http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

مفتاح الاربش: مياه الصرف... كيف يمكن معالجتها طبيعيا وإعادة استعمالها؟

ليبيا المستقبل 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الماء بالنسبة لليبيا هو سلعة نادرة وعلينا المحافظة على كل قطرة منه. علينا استغلال عوامل الطبيعة الخصوصية التي تتمتع بها ليبيا لتنظيف المياه الملوثة بيولوجيا مجانا واعادة استعمالها.



علينا الابتعاد عن النمط التقليدي الخاص بمعالجة المياه العادمة الذي ابتُكِر في بديات القرن الماضي في اوروبا واميركا، وحيث انه يعد ابتكارا رائعا ولكنه ابتُكِر خصيصا ليخدم تحت ظروف طبيعية تخص اوروبا التي لا تكمن بهما القدرات الطبيعية الصحراوية والشمس الساطعة المتوفرة بمنطقتنا. هذه الخصوصية الطبيعية تفتح الطريق امامنا واسعا وسالكا لتمكننا بان نبتعد عن ثقافة وعادة القص واللصق. علينا ان نبتكر طرقا تولد من رحم طبيعتنا تتماشي وظروفنا المائية وجغرافيتنا الصحراوية وتلائم المعطيات المناخية والبيئية والمائية المحلية، توفر لنا تكاليف انظمة يمكن استبدالها بما هو اعلى منها في الجودة التقنيّة والاقتصادية. ندرة عصب الحياة هذا "الماء" في بلادنا تجعلنا نفكر مليا في كيفية المحافظة على كل قطرة منه لأنه في الحقيقة والواقع هو اغلى من الدم الذي هو مصدره، وبدون الماء لن يبقي الدم ولن نكون.

ليس لدينا شح في المساحات الارضية الخالية مثلما هو الحال في اوروبا المقيدة باستخدام الحد الأدنى من الأراضي بسبب ندرتها وارتفاع تكلفتها. الطقس البارد نسبيا بالإضافة إلى الغطاء النباتي عاملان هامان من عوامل اخرى دفعت الاوروبيين لابتكار نظم معالجة مياه الصرف بما يلبي حاجتهم وفق الظروف الاجتماعية والمناخية هناك. ولهذه الاسباب ابتكروا الطرق المثلى التي تلائم ظروفهم واستغلوا التكنولوجيا المتاحة لجعل صرف المياه العادمة صحيا.

يمكننا مغادرة الطرق الكلاسيكية المتبعة في اوروبا والتي تُنقَل إلينا معلبة لنفتحها ونحملها على ارضنا وفق تعليمات التركيب دون الأخذ في الحسبان ظروفنا المائية الشحيحة والمناخية والجغرافية الملائمة لحلول اكثر كفاءة واقل تكلفة، وخاصة المساحات الشاسعة من الصحاري القاحلة التي تزخر بها بلادنا والتي تستطيع استيعاب كل مياه الصرف المنزلي وتخزينها إلى حين.

لا تصدر روائح كريهة من محطات معالجة المجاري في اوروبا بينما تصدر روائح نفاذة من هذه المحطات ببلادنا..لماذا؟ برودة الطقس نسبيا بأوروبا تسبب في خمول البكتيريا الهاضمة للمواد العضوية ولا تستهلك كل الاكسجين المتاح وتبقى البكتيريا الهوائية فقط في ساحة المعالجة ولا تنتج غاز كبريتيد الهدروجين مصدر الروائح الكريهة، والذي يظهر في العادة بعد استهلاك  كلما هو متاحا من اكسجين. بينما في الاجواء الساخنة والشمس الساطعة تنشط البكتيريا وتستهلك كل الاكسجين المتاح في فترة قصيرة فتموت لتتولى البكتيريا اللاهوائية الدور فيظهر الغاز الكريه.

ونظرا لعدم اكتمال عملية الهضم في غياب الاكسجين فان معالجة مياه المجاري كما هو عليه الحال في الوقت الحاضر بليبيا واستعمالها في ري مزروعاتنا برهن بانه عمل عبثي ويحمل في ثناياه مخاطر صحية جمة. ولا يمكن السيطرة على محتويات المياه الخارجة من نظام المعالجة هذا في كل الأوقات وضمان سلامتها. ضف إلى ذلك التكاليف الإنشائية الباهظة لمحطات التنقية هذه وتكاليف التشغيل والصيانة العالية المرتبطة بها وما تتطلبه من مواد تشغيل وقطع غيار مختلفة.

مياهنا العادمة هي في الحقيقة مياه عذبة مصدرها الاصلي الخزانات الجوفية ومحطات التحلية، يتم تحميلها بمواد عضوية إثناء الاستهلاك المنزلي لتصبح غير ملائمة للاستعمال البشري المباشر مرة اخرى. إذاً، هي مياه يمكن ان تصبح صالحة للاستعمال وبدون المرور على محطات التنقية التقليدية. كيف؟.. يضخ كل تجمع سكاني وخاصة بالشريط الساحلي مياهه العادمة إلى اقرب مساحات صحراوية إليه. بعد وصولها الى الاماكن المحددة تمر هذه المياه بعملية تنظيف وتطهير مبدئية تستغرق عدة ساعات، بعدها تنتشر على الارض المجاورة وترشح لتستقر في الخزان الجوفي السطحي بعد ان تمر بطبقة سميكة من التربة، التي تعمل كمرشح طبيعي عملاق يضمن مزيدا من التنظيف والتطهير، ولترجع هذه المياه لدورتها الطبيعية وتصبح ملائمة للاستعمال مرة اخرى. وحيث ان مياه الصرف ستكون متجددة نتيجة الضخ المستمر فان ذلك سيوفر بيئة ملائمة لنمو النباتات وخاصة حقول القصبة (Reed beds). نتيجة التجاويف التي بجذور وسيقان هذه النبتة  واوراقها الغضة الخضراء الكثيفة، فان قدرا كبيرا من الأكسجين يسري إلى عروقها ويختلط مع المياه المستعملة ليكون بيئة مائية هوائية تمكن العلاج الطبيعي بأن يتم في جو هوائي اكسيجيني يُغَيِّب الروائح المرتبطة في العادة بمياه وخزانات المجاري. ويمكن ملاحظة ذلك في الحقول النفطية حيث تصدر الروائح من مواقع الصرف الجديدة بينما اختفت تماما بحقول اخرى مباشرة بعد نمو نبات القصبة بمواقع الصرف.  ويقوم هذا النبات بتطهير المياه الراشحة إلى الخزان الجوفي، والتي يمكن سحبها بكل امان في أي وقت من مسافة تبعد 150 او 200 متر من حافة المياه الأقرب لموقع بئر السحب، واستعمالها مرة اخرى لأغراض الزراعة وحتى للاستعمال المنزلي.

وللدلالة على فعالية التربة والزمن في تنقية وتطهير مياه المجاري فأن معظم سكان مدينة طرابلس مثلا يستعملون الآن مياه الآبار المنزلية للغسيل في معظمها، وكثير من مياهها هو ما تم تخزينه بالخزان الجوفي كرشح من الآبار السوداء التي سادت قبل انشاء شبكات الصرف وخاصة بالمناطق الشعبية مثل بوسليم والهضبة والرياضية وغيرها. وسيجنب صرف المياه العادمة في الصحراء واستعمال حقول القصب في المعالجة كثيرا من التكاليف. ربما توفير تكاليف صيانة وتشغيل محطة التنقية التقليدية لمدة معينة يصبح كفيلا بتغطية الاستثمارات الإنشائية اللازمة لتوصيل خط انابيب مناسب إلى اقرب بقعة صحراوية وإنشاء محطة ضخ عند بداية الأنبوب لا غير، ناهيك عن التكاليف الباهظة لإنشاء محطة التنقية نفسها.  

وبهذه الطريقة يمكن ان تلتحم مناطق الصرف الخاصة بالتجمعات السكانية المحاذية للشريط الساحلي ببعضها البعض لتكوِّن حزاما أخضرا ومحمية طبيعية تمتد من شرق ليبيا إلى غربها.

بدأ الأوروبيون يتطلعون إلى العلاج الطبيعي لمياه المجاري البلدية والصناعية باستخدام حقول القصبة منذ تسعينيات القرن الماضي، وهناك جهات  بلدية وخصوصية كثيرة تستغله منذ سنين في معالجة مياه المجاري العمومية والصناعية رغم عدم ملائمة المناخ لنمو القصبة بنفس الغزارة كما في جوِّنا الصحراوي.

ونظرا للحاجة الماسة لإعادة استعمال كل قطرة من المياه في ليبيا ينبغي تخطي المحطات التقليدية لتنقية المجاري وتجنب رمي مياه الصرف بالبحر، والعمل على إعادة هذه الثروة المائية للخزانات الجوفية خاصة وانها تتطهر بالكامل من كل الميكروبات بعد مرورها بالتربة في طريقها إلى المائدة المائية وبعد بقائها هناك فترة حجر معينة عندما لا يتوفر نبات القصبة بالموقع. وبهذه الطريقة يمكن الحفاظ على ثروة مائية كبيرة بالإضافة الى بناء حزام اخضر في نفس الوقت يمتد من جنوب العسة إلى جنوب امساعد.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8397

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com