فيسبوك اخبار ليبيا

نوستالجية معتوق أبوراوي : من القره بوللي الي غرناطه

بوابة افريقيا 0 تعليق 74 ارسل لصديق نسخة للطباعة



  النوستالجية كلمة يونانية الأصل تعني الحنين و الشوق بمعناه الواسع ، الذي يشمل حنين المغترب إلى وطنه و شوقه إلى أهله و أحبائه و حنين الانسان إلى ماضيه الجميل الذي يفقده و قد يعبر المرء عن عاطفته بشكل مباشر عند ذكره لأي من هذه الأشياء و قد يعبر عن ذلك غير مباشر في بعض أقواله أو تصرفاته أو مظاهر إبداعه فيظهر أثر هذا الحنين ، و لقد  أستعملت في اللغات الأوربية و حملت المعنى ذاتع و تسرّبت الكلمة في خجل إلى العربية ، وظلت تعامل بوصفها من الألفاظ الدخيلة ، لكن دلالتها و تعبيرها عن الحالة التي بين أيدينا تجعلنا نستعيرها لمتابعة مسيرة الفنان المبدع "معتوق محمد أبوراوي" صاحب الريشة الرفيعة التي تتحدث لغات الدنيا و تلفت أنظار النقاد العالميين فتجعل كثيرين منهم يشيدون بأنامل و روح صاحبها الذي أينما يحط   يأسر القلوب برسوماته البديعة لاسيما و أنها تحاور العقل و يجهل البعض أن أصل هذه الريشة التي تجولت مدن و عواصم أوربا و أمريكا الجنوبية  قد ولد في قرية صغيرة وادعة تُسمّى القره بوللي تقع على بعد 60 كم شرق طرابلس ، و لهذه القرية نصيب من التاريخ القديم فهي قد وردت في جغرافية كلاوديوس بطليموس - القرن الثاني لميلاد المسيح -  تحت اسم مرسى أو ميناء جفارة   Γαφαρα Λιμην / Gafara الذي يضع موقعها بين الشقيقتين الفينيقيتين لبدة الكبرىLeptis Magna و أوياOea ( طرابلس القديمة ) و وردت قبله لدى سكيلاكسScylax ( القرن الرابع ق.م.) بالاسم نفسه ، و تكرر ذكرها في نهاية العـــــهد الــــــقره مانللي عندما بُني بها قصر سُمّي قصر القره بوللي ، ربما لأن من شيده ينحدر من مدينة جاليبولي / قاليبولي Gallipolis التركية فنسب إليها ، و ربما يؤصل اسم  القرية  واسم مدينة جاليبولي من اللغة اليونانية القديمة فيعني المدينة الجميلة Καλη πολις أو ربما ينحدر من مدينة كارابورون Karaburun التركية و معناه في اللغة التركية الرأس الأسود ، و كانت (جفارة ) في العهد القره مانللي ناحية من نواحي طرابلس تحت اسم جفارة الشرقية ، أمّا في بداية الاحتلال الإيطالي لليبيا فقد مُنحت اسم   Castelverde   و تعني القصر الأخضر أو القلعة الخضراء تشبيها لها بمدينة بالاسم نفسه في إقليم لومبارديا بشمال إيطاليا ,، وفي نهاية العقد السابع من القرن الماضي رأى بعض الناصريين في المنطقة و خارجها منحها اسم مدينة ناصر ، و وردت في العمل الغنائي للفنان  الليبي محمد حسن ( رحلة نغم) بهذا الاسم ( (مدينة ناصر تبان خضراء سوانيها و هلها بكل حنان يلاقو اللي يجيها ) إلا أنها سرعان ما أعادت اسمها القديم القره بوللي و مازالت تحمل هذا الاسم .

