http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

صالح الحاراتى: أهل الوصاية...!؟

ليبيا المستقبل 0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يذهب اعتقادى الى أن هذه المفردة "أهل الوصاية" يجب ان تمثل هاجسا كبيرا  لكل ذى عقل حر يتوق الى الحرية والكرامة اﻻنسانية... فبعيدا عن معنى الوصاية أى  الولايةُ على القاصر ضمن  نظام قانونيّ لحماية القُصَّر، وهم الذين لم يبلغوا سِنّ الرُّشْد. وبغض الطرف عن معناها السياسى أى "بلد تحت الوِصاية" او بلد ليست له سيادة كاملة  للتصرَّف في شؤونه وتحت وصاية دولية من دولة اخرى او من اﻻمم المتحدة... فليس كل ما سبق من تعريفات ومعانى هو ما اود اﻻشارة اليه... فالذى يعنينى هنا هو ما يمكن لنا ان نشير اليه بـ "الوصاية على العقول"... تلك العلامة الواضحة والبارزة كسمت سائد فى موروثنا الثقافى، هذه اﻵفة التى تنتشر بشكل كبير فى واقعنا اليوم كما شغلت مساحة كبيرة من تاريخنا  السياسي والفكرى ولها مساحتها المعتبرة ضمن موروثنا الثقافى رغم انها مخفية بغطاء من المقوﻻت الفضفاضة سواء كان مصدرها الدين أو العرف.



وعبر التاريخ كان "اهل الوصاية على الدين" نموذج بارز للوصاية على العقول وهو أمر معروف فى التجربة البشرية  وليس لصيق بنا فقط فعلى  المستوى  اﻻنسانى كانت تلك اﻷفة  سائدة فى الدول المتقدمة اليوم خلال مرحلة العصور الوسطى.. حيث كانت الكنيسة تتبنى  مع ملوك أوربا نظرية الحق الإلهي، وعانت اوروبا الكوارث والمظالم بإسم الدين حتى جاءت الثورة الفرنسية لتكسرقيد الوصاية الدينية، ولكن ﻻحقا وحديثا عادت الوصاية على العقول  بشكل مختلف و تبنتها الفاشية والنازية بإسم (العرق اﻵرى والصفوة النازية)… أما لدينا فهى راسخة ومستمرة فى حضورها  حيث تتبدى فى اهل الوصاية على الدين عبر التاريخ كما تبدت حديثا لدى دعاة القومية  بإسم الزعيم والقائد  ألتأريخي وغير ذلك من المسميات التى تشرعن الحجر والوصاية على عقول الناس.

وعلى الرغم من  التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي حصلت فى العالم على كافة الاصعدة ونلمسها ونراها أمامنا واقعا ﻻ زال هناك من يتتبع خطى السابقين وﻻ زالت موجات ظهور أفرازات لنماذج متكررة من الأوصياء علينا يطرحون أنفسهم تحت مسميات عديدة.. ولعل أشدها  خطورة، هم من يسعون الى استنبات واستنساخ  الوصاية الدينية وادعاء امتلاك الحقيقة، وأهل الفرقة الناجية واتباع السلف الصالح!.. الخ الذين يتبنون لغة المصادرة وتقديم  الإجابات النهائية والإدعاءت المطلقية والفهوم النهائية التي تحاول إحكام  قبضتها على العقول!.

وأمام واقعنا الليبى المأزوم أظن انه حان الوقت للقول بأنه ليس من حق احد "فردا او جماعة" ان يقف امام الناس ويقول جازما أنه يحتكر الحقيقة وأنه الممثل الحصرى للدين وأنه الوصي عليه شرحا وتفسيرا وتأويﻻ ﻷنه ليس من حق احد ان يزعم بأنه يتمتع بحصانة دينية خصته بها السماء دون المسلمين ونزهته عن النقد والسؤال واحاطته بسياج العصمة والقداسة كما يحاول المفتى ودار اﻻفتاء ومشائخها اﻻيحاء به من خلال البيانات التى تأخد بشكل واضح طابعا سياسيا منحازا، ذلك المسلك هو ما نقول عليه انه الوصاية على الناس من الناحية الدينية، فعندما يكون هناك اختلاف يبادر اولئك ويكيلون الاتهامات لمخالفيهم ويتحول الامر من قبول او رفض للرأى والاجتهاد ليصبح ايمانا بالله او كفرا به ودعما للاسلام او طعنا فيه. انه ادعاء امتلاك الحقيقة وانه اول الطريق للإستبداد. بل ان اشد انواع اﻻستبداد واكثرها دموية هو الاستبداد الدينى. 

