http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

سالم قنيبر: الكتابة على جدران بنغازي المتصدعة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

1- ونعود لمتابعة بعض من رواية... الكتابة على جدران بنغازي المتصدعة، بالفحم، بالطباشير، أو بقطعة حجر جيري، ونقش القدماء مدوناتهم على الصخور،... ونظل نبحث لهذا الحديث عن بداية. ونظل نبحث لهذا الحدث عن تعريف. المكان يشغلنا وننشغل به، ويهمنا همه، وقد أتينا على بعض من معالم ماضيه، ونحن الآن من أجل المتابعة ولكي يستقيم الحديث نبحث عن بداية.  ونعود من حيث توقفنا للمتابعة.



2- توافدوا، من غرب البلاد.. وشرقها.. ومن الجنوب  وكذلك من مناطق الجوار... وعلى أنقاض يوسبيريدس أنشأوا حيهم... وبه الزاوية وعلى أطرافه المقبرة - مقبرة سيدي عبيد... وفوق أطلال البطلمية القورينائية.. برنيق.. قامت أحياء وأسواق ومقابر وزوايا، سيدي خريبش، وسيدي سالم، وسيدي سعيد، وكذلك سيدي الشريف. وظلت مدينة الآلهة والملكات المخربة.. تقبع أنقاضها تحت مقابر وأحياء السادة (الأسياد) الفقهاء.. المرابطين،... ويظل (غازي) أو (بن غازي).. الذي تجمعت الأحياء في... (مرفإ) يحمل اسمه،... يظل مجهول الهوية، وما ذكر عنه أو عن أبنائه  تخمين يفتقد التحقق، ولا يستند على تحقيق. وكان الغزو الإيطالي.

3- واحد وثلاثون عاما استغرقها الاحتلال الإيطالي لليبيا (سبتمبر 1911 - نوفمبر 1942).. وكتب  القائد الإيطالي الجنرال رودلف غراسياني يصف ما أل إليه الحال في (برقة).. التي وصفها بالمهدأة  بعد عشرين عاما من عنف المقاومة الوطنية.. وبعد اعتقال عمر المختار وقيام السلطات الإيطالية الفاشستية بإعدامه... وبعد أن تم التنفيذ - (16 سبتمبر) 1931 -  يقول غراسياني،... "(أُخذت الجثة ودفنت بمقبرة بنغازي المسماة بمقبرة سيدي أعبيد بالصابري، ثم أرجع كل السجناء إلى المعتقلات،  وباختفاء عمر المختار زعيم الثوار، انفتحت أمام برقة حياة جديدة سوف تكون هادئة، مليئة بالتقدم والازدهار. إن قبر عمر المختار موجود في تلك المقبرة بين آلاف القبور العادية، سيظل مجهولا إلى الأبد. وما علينا إلا أن نهذب النشء الجديد، على الطريقة الفاشستية، حتى ينسوا كل شيء، ويصبحوا أبناء لروما الخالدة روما العظيمة")  (الجنرال رودلفو غراسياني، برقة الهادئة، ترجمة: إبراهيم سالم بن عامر، ص 264-265).

4- ولم يمض إلا القليل على ما ورد في كتاب جراسياني عن الغزو الإيطالي لليبيا والمواجهة التي بذلها الإيطاليون للنيل من حركة الجهاد.. وكان للتاريخ توجه آخر... ولم تكن مستجداته  لتتفق وما أُعد... (لطلينة) أو تحويل البلاد الليبية إلى مستوطنة إيطالية  وما خطط.. من أجل (تهذيب النشء الجديد على الطريقة الفاشستية  حتى ينسوا كل شيء.. ويصبحوا أبناء لروما الخالدة.. روما العظيمة). وقامت الحرب العالمية الثانية (1 سبتمبر 1939 - 2 سبتمبر 1945).

5- في الأول من شهر سبتمبر 1939، قام الزعيم الألماني أدولف هتلر، بغزو بولندا وإعلان قيام الحرب العالمية الثانية... وفي الثالث من سبتمبر (1939) كان رد بريطانيا وفرنسا بإعلان الحرب ضد ألمانيا... وفي يونيو 1940، أعلنت إيطاليا رسميا الحرب ضد بريطانيا، وأخذ الجنرال غراسياني "الذي خلف بالبو في منصب القائد العام" في ليبيا بالاستعداد للهجوم على مصر وشرع في تجنيد المواطنين الليبيين وضمهم إالى الجيش الإيطالي  المتوجه لغزو مصر... وفي 14 سبتمبر 1940، تقدم جيش غراسياني داخل مصر متوقفا عند سيدي براني. ولم يتجاوزها.

6- وكان الهجوم المعاكس للقوات البريطانية بقيادة الجنرال ويفل (ديسمبر 1940) الذي رد فيه قوات غرازياني إالى ما وراء الحدود الليبية، وسقطت بنغازي في يد القوات البريطانية (6 فبراير 1941)،... وقرر غرازياني الانسحاب إلى نواحي سرت).

7- فبراير 1941، أعلن هتلر... "إن القوات الألمانية تحت قيادة الجنرال إرفن رومل ستعرف  باسم جيش افريقية الألماني، وأن فرقة البانزر الخامسة عشرة ستشارك الفرقة الخفيفة التي أرسلت".. وفي 31 مارس كانت حملة رومل الهجومية على جيش ويفل "وكانت السرعة التي استولى بها على برقة مدعاة للعجب... أخلى الجيش البريطاني بنغازي ودرنة متراجعا. ولاحق رومل التراجع البريطاني السريع داخل مصر..." (عبد المجيد خدوري، ليبيا الحديثة، دراسة في تطورها السياسي، ص 51-53).