في هذه القرية ولد معتوق في 1966م. عندما كان يسكنها عدد قليل من الأسر الليبية وبعض العائلات الإيطالية من المستوطنين الذين جلبهم إيتالو بالبو Italo Balbo بداية الثلاثينات مثل عائلة ديليكاتو Delicato التي كانت تملك مزرعة كبيرة تحوي مئات أشجار الزيتون و كانت ابنتهم  الكبرى المسمّاة لوتشاناLuciana  تدير حانة صغيرة في مركز القرية و ظلّت تسوق سلعتها حتى الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 1969 حيث خرج المصلون من صلاة الجمعة وتوجهوا مباشرة إلى الحانة و حطموا بابها و بدأ الأطفال و الشباب يحطمون زجاجات الخمور ليتم القضاء نهائيا على محتويات الحانة و لقد سبقها في هذه المهنة السيّد باولو Paulo الذي يحكي عنه بعض جيرانه من تجار القرية أن سيارة مصنع الخمور كانت تجلب له كميات كبيرة أسبوعيا بينما لا تجلب سيارة مصنع مشروبات البيبسي كولا و الميرندا إلا صناديق معدودة لا يستطيع بعض البقالين في ذلك الوقت تسويقها خلال الأسبوع فأثار الفضول هؤلاء التجار فسألوا تاجر الخمور ( أين ومتى تبيع هذه الكميات التي تأتي أسبوعيا يا باولو ونحن لا نرى زبائن يترددون على حانتك ، فأجابهم : باولوابيع في الليل من الروشن ( النافذة ) كلهم يأتون من النافذة الخلفية للمحل و يشترون بل أن بعضهم يقايض الزجاجة بديك أو دجاجة .
كانت المحلات التجارية في القرية  التي توسطت الكتبان الرملية وأشجار النخيل ومزارع الزيتون الذي غرسه المستوطنون الطليان زمن ولادة معتوق عبارة عن بقايا بناءات الإيطاليين أو تلك المبنية بالصفيح المعدني أمّا المساكن التي يقطنها الليبيون من أبناء القرية هي الخيام أو الأكواخ المبنية بالخوص قبل أن يستطيع بعضهم بناءها من الصفيح المعدني و لم يتجاوز عدد البيوت المشيدة بالطين أو الحجر الرملي أو الحجر الاسمنتي في بداية الستينات أصابع اليد الواحدة ، وكان بها مستوصف قروي لا يقدم سوى الإسعافات الأولية و لا يتردد عليه الطبيب إلا يوم أو يومين في الأسبوع ، وكان بها مسجد واحد شُّيد في ثلاثينات القرن العشرين بحجارة جلبت من فيلات رومانية تقع على شاطيء البحر ، ثم شيّد مسجد أخر عام 1966م. ، و كان شأن التعليم في هذه القرية شأنه في القرى الليبية الأخرى حيث يتجه أغلب الأطفال إلى الكتاتيب ( مدارس تحفيظ القرآن ) لاسيما و أنه لم يكن بالقرية و محيطها سوى مدرسة ابتدائية واحدة كان التلاميذ يأتون إليها من جميع الضواحي و قد اتخذت من مباني الحكومة الإيطالية مقرا لها ثم نُقلت إلى المبنى الإداري لمعسكر الجيش الايطالي عندما شملت المرحلة الاعدادية .
 

 

 

      لقد كانت حياة القرية في هذا الزمن نهارية إذ لم يعرف مواطنوها الكهرباء في أكواخهم و خيامهم أو في البيوت القليلة التي شيّدت قبل 1970 لأن القرية كانت تعتمد على مولد واحد يعمل بوقود "الديزل" يشغّله الفني المختص لساعتين أو ثلاث ساعات بعد غروب الشمس لإنارة المستوصف و مركز البوليس و مساكن الطليان و بيتين أو ثلاثة من بيوت الليبيين .وكانت القرية مركزا تجاريا لسكان الريف المحيط بها الذي يقطنه الفلاحون والرعاة الذين يشكلون عدة قبائل ، و كان سكان هذا الريف و الأرياف المجاورة يأتون يوم انعقاد السوق و هو يوم الأحد  حيث ينصب بعضهم الخيام و المظلات لبيع ما يجلبون من منتجاتهم الزراعية و الطيور وبيضها  و الحيوانات وجلودها ليشتروا بدلا منها السلع التي يجلبها الباعة القادمون من العاصمة والمدن الكبرى البعيدة .
كان أغلب سكان القرية والريف المحيط بها يعتمدون على الخبز الأسمر الذي تعده النساء في الأفران التقليدية و يستعملون فيه حطب الأشجار الغابية الكثيرة المنتشرة حولهم لذلك فقد كان المخبز الوحيد في القرية لا ينتج إلا بضع مئات من الأرغفة قبل أن تتحسن أحوال المواطنين و تتاح فرص العمل مع نهاية العقد السادس من القرن الماضي .
بالرغم من قرب القرية من شاطيء البحر الذي لا يبعد عنها سوى 5 كم. تقريبا إلا أن السكان لا يصلون إليه إلا بصعوبة لأن الكثبان الرملية كانت حاجزا بين القرية و البحر ( الذي صادقة معتوق في يومياته) ، و كانت تنارة صيد الأسماك مشروعا استثماريا للإيطاليين و لم يعرف السكان طعم الأسماك لطبيعتهم البدوية و تفضيلهم اللحوم الحمراء و كانت رحلة وصولهم للبحر شاقة و لذلك كانت علاقتهم به نادرة .
هذه هي حالة القرية قبل ولادة معتوق ، و ربما بُعيد ولادته بدأت آثار اكتشاف النفط تُغّير من ملامح القرية فشُيّدت البيوت بالحجر الرملي و دخل الاسمنت ضمن مواد البناء و شُيّدت مدرسة عصرية افتتحت عام 1968 و بُنيت بعض المساكن الشعبية ضمن مشروع ادريس للإسكان و صارت مدرستها الابتدائية القديمة خاصة بالمرحلة الإعدادية ، فوجد معتوق القرية في حالة أفضل و شاهد الشاحنات و العابرين وهم يمرون من القرية في السيارات العصرية و الحافلات و هي تقف في المحطة الخاصة بها لينزل منها الركاب القادمون من العاصمة وشاهد سوق يوم الأحد و رواده  قبل أن يلتحق بالمدرسة ،
 

