http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

رأفت الخراز: الشك والعدالة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 18 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الشك والعدالة*




(بودي لو انتشلك يا أمنيتي من هذا الانتظار ونهرب سوياً إلى عالم وردي) بهذا خاطبها في نفسه وهي تمر بجواره تتسوق في شارع جمال عبدالناصر صحبة رفيقات لها. أشرقت عليه فجأة كشمس من بين رباب. نظرت في عينيه فتذكر أيام كان يعينها على دروسها وهي صغيرة. الآن.. ازدانت بشرتها بماء الشباب وتشكل قوامها غضاً وبهياً..في نظرتها خليط من العرفان والاعجاب. غض بصره قسراً وقال في نفسه. (كم أتمناك زوجة يا "ريم").

***

مرآها أرخى قيد خياله فسافر من شوارع حيه المتربة إلى بلاد تسكنها الملائكة. هناك هي زوجته والدنيا ترعاهما بفيض من النعيم. ليست كاللاتي يعرفهن. ليست بالتي يقنع منها بالوقت القصير والعناق الخفي..كالأخريات. مثلها جديرة لو تشاركه عمره وطباعه. تمتزج بعرقه ودموعه.


***

اصطلى بنار الحياء وهو يخاطب أمه في الأمر. بدا له طلباً نابياً لولا الشرع وسنة الرسول. عرفت العروس فوراً بحكم جيرة حي سيدي حسين الطويلة. سعدت وزغردت. وما هي إلا أشهر قلائل حتى وجد نفسه و "ريم" في منزلهما على فراش واحد.

***

أنجبت منه ابنتين فكثرت المسؤوليات والركض بات يومياً. العادة كائن خرافي لا يغلب. علاقتهما أضحت رتيبة آلية. وطاغية بدأ يعتلي عرش زواجهما أسمه الصمت.

***

حقيبته التي تحوي مستندات إجراء عليه أن يتمه اليوم نساها في المنزل صباحاً، إذ خرج متعجلاً بعد أن أخره النوم. أضطر أن يعود على عقبيه فور تذكره إياها. ترنمت المفاتيح في قفل الباب معلنة عودة طارئة. وجد زوجه أمامه مستلقية على المقعد في ارتخاء واضح وقد أغلقت سماعه الهاتف بعجلة وفي عينيها دهشة وذعر غطتهما بادعاء النعاس.

- لقد نسيت حقيبتي.
- أجل..في المطبخ فوق الطاولة..تكاد تنسى اسمك.
- مالكِ استيقظتِ باكراً اليوم؟
- وهل ينام انسان وسط الضجة التي يحدثها خروجك كل صباح؟

في نبرتها دعابة جعلته يصطنع ابتسامة وهو يمضي قائلاً:

- أعدي غداءً طيباً فأمامي يوم شاق.

***

أغلق الباب جالساً خلف المقود. اتخذ طريقه إلى الهواري حيث الشركة التي يعمل بها دون أن يرى شيئاً فكانما السيارة تتحرك وحدها. تراجعت الصور في ذهنه معيدةً ما حدث والحوار. (مع من كانت تتحدث عند دخولي؟ لماذا أغلقت الخط بسرعة ولم تستمر في الحديث؟. كان في عينيها ذعر من أُخذ بغتة متلبساً بجرم) تمنى لو كان غبياً.

***

(أتراه أرتاب في الأمر؟) بهذا هرع السؤال مخترقاً طمأنينتها (لماذا سألني عن استيقاظي الباكر؟) اقشعر ظاهر عنقها ولم تجب (أعرف ابتسامته الحقيقية جيداً. كانت مصطنعة تلك التي رسمها على شفتيه بينما جبينه مقطباً).


***

(تظاهر بأنك ستسافر خارج البلاد لفترة ثم عد فجأة كلا..انها حيلة قديمة. ليس من عادتي السفر بدونها وليست هي بالحمقاء لينطلي عليها مثل ذلك. من الحكمة تجاهل الأمر برمته طالما أنه في نطاق الشك لم يزل. ولكن..أنَّى لفؤاد عرف الشك راحة؟)


***

أخيراً جمعت شتات فكرها وتناولت الهاتف تدير رقماً. جائها صوت الآخر عبر الأسلاك عبقاً بالطمأنينة. قالت له:

- دخل عليَّ فجأة وأنا أحادثك. جف دمي.

ضحك برصانة وقال:

- خمنتُ ذلك فلم أعاود الاتصال.
- أخشى أنه لاحظ شيئاً.
- لا تكوني جبانة. وأخبريني متى أراك؟

- أقول لك جف دمي. تمهل حتى أرى ما هو فاعل. لا تتصل بي نهائياً حتى أكون البادئة فإني هذه المرة توجست في عينيه أمراً.

***

إلى موعد تناول العشاء لم يتحادثا تقريباً. فعند عودته تغدى نصف جالس لينام ساعة. بعدها احتسى قهوة وخرج. أول الليل هو الوقت الوحيد الذي يتجاذبا فيه أطراف الحديث دون عجلة. التلفاز يعرض شرطاً قديماً باهتاً. "ريم" تداعب شعر احدى ابنتيها بينما انبطحت الأخرى بجوار الجدار نائمة. حرص على ابقاء سيمائه طبيعية فبالغ حتى بدا مرحاً. قبل أن تنام تذكرت قولاً سمعته ضحى اليوم: لا تكوني جبانة.

***

(أسيطر على اعصابي بدرجة امتياز. ما لم استطعه رغم محاولاتي الكثيرة شيئاً واحداً.. أن أمسها ولو بقبلة. مسامي تنفر منها كأنها أمست حشرة. فلتنته هذه المهزلة بأي طريقة حتى لو كانت الكارثة).

***

- كل شيء على ما يرام. لم يلاحظ شيئاً.
- كم اشتقت إليك. هل تأكدتِ الآن؟

- أجل. راقبته جيداً طيلة هذه الفترة. بدا طبيعياً تماماً. أعرفه. تصرفاته عاجزة عن كتمان أي أمر يعتلج في نفسه مهما تفه. كنت حقاً جبانة.

ضحك برصانة وسألها:

- متى نلتقي؟

***

اطمأنت الى خطأ توجسها ومضت في شأنها غير عابئة بشيء. عشقت الخطيئة حتى أدمنتها. أما هو فكاد أن ينجح في تناسي الأمر.. حتى كانت ليلة...

استلقى يتهياً للنوم ملقياً ذراعه بارتخاء فمست أنامله حافة منفضة تبغ مدسوسة تحت السرير. كانت "ريم" في الحمام تغتسل. اخرج المنفضة فاذا بها تحوي عقب لفافة. دخن طويلاً أيام كان أعزباً ثم أقلع - منذ سنين - إذعاناً لالحاح زوجته بالذات، فهي تكره رائحة التبغ. من أين أتت بقايا "سجائر" في غرفة نومهما مخبأة تحت السرير؟!

تذكر قوله لها قديماً: (بودي لو انتشلك يا أمنيتي من هذا الانتظار ونهرب سوياً إلى عالم وردي) أيام كان يقضي مع سواها الوقت القصير والعناق الخفي..ضرب الجدار بعنف حتى أنّت قبضته. وتخيل عيون ابنتيه وقد تيتمتا.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8459
rr.alkaraz@gmail.com
بنغازي 01-1996

* إحدى قصص المجموعة القصصية التي لم تنشر بعد: (المرأة لا تخدع مرتين).

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com