http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

لا أحد منكم لا يعرفه

مركز الجنوب الليبي للدراسات 0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

 



 

 

أنا أحرك صفحات الفيس بوك وقفتُ عند صفحة ولد خالتي حين عرفتُ أن اليوم 15/1/2015 قد مر عام على وفاة والده فعلقتُ له بسرعة وعدتُ وكتبتُ هذه الأسطر على عجل قبل أن يفوت موعدها . لأقول عنه أن كل سبها تعرف والده ، وحتى مَن لا يعرفه عن قٌرب يعرف صورته من مسافة وبين يديه المصحف وهو يجلس على كرسيه البلاستيكي الأبيض على الجهة الأخرى للطريق المقابلة لمخبز “بوحجر” في المهدية . في مثل هذا اليوم انتقل هذا الرجل الطيب إلى جوار ربه وترك مكانه خال على جانب الطريق ليذكرنا أنه لن يخلد فيها أحد . حتى أنتم يا من تقتلون وتنهبون غداً ستتركون خلفكم أماكنكم وأموالكم وأفعالكم السوداء وتلحقون به لكنكم لن تسلكون دربه بل سيأخذكم انكير ومنكور مباشرة وينزلق بكم إلى جهة أخرى ، ويومها لن نبكيكم ولن نأسف بل سنمد ايدينا إلى الله داعينه بأن يزيد العذاب.

            في مثل هذا اليوم رحل الرجل الطيب الذي تزوج خالتي “مبروكة” قبل أكثر من خمسين سنة وجاء ليسكن معها في سبها ، فكانت بيتهما لنا أشبه بالنافذة التي نطل منها على الخارج ، حين نأتي من قريتنا المجاورة مع والدنا ونبقى في بيت الخالة ليومين وثلاثة ونعرف ونتعرف على سبها . ما زلت أذكر سبها الـ 1970 والـ 75 وأذكر ألعاب مفوضية الكشاف وملعب نادي الناشئين القريب من بيت المرحوم وأذكر السوق المحلي حيثُ دكانه والطريق الترابي الواسع والوصل بين المهدية وسوق اقعيد ، وما زلت أذكر أطعمة خالتي اللذيذة . كنتُ أقول لأمي إن أطعمتها أطيب وكانت أمي ترد عليَّ وتقول خالتك يا ولدي ولت بنت مدينة . جميعهم رحلوا ولم نبقى سوى نحن.

            بعد موت المرحوم بأيام طلبتُ من ابنه الكبير “عبد القادر الزروق” أن يترك الكرسي في مكانه ، فالناس يعرفونه ولعلهم حين يلتفتون ويجدون الكرسي خال يتعظون ويعظون غيرهم ، ولعل أولئك الغافلون يفيقون ويعيدون حساباتهم ، ولعل أولئك المسرعون يتمهلون فالسرعة لن تجدي ، ولعل مَن يكون في طريقه لارتكاب جريمة قتل يقف ويعود أدراجه . كنتُ أرغب لو بقيَّ الكرسي لعام آخر يُسَبِح في مكانه للمرحوم فينهى هذا سراً ويزم هذا ويردع هذا وينصح هذا.

            في مثل هذا اليوم رحل الرجل الطيب الحاج “محمد الزروق الشيخ” الذي عرفته باكراً من قبل حتى أن تتشكل ذاكرتي في مؤخرة رأسي الصغير ، واليوم حين أفتشها واقلبها أجد صورته من الأوائل فيها وأجد رائحة دكانه هناك في أقصى مكان في ذاكرتي وأجد حتى مذاق حلوته التي كان يعطيها لنا من دكانه في السوق المحلي ، واليوم أيضاً حين تقودني سيارتي من الطريق المجاور لمكان جلسته العتيقة في المهدية مقابل كوشة بوحجر أقف وأنزل وأمشي خطوات حتى مكانه وأقرأ الفاتحة ترحماً عليه . وكم مرة شاهدوني مَن يقفون في طابور الخبز أفعل هذا فكانوا يتركون الخبز ويقطعون الطريق ويقفون خلفي ويقرءون . لم يحدث مرة أن سألني أحد منهم لمن أقرأ ، الكل يعرفونه فهو قديم في المهدية من قبل الكوشة . تركنا المرحوم قبل عام لكننا ببركاته وبركات أمثاله الطيبين في ليبيا على يقين أننا بعد عام سنكون أحسن. 

بقلم ابراهيم عثمونة




شاهد الخبر في المصدر مركز الجنوب الليبي للدراسات




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com