 

 

ورافق والده الذي كان يرتدي جرده الشتوي أو الصيفي و يبيع الفواكه الموسمية مثل البطيخ والبرتقال في مركز القرية قبل أن يشتري سيارته البيجو 404 نقل و يجعلها محله المتجول لبيع الفواكه  ففهم منذ صغره صعوبة حياة الفقراء و عرف معنى النزاهة و كسب قوت اليوم من عرق الجبين لأنه تابع انتظار والده ساعات اليوم لمرور المسافرين ليشتروا كميات من سلعته تضمن قوت أخوته لاسيما وأن عدد سكان القرية كان  قليلا و قدرتهم الشرائية محدودة ، و صنع معتوق و أقرانه الأكياس الورقية التي اعتمدوا فيها على الأوراق النظيفة التي تتوسط أكياس الاسمنت بعد لصقها بالغرين المصنوع من دقيق القمح و باعوها لتجار القرية ليشتروا بثمنها الحلوى أو البيبسي كولا  ، و رافق أحيانا جده الصوفي " الشيخ محمد الصفير هويدي" الذي كان يُرقي الأطفال و المرضى في الريف الذي يسكنه فشاهد بقايا آثار قديمة ربما كانت معاصر زيتون تعود للعصر الروماني فنالت إعجابه و ظلت تسكن ذاكرته و ربما وجدت صور كتلها الحجرية الضخمة طريقها إلى لوحاته .

 