8- ودارت -كما يقال- عجلة الحرب، أعتى قوى العالم اتخذت من برقة.  أجوائِها، وسواحِلها، موانئها ومدنها كذلك صحرائها ميدانا لتلك الحرب، وكان هجوم، وحصار، وكان آخر معاكس ويتوالى كر وفر، ووقع على البلاد وتلقى أهلها أوزار تلك الحرب. وكان على بنغازي وطبرق، وبقية قرى ومدن البلاد وعلى المدى الزمني لسنتين، أن تتعرض لتبعات تلك الحرب.

9- ونفسح المجال لأبرز قادتها ليقدم لنا مشاهد لما كان يحل ببنغازي ويلم بها وهي تتبادلها القوى المتصارعة أثناء تلك الحرب. يقول القائد الألماني إرفن رومل في مذكراته، "... وفي فجر يوم 18 اكتوبر 1942.. وبعد قليل وصلتنا أنباء عن وجود قافلة بحرية بريطانية مؤلفة من 15 سفينة متجهة نحو الغرب واعتقدنا أن هذا يعني أن العدو ينوي القيام بعملية إنزال في بنغازي، لذلك وبالرغم من سوء البحر، أصدرت الأوامر لكل الصنادل المحملة بالدبابات والعتاد بالإبحار لعرض البحر، ودمرنا كل العتاد الحربي المتبقي في بنغازي، وغرقت أغلب الصنادل في الساعات القليلة التالية، فلم نتمكن من إلاّ من   إنقاذ كمية بسيطة من مخازننا في هذا الميناء. وفي بنغازي دمرنا منشآت الميناء والأرصفة، وعمت الفوضى بين السكان المدنيين في هذه المدينة التعسة التي كانت تنتقل ملكيتها للمرة الخامسة للحرب.". (مذكرات رومل ثعلب الصحراء  ج2 ص71).

10- وتتعرض بنغازي إلى القصف..بحرا وبرا وجوا. والتجأ أهلها إلى القرى المجاورة هربا من نوازل تلك الحرب التي لا تربطهم بأطرافها صلة وليس لهم في أمرها شأن، ولاذ بعضهم بالأقبية.. خربت المدينة وحل بمرافق الحياة فيها الدمار، وتعرض سكانها للجوع والتشرد والمرض والعري... وكان قدر بنغازي أو (سوء حظها) كما جاء في وصف رومل لها بالمدينة.. (التعيسة) أن تتحول إلى معبر تجتاحه أقوى القوى العالمية المتحاربة تبادلا لخمس مرات.

11- بعدت الحرب عن البلاد بعد انتصار مونتجمري على قوات رومل في العلمين، وأعلن عقب دخول قواته الأراضي الليبية 11 نوفمبر 1942 عن قيام الإدارة العسكرية البريطانية  في برقة... "لقد استولت القوات البريطانية المسلحة على برقة وستقوم على إدارتها إلى نهاية الحرب إدارة عسكرية بريطانية، والمقصود من نهاية الحرب هو عقد معاهدة صلح بين الدول المتحاربة، ولا تعني نهاية القتال في برقة أو في شمالي إفريقية فحسب". (ليبيا الحديثة ص 56).

12- وضعت الحرب -كما يقال- أوزارها وبعدت عن ألبلاد أضرارها، وأخذ أهل بنغازي في العودة مترددين إلى مدينتهم يتفقدون المتبقي من منازلهم، والمبعثر من أسباب معيشتهم، يعانون قلة الزاد، ونضوب المورد، ويواجهون الفقر، ولم تكن بيوتهم مزودة بالماء في ذلك الحين أو الكهرباء.

13- الحاجة إله جائر يقول كاليماخوس،... والحاجة قوة دافعة تتفجر بها الطاقات.. وتحركت قدرات أهل بنغازي العائدين إلى مدينتهم المبتلاة بالدمار، وكان عليهم الاعتماد على أنفسهم، إذ ليس يوجد من يعنيه شأنهم، أو يباشرهم بمشاريع لإعادة إعمار. بنغازي المدينة التي تتوسط البلاد تعتمد في مواردها على التجارة ومعظم سكانها هم من التجار، والتجارة -كما يقال- توقد مشعل الرخاء وكذلك الحضارة، رمموا بيوتهم وأسواقهم واستجلبوا بأسلوب التجار لمتاجرهم بضائع، وافتتحوا لمزارع القرى المجاورة ومنتجاتها من الحبوب والخضروات والمواشي الفندق، وسرت في أطراف بنغازي العافية.

14- وللعملة وجه آخر، تمثله أهل بنغازي بارتياح وتبين للنابهين منهم ما هم أصبحوا عليه، لقد أودت الحرب بالوجود الإيطالي الجاثم على أرض البلاد المتشبث بالبقاء. وهناك مستقبل للإستقلال تتراءى معالم له  يستوجب المسعى ويتطلب الإعداد لنيله والوصول إلى تحقيقه... وتلك كانت البداية لمرحلة... لحقبة تاريخ.. لزمن له من المحاسن.. وعليه الكثير من المآخذ... وعلى جدران بنغازي المتصدعة  تنقش الحروف لكلمات تضيء مستقبل التاريخ.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2131
بنغازي - الثلاثاء 12 ديسمبر 2015

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com