أكثر وطنية من أي حاكم ليبي (أياً كان هذا الليبي) فعلى الأقل الليبي يظل ليبياً و”بالبو” إيطالياً . وكان هو يضخم الجُرم ويوسعه ويتساءل كيف لتأهيلنا الاستعماري أن يكون تأهيلاً جيداً بل ممتازاً إذا قارنته بتأهيلنا اليوم ، وأن مَن معه شهادة “محو أميَّة” معتمدة من مدارس بالبو كان أقوى في الخط والإملاء للغة العربية! ممن معه اليوم شهادة جامعية ، والعبارات التي تملأ شوارعنا اليوم هي خير دليل على مستوى الخط والإملاء عند الليبيين ، والطامة الكبرى والتي ما كنتُ أود أن يتطرق لها لكنه تطرق حين قال أن الليبيين من خريجو المدارس الإيطالية ليتهم تفوقوا في الخط والإملاء وكفى ، عندها على الأقل نقول أن الخط والإملاء يمكن أن يتفوق فيه حتى أكبر المجرمين أو أكثر الناس انحطاطاً ، لكن الطامة أن خريجو تلك المدارس تفوقوا حتى في مادة السلوك والدليل هو تلك النخبة التي أعقبت تلك الحرب وهذه النخبة التي أعقبت هذه الحرب . والطامة الأكبر من هذا كله هي إذا كانت فعلاً ” الشعوب على ملة ملوكها “.

            أكد لي أن الشعب والطفل والماء هم ثلاثة لو دققت فيهم وفي وحركتهم والفائدة المرجوة منهم ، سوف تكتشف أن فائدتهم رهينة بمن يقف ويسهر على رعايتهم ، وكُتبْ التاريخ تعيد هذا علينا باستمرار ، وتُحَمل الراعي مسئولية أي انحراف قد يصيب مجرى أياً من هذه الرعايا الثلاثة . فلا ينبغي علينا أن ننتظر من ماء يجري تحت أقدام فلاح عبثي أن يُنتج لنا طماطماً وعنباً وبرتقالاً ، أو نترقب بيتاً كان ربه فاجراً أن يخرج لنا من وراء الباب طفلاً مستقيماً . والشعب تماماً مثل الطفل ولا شيء غير الطفل ، إذا علمته القراءة والكتابة تعَلم وصار قارئاً نهماً وكاتباً مبدعاً ، وإذا تعدى المدرسة الثانوية واخذته من يده إلى كلية الهندسة أو كلية الطب أو كلية التربية حتماً سوف يتخرج مهندساً وإما طبيباً أو مدرساً ، وإذا لم تعلمه في المدارس وأخذته معك مبكراً إلى البر ليتبع الإبل عندها سوف يتبعها ويكون راعياً ضالعاً في راعية الإبل ، وإذا كان معلمه “الحبيب بورقية” كان شعباً تونسياً ، وإذا كان معلمه واحداً آخر كان شعباً آخر.

وكنتُ اقاطعه لكنه ما يلبث أن يعيد ويكرر أن الشعب لا يختلف عن الطفل في شيء ، فإذا علمته كيف يُحب البيت الذي يسكنه سوف يشب على حبه وسوف يتغنى به يوم يكبر ، وإذا علمته سلوك وأخلاق الملوك سوف يكبر ملكاً ، وإذا علمته سلوك وأخلاق السوقة سوف يكبر سوقياً ، ولو لم تعلمه كيف يحب بيته ولم تُشعره أن هذا المكان الذي يحده سور من الأربع جهات له وأخوته ولو لم تحسسه مرة بالغيرة عليه ، عندها سوف لن يحب البيت ولن يُحب مَن يسكنون فيه ، وأغلب الظن أنه سيكبر ويبيع البيت بمن فيه إلى أول تاجر أو يركب خلف رشاش ويرش جميع مَن يسكنون فيه إن هم عارضوا فكرة البيع.

 

لتحميل المقال بصيغة pdf: 




شاهد الخبر في المصدر مركز الجنوب الليبي للدراسات




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com