       التحق بالمدرسة الابتدائية حديثة البناء و ربما كان حاله أفضل من الجيل الذي سبقه ، ثم انتقل إلى المرحلة الإعدادية ، و في هذا الزمن كانت حصة الخط والرسم تحظى باهتمام مقبول و يخصص لها كراسات خاصة و كلاهما يعد من المواهب التي تكتشف لدى التلاميذ مبكرا و تحتاج لتنميتها و تطويرها تخصصاً من المعلم الذي يُدرّسها و هو أمر لم يكن متوفراً في المرحلة الابتدائية و ربما توفر في الاعدادية لصاحبنا معتوق ، الذي يروي أن الأستاذ مصطفى الحصائري و الأستاذ أبوشعفة نتفة كانا من الذين أسهموا في اكتشاف موهبته الفنية و صقلها في المرحلة الاعدادية و كان لكلمات جاره المرحوم الأستاذ الحازمي المصباحي صدى في نفسه عندما كان يقول له أنت فنان ، كل ذلك جعله يُكثر من الخربشات و الرسومات في كراساته و جميع الأوراق التي تقع بين يديه ، استعمل الفحم وقلم الرصاص و أقلام الألوان الخشبية ثم المائية / الزيتية قبل أن يستعمل الريشة والألوان الزاهية التي مع استعماله لها بدأ في رسم اللوحات الجميلة التي كانت تنال إعجاب معلميه الذين يتذوقون الفن دون أن يعرفوا تفاصيل مدارسه ، لقد رسم لوحاته الواقعية التي تترجم ذاكرته الدهنية في سنين طفولته و مشاهد قريته ، الأشجار ، الخيام ، الحيوانات ، قليل من المباني التي لم تكن شاهقة ، السيارات القديمة ، الدراجات الهوائية ، ألعاب الأطفال المصنوعة من علب زيت السيّارات و  الأسلاك المعدنية  و جريد النخيل ، البشر من رجال  يرتدون الزي الشعبي أو ملابس العمل أو الحياة اليومية  مثل مشاهد جمع تمار الزيتون أو رعي الأغنام ، أو النسوة يرتدين ( الفراشية أو الأردية الملونة ) .
   لم يدرك أحد من زملائه وأساتذته في هذا المراحل أنهم كانوا يبذرون في زرع سيأتي أكله بعد حين في الضفة الأخرى من المتوسط ، لكن العبور إليها لم يكن في رحلة ضمن قوارب الموت التي غرست سكينا حادا في لوحات معتوق في الألفية الثالثة عندما خصص لها لوحات خاصة في يوميات القره بوللي سمّاها ( تأبين للمفقودين يتناول الهجرة غير الشرعية ) عندما شاهد جثث الأبرياء من الأفارقة يلفظها المتوسط و يعيدها إلى قارتها ، بل كان عبور معتوق عبر قناة أكاديمية أسست في مدينة طرابلس تحت مسمّى كلية الفنون الجميلة بجامعة طرابلس حيث التحق بدفعتها الأولى عام 1989 بعد أن كان طالبا في كلية الهندسة ليبحث عن ذاته فيجدها هناك و هي تحرك الريشة على القماش والخشب لترسم الماضي الذي يسكن ذاكرته فيشده إليه الحنين ( نوستالجية ) و الحاضر الذي يعيشه و الحلم الذي يتشوق إليه ( نوستالجية) و لقد كان أساتذة الكلية في ذلك الوقت من مدارس أوروبية مختلفة فصقلته سنين الدراسة أكاديمياً فعرف المدارس الفنية الحديثة وكانت دراسته محطة انتقال من المحلية إلى العالمية لاسيما عندما كلفه أستاذه الأمين عثمان بتوثيق المدينة القديمة بطرابلس فصّور الساكن فيها و المتحرك في واقعية متناهية ، رسم البشر و الحجر و لوّن الجدار والباب و لم يهمل خميسة طرق الأبواب ( كتلة معدنية في هيئة يد إنسان تُعلق في أعلى الباب يستخدمها الضيف أو القادم للبيت في طرق الباب )،

 

 

 