وفى نفس الوقت ومن باب اﻻنصاف اشير الى أن هناك انعكاس لتلك اﻻفة على العقل الجمعى بشكل عام حتى اننا نرى اهل الوصاية ممن يهتمون بالشأن العام حيث يوزعون صكوك الوطنية تحت شعار كل من هو معهم فهو وطنى ومن يخافهم فهو عميل وخائن وتتحول المسألة الى حبا للوطن أو خيانة له ويعيش انساننا  بين مطرقة  التكفير وسندان  التخوين.

ان الوصاية على العقول هو بمثابة احتلال لها وهو اشد وطأة وخطورة من تجليات  الدكتاتورية فى جانبها السياسى.. ان  اﻻصرار على الشعارات الفضفاضة واطﻻقية النصوص   ليس اﻻ رهان خاسر على قول  فضفاض ﻻ يقدم حلا للواقع البائس، وهو رهان خاسر ﻻ محالة ﻷنه يتجاهل ضرورة التأويل المتجدد بتطور الحياة واﻻستفادة بالتجربة البشرية.

إن ما يمارسه اهل الوصاية على الدين تحديدا وجحافل المغيبين بالشعارات التي تنساق وراءهم خير دليل على أنهم لازالوا يراوحون المكان المظلم، وتاريخ الظلام وفرض الممارسة القمعية على مخالفيهم... فالديكتاتوريات ليست فى اﻻستبداد السياسى وقهر الإنسان بقوة السلاح فقط، تلك دكتاتورية واضحة وظاهرة ولكنها الدكتاتورية المبطنة والمغلفة بشعارات المقدس وهى اﻻخطر.

في مجتمعنا هناك من يريدون للعقل أن يظل أسيراً مقموعاً ومضطهداً، اعتقادا واهما أن المجتمع الفاضل هو الذي يصغي أفراده فقط لمن نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه.

اظن ان الواجب يحتم علينا اﻻعتراف بأن انعكاس تاريخنا القمعى ترك بصماته بشكل واضح على نمط تفكيرنا ورؤيتنا للحياة!!؟ وفى اعتقادى ان الكثيرين منا ينتسبون الى السلالة الديكتاتورية خالف عن سالف فى متوالية لم تتوقف اﻻ ومضات قصيرة فى تاريخنا.. ومنهم من كان من سدنة الحكام الطغاه، فلا يرون صواباً في الرأي سوى صواب آرائهم التي يحاولون المنّ بها علينا بطريقة الترغيب الزائف، وإنْ تم اﻻختﻻف معها وحولها سعى اﻻوصياء لفرضها بالترهيب وبالأدوات المتاحة لأي ديكتاتور، فلا نرى منهم إلا الأحكام المعدّة سلفاً والجاهزة للاستخدام المباشر من قبيل إطلاق الصفات المستقاة من التكفير والتخوين  والعمالة، إلى ما هنالك من السيمفونية التي مللنا سماعها، وباتت ضجيجاً ينزعج منه الضجيج نفسه.

ويبقى اخيرا أن أشير الى  أبرز معالم  هذه الظاهرة والتى لم تكتف فقط باحتكار الوصاية على الحقائق المطلقة بل تطورت الى ممارسة سياسة استبدادية تعتمد "العنف المقدس" فيما يعتقدونه رسم "الطريق القويم" وتصحيح المعوجين عنه بقوة السيف والاستئصال لتبقى حياتنا شكلاً من أشكال العبثية المدمرة... انً المبادرة إلى رسم مسافة واضحة بين الدين وقيمه السامية وبين محاولات تسخيره لأغراض ومصالح سياسية بات ضرورة حياتية.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8111

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com