http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

التصفيق

مركز الجنوب الليبي للدراسات 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة



 

حين اقترب من بابه وسمعه يصفق في الداخل بقوة وقف للحظة ثم تقدم بهدوء ومد وجهه ليرى ماذا يحدث في الداخل . كان الخفير يعطيه ظهره ووجهه لتلفزيون قديم من نوع “داو” ، وكان وقفاً ويُصفق بعنف حتى خال لـ أحمد كما لو تياراً كهربائياً قد لسعه تحت قدميه ، وكان تلفزيونه يبث مؤتمراً صحفياً مشتركاً من تونس ، فدفع الباب الموارب ودخل ووضع ما كان بيديه على كرسي قريب خلف الباب ووقف إلى جانبه وصار يصفق مثل الخفير أو أقوى منه . والحقيقة أنهما كان يجهلان مصدر هذه القوة التي جعلتهما يصفقان بهذا الشكل السريع والمستمر دون توقف ، حتى أنهما ما كان يستمعان إلى أسئلة الصحفيين ولا إلى الأجوبة وكل ما كان يفعلانه هو أنهما فقط يقرءان أسفل الشاشة الصغيرة ماذا قالوا ويصفقان أكثر لما يقرءان ، وكان أحمد سعيداً جداً بفكرة التصفيق الجماعي ساعة تراجع خطوة دون انقطاع عن التصفيق ليرى إن كان أحداً في الخارج يمكن أن يشاركهما التصفيق ويكونوا ثلاثة أو اربعة بدل اثنين ، ذلك أن التصفيق الجماعي لمثل هكذا مؤتمر هو في الواقع دعم كبير لهذا اللفيف الليبي الموجود في تونس ، خاصة حين قراء أسفل الشاشة أنهم في حاجة إلى تصفيق الناس.

كان الخفير ويحاول أن يجاري أحمد في التصفيق حين شعر بتفوقه عليه ليس فقط في قوة التصفيق بل حتى في الطريقة الفنية التي يصفق بها ، لكنه فشل ولم يستطع أن يصنع تلك الحركة الفنية التي يشكل بها أحمد يديه ليُصدران صوتاً فنياً ظن أنه يصل إليهم في تونس ، وتعزز ظنه أكثر حين بدت على وجوههم وهم يجيبون على أسئلة الصحفيين شيء من الطرب والسعادة ، وقال في نفسه ربما يكون طربهم لأنهم سمعوا وعرفوا ان هناك في ليبيا مَن يقف إلى جانبهم ويصفق لهم ، ومَن يدري أن لا يكونوا قد عرفوا أن أبسط الناس هُم الذين يصفقون لهم ، وقال ايضاً ، رغم المسافة البعيدة التي تفصل “سبها” ( حيثُ يصفق أحمد والخفير ) عن تونس العاصمة ، إلا أن تصفيق هذا الخفير المُسن لا يُقاس مداه بالميل ولا بعضلات زنده بل بسنوات عمره الموغلة في ماضي لم يحدث أن صفق فيه أبداً ، ولو كان هذا التكهن دقيقاً من أحمد فمعنى ذلك أن تصفيقه سوف يتعدى تونس العاصمة ، ذلك ان الأيادي التي لم يحدث لها أن صفقت في ماضي لا شيء فيه سوى التصفيق لها من المخزون ما يصل مداه حتى إلى الصخيرات وإلى روما اللتان يقعان أبعد من تونس . وكان هذه الفلسفة التصفيقية التي وردت على بال أحمد وهو يصفق قد دغدغت مشاعره وبثت فيه حماساً اكبر انعكس أثره مزيداً من التصفيق . فتقدم خطوة عن تلك الخطوة التي رجعها قبل قليل حين لم يجد أحداً في الخارج ، وعاود الوقوف إلى جانب الخفير ، وكل ذلك حصل دون توقف عن تأييد الاتفاق ودون أي خلل في الموسيقى الفنية التي كان يصنعها بتصفيقه الموازي والمحاذي لتصفيق الخفير ، ليكتشفا فيما بعد أن هناك مَن وقف في الخارج مستمعاً ومختبئاً خلف السيارات القريبة حتى لا يُفسد هذا التناغم الذي يحصل بينهما ، بل أن هناك مَن اقترب من نافذة الخفير ليسرق لهما صورة من وراء الزجاج ، ليريا بعدها أشكالهما المشجعة للإعلان الاتفاق بين طرابلس وطبرق ، وحين انتهيا من تصفيقهما الحار كان المؤتمر الصحفي يلملم أطرافه وينسحب منهياً ومجيباً على كل أسئلة الصحافيين ، وكانت السعادة التي بدت على وجوه الطرفين تملأ التلفزيون ويفيض منها إلى داخل دار الخفير ، وكانت داره التي قبل وقت قريب حزينة جداً صارت مترعة بالسعادة ويفيض من نافذتها المكسورة إلى الخارج ، في حين التفت أحمد ورأى العرق يتصبب من الخفير جراء التصفيق العنيف الذي كان يمارسه ، ولابد انه شاهد عرقاً يتصبب من أحمد جراء مشاركته له في التصفيق ، وقال أحمد انني أخشى من التفاصيل فقال له لا تخشى من شيء ، وقال أحمد ألا يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل ؟! فقال له إن الشيطان مات منذ سنوات وتحلل حتى جسده وليس بمقدوره أن يدخل في التفاصيل ، وقال أحمد لكن الشياطين لا تموت وقد أجل الله موتها إلى يوم نبعثون فقال له لا توجد شياطين لا تموت وكل ما هنالك هو عدم ثقة وشك بين طرابلس وطبرق إذا مات الشك صارت لنا دولة وحكومة واحدة ، وحين عاد أحمد وأخذ ما ضعه على الكرسي خلف الباب وهمَّ بالانصراف سمعه يتكلم في التلفون مع أطفاله ويُخبرهم عن طبرق وعن طرابلس ، لكنه لا ينكر أن تصفيق الخفير المؤثر لم يبدد توجسه من التفاصيل ومن الشياطين معاً.    

للكاتب /ابراهيم عثمونة  




شاهد الخبر في المصدر مركز الجنوب الليبي للدراسات




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com