و أبدع في تفاصيل أزقة المدينة فكانت رسوماته تعبق بروح التاريخ ، ربما كان ذلك باعثا لتشجيع أساتذه و توجيههم له لاكتساب لغة جديدة لريشته ، لكنه لم يترك المحلية مباشرة ، بل بدأ في استعمال العالمية بحكم دراسته الأكاديمية لمدارس الفن و مشاهد أعمال العمالقة ، فنظر إلى الشمال ليجد أقداره تسوقه إلى هناك بعد تفوقه و تعيينه معيدا ثم سفره إلى إسبانيا ، حيث التحق بكلية  الفنون الجميلة بجامعة غرناطة ، و عاش في الأندلس و ربما قابل أناسا ممن مازالت تجري في عروقهم دماء بعض المهاجرين الشرقيين الأوائل من عرب و فرس و غيرهم ، اختلط بهم أحبهم و أحبوه فعشق الأندلس كلها و لم يشاهد مصارعة الثيران بالرغم من أنه رسم بعض مشاهدها !!! هل لأنه يكره الدم و ينبذ العنف حتى ضد الحيوانات ؟ أم إنها ( النوستالجية ) لأن ماضي معتوق كان في قرية آمنة مطمئنة لا يُظلم فيها إنسان أو حيوان مما جعله يكره ظلم الإنسان و نلمس ذلك في لوحاته التي تصور ضحايا الهجرة إلى الشمال الذين يلفظهم المتوسط ، وفي الأندلس نال درجة الدكتوراه ، و تعرّف أثناء دراسته على قامات فنية باسقة مثل رسام القصر الملكي في إسبانيا الفنان المشهور أنطونيو لابيث Antonio Lapez.
      وفي بداية الألفية الثالثة صارت لغة لوحاته عالمية ، أغلب رسوماته الجميلة التي نشرها أو عرضها في معارض بعواصم   أوروبية وأمريكية جنوبية كان يفهما سكان الشمال ممن يعرفون تفسير الرموز و دلالة الألوان و قليل من سكان الشرق العظيم ممن يعرفون مدارس الفن ، أمّا الغالبية العظمى  من محبي لوحاته في بلادنا فيعجبهم في يومياته الواقعية القديمة التي تسجل مشاهد حياتهم اليومية و تذكرهم بالماضي في قراهم الجميلة و ، هؤلاء و أنا أحدهم ، عندما يشاهدون لوحات معتوق ذات الدلالة الرمزية يترجمون جزءً قليلا من الرسالة التي يبثها فتجدهم يبحثون عن أي شيء يدل على شخوص اللوحة  و رموز الحيوانات و علامات صناديق ملابس الأمهات قبل أن يعرفن الخزانات ( قواردا روبا ) ، قد تعجبهم الألوان أو تبهرهم الإضاءة أو يحزنهم الظلام أو لون الدم ، لكن لا يترجمون الرسالة في المُخيّلة لأن الفنان امتلك لغة جديدة يتقنها فقط أولئك الذين عرفوا رسومات الصحراء الكبرى التي تعود لعصر ما قبل التاريخ أو رسومات الإغريق و الرومان التي تصوّر الآلهة  و الأبطال و البشر الفانين في القصور أو على أواني الفخار أو الذين عرفوا ايقونات بيزنطية و رسومات عصر النهضة و لوحات فناني القرن العشرين أمثال بيكاسو .
     للريشة لغتها كما للإنسان و هي مثل أية لغة يتعلمها النشء في بيته و يصقلها في المدرسة و يطورها في الجامعة و ما أن يتعلم لغة أجنبية حتى يبدأ في ترجمة أفكاره القديمة ثم قراءة آداب اللغة الجديدة و يشرع في تذوقها و بعضهم يمزج بين أدب لغته الأصلية واللغة المكتسبة في كتابته و هو ما فعله معتوق في لوحاته إذ بعد إجادته لغة المدرسة الرمزية ما زلنا نجد بصمات قريته الوادعة القره بوللي و صدى عواء ذئابها و ثغاء ماشيتها فنلاحظ الرمزية لحيوانات بيئته المحلية و ملامح الجدران قليلة الارتفاع ونوافذ طرابلس القديمة الضيقة في لوحات يوميات غرناطة ، إنه التثاقف بين الجنوب والشمال ، الذاكرة القديمة و المشاهدة اليومية .
لابد لمن يشاهد لوحات معتوق من التساؤل و البحث في صفحات تاريخه المبكر ، أين ولد و كيف كانت حياته اليومية ؟ كيف كانت صورة القرية التي عاش فيها ؟ ما هي المناظر التي تعوّد مشاهدتها يوميا ؟ ما هو مستوى المدارس التي تعلم  فيها مبادئ الكتابة و الرسم ؟ ما هي المؤسسة الأكاديمية التي صقلت موهبته ؟
لقد كانت رحلته من الجنوب إلى الشمال مليئة بالحنين ( النوستالجية ) لهذا الماضي الذي يراه جميلا و يحن إليه و لهذه القرية الوادعة التي يعشقها و يهيم يومياً ببحرها ليسجل يومياته على شاطئه فيزيد ذلك لوحاته روعة و جمالا ، و مليئة بالشوق ( النوستالجية ) لغرناطة التي أسهمت في شهرته العالمية ، فامتزج الماضي بالحاضر فنقش حلماً رائعا يرافق كل من يشاهد لوحات معتوق في أي معرض أو أية مناسبة لينام ليلته سابحاً بين أمواج بحر القره بوللي و خضرة ريفها و ألوان الأندلس الزاهية ليصبح في يومه التالي سعيدا بما رأى مترحماً على من ربّى  شاكراً لمن علّم و صقل صاحب هذه الريشة الذهبية ، شاعراً (بنوستالجية) لإعادة مشاهدة هذه اللوحات .
 

-------—--——

محمد المبروك الدويب
أستاذ الدراسات الكلاسيكية بقسم التاريخ و الآثار
كلية الآداب – جامعة طرابلس

-------—

Mohamed Edweb
Prof. of Classical Philology
Department of History & Arhaeology
Faculty of Arts / University of Tripoli-Libya

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com