http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

سعيد العريبي: هذا الكتاب (8) "روائع إقبال"... لأبي الحسن لندوي (8/8)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 20 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا الكتاب (8): "روائع إقبال"... لأبي الحسن لندوي (8/8)



"هكذا تحدث شاعر الإسلام محمد إقبال"

 


"لا نعرف شاعرا أو أديبا يرجع إليه الفضل في تأسيس دولة وتهيئة النفوس لها،
مثل ما يرجع الفضل إلى هذا الشاعر الإسلامي محمد إقبال"
أبو الحسن الندوي


إلى مدينة الرسول:

عاش شاعر الإسلام وفيلسوف الشرق - مدة حياته - في حب النبي صلى الله عليه وسلم، والشوق إلى مدينته، وتغنى بهما في شعره الخالد، وقد طفح الكأس في آخر حياته، فكان كلما ذكرت المدينة فاضت عينه وانهمرت الدموع، ولم يقدر له الحج، وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم بجسمه الضعيف، الذي كان منذ مدة طويلة، يعاني الأمراض والأسقام، ولكنه رحل إلى الحجاز بخياله القوي، وشعره الخصب العذب وقلبه الولوع الحنون، وحلق في أجواء الحجاز، وتحدث إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بما شاء قلبه وحبه وإخلاصه ووفاؤه، وتحدث إليه عن نفسه وعصره، وعن أمته وعن مجتمعه. وقد فاضت في هذا الحديث قريحته، وانفجرت المعاني والحقائق التي كان يغلبها ويمسك بزمامها، وينتظر فرصة إطلاقها، وقد رأى أن فرصتها قد حانت، وهذا أوانها ومكانها. تخيل إقبال أنه مسافر إلى مكة والمدينة - شرفهما الله - تهوى به العيس ويسير به الركب على رمال الصحراء، التي يظن - من شدة شوقـه وحبـه - أنهـا أنعم مـن الحريـر، وأن لكل ذرة من ذراتها قلب يخفق، فيطلب من السائق أن يمشي رويدا ويرفق بهذه القلوب الخفاقة، ويحدو الحادي بما لا يفهمه، فتثور أشجانه وتترنح أعطافه، وتهيج شاعريته، وتنطلق قيثارته بشعر رقيق بليغ.

 زمن الرحلة:

قام الشاعر بهذه الرحلة الحبيبة، وقد أربى على الستين ووهنت قواه، في سن يفضل فيها الناس الراحة والإقامة، فما باله يسافر إلى الحجاز وهو شيخ، وقد أضعفه المرض والشيب..؟ والسفر إلى الحجاز شاق مضن، ولكنه بعصيهم ويطيع أمر الحب، ويلبي منادي الشوق ويقول: "لقد توجهت إلى المدينة رغم شيبي وكبر سني، أغني وانشد الأبيات في سرور وحنين، ولا عجب فإن الطائر يطير في الصحراء طول نهاره، فإذا أدبر النهار وأقبل الليل رفرف بجناحه، وقصد وكره ليأوي إليه ويبيت فيه". كأنه يقول لماذا تعجبون، إذا قصدت مدينة رسول الله.. وهي وكر طائر الروح ومأزر المؤمن.. في أصيل حياتي، وفي سن أشرفت فيها شمس الحياة بالغروب، أما رأيتم الطائر إذا جن الليل أسرع إلى وكره.

 مع الركب الحجازي:

يسير شاعرنا مع هذا الركب الحجازي، الذي يحدو بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويرغب في أن يسجد سجدة على هذه الرمضاء، يدوم أثرها في جبهته طول حياته، ويقترح ذلك على أصحابه وزملائه.. ويتملكه الشوق، فيحدو وينشد أبياتا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فيتساءل الناس: "من هذا الأعجمي الذي يغني ويحدو بلغة لا نفهمها، ولكنها تشجي القلوب وتملؤها إيمانا وحنانا، حتى يذهل الرجل في هذه الصحراء عن الغذاء والماء". ويستمتع الشاعر بكل ما يعتريه في الطريق، من سهر وعناء وقلة طعام وشراب، ولا يستطيل الطريق، ولا يستبطئ الوصول. بل يقترح على سائقه أن يأخذ طريقا أطول، حتى يعيش مع هذه الأشواق، وفي هذا الحنين مدة أطول، وتشتد لوعة الفراق، التي هي زاد العشاق ونزهة المشتاق.. وهكذا يطوي محمد إقبال هذه المسافة، في سرور وحنين، حتى يصل إلى المدينة، فيقول لزميله: "تعال يا صديقي ! نبك سرورا ونتحدث ساعة ، ونرسل النفس على سجيتها، فأن لنا شأنا مع هذه الحبيب، الذي أسعدنا به الحظ، بعد طول فراق وشدة اشتياق".

 بين يدي رسول الله:

ثم يسعد بالمثول بين يدي رسول الله، فيصلي ويسلم عليه بما فتح الله  به عليه، وينتهز الفرصة فيحدثه عن نفسه وبلاده، والفترة التي يعيش فيها، وعن أمته وعن الأزمات والمشكلات التي تعانيها، وما فعل بها الزمان وطوارق الأحداث، وما فعلت بها هذه الحضارة الغربية والفلسفات المادية، وما فعلت برسالتها والأمانة التي حملتهـا، وأين هي من ماضيها وخصائصها، ويرثي لها تارة ويبكي ويشكو مرة ويعاتب ويشكو غربته في وطنه، ووحدته في مجتمعه وضيعة رسالته في أمته.  وقد سمى هذه المجموعة بـ "هدية الحجاز"  كأنها هدية حملها من الحجاز لأصدقائه وتلاميـذه، ولا شك أنها هديـة مباركة للعالم الإسلامي، ونفحة طيبة من نفحات الحجـاز.

 في مناجاة الرسول:

كان محمد إقبال كثير الاعتداد بالإيمان، شديد الاعتماد عليه، يعتقد أنه هو قوته وميزته وذخيرته وثروته، وأن أعظم مقدار من العلم والعقل، واكبر كمية من المعلومات والمحفوظات، لا تساوي هذا الإيمان البسيط.. يقول في ذلك: "إن الفقير المتمرد على المجتمع - يشير إلى نفسه - لا يملك إلا كلمتين صغيرتين، قد تغلغلتا في أحشائه وملكتا عليه فكره وعقيدته، وهما: لا إله إلا الله محمد رسول الله. هنالك علماء وفقهاء، يملك الواحد منهم ثروة ضخمة من كلمات اللغة الحجازية، ولكنه قارون لا ينتفع بكنوزه". وكان شديد الغيرة على رسالة الإسلام وعلى شخصيته الإسلامية، فكان يأبى أن يتطفل على مائدة أجنبية، أو أن يروي من معين غريب: " رفقا يا رسول الله.. غيورٌ أبيٍّ النفس رفض أن يملأ كوبه من نهر الأجانب".

 وفي الثالث من أبريل سنة 1936م:

وهو عليل طريح الفراش.. جاشت نفسه الكبيرة الدافقة بالحنان والإيمان، وقد آلمه ما كان يراه من وضع العالم الإسلامي المخزي، والفراغ الفكري والروحي الهائل الواقع فيه، وضعف الشخصية الإسلامية الشائن، واندفاع الجيل الجديد المتهور إلى الفكرة الغربية ومثلها وقيمها، وتخليه عن رسالته ومركزه، ففاضت قريحته بشعر من أبلغ الشعر الوجداني، تحدث فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه في عالم الخيال ضعف العالم الإسلامي وفقره الروحي وانحرافه عن الجادة، وما كان يجده في نفسه من قتور بعد نشاط، ومن ضعف في العمل.. فقال: "أشكو إليك يا رسول الله، ضعف هذه الأمة التي تسلط عليها خوف الموت، إنك حطمت الأصنام القديمة كاللات ومناة، وجددت العالم القديم، الذي سرى فيه الهرم، ودب فيه الموت، فأصبح العالم يستقبل اليوم الجديد، بالإيمان والحنان، والتسبيح والأذان، ويستمد من الشهادة التي لقنته إياها، الانتباه والحضور، والنور والسرور. إننا - وإن ولدنا في بلاد عريقة في الوثنية - رفضنا أن نعبد الثور والبقرة، وأبينا أن نطأطئ رؤوسنا أمام الكهان والسدنة، فلم نخر بين يدي الآلهة القديمة، ولم نطف حول بلاط الملوك وقصور الأمراء، والفضل في كل ذلك، يرجع إلى دينك الذي جئت به، وإلى جهادك الذي قمــت بــه، فقد تربينا على السفرة التي بسطها للعالم، وقد ظل حديثك مصدر الشوق والسرور للأمة طيلة هذه القرون، وقد استطاعت بذلك أن تكون أبية في الفقر، عفيفة في الحاجة، ولكن العالم الإسلامي اليوم، فقد الشئ الكثير من قوته وقيمته".

 آمال وآلام:

ولا يلبث إقبال وهو في هذا الفيض، من السرور والسعادة، أن يذكر أمته المسلمة والشعب الهندي المسلم، ويذكر آلامهم وآمالهم يذكر كل ذلك في بلاغة الشاعر، وحقيقة الزاهد وما أجملهما إذا التقيا.. فيقول: "إن هذا المسلم البائس، الذي لا تزال فيه بقية، من شمم وإباء وأنفة الملوك وعزة الآباء، قد فقد مع الأيام يا رسول الله! لوعة القلب وإكسير الحب، إن قلبه حزين منكسر، ولكنه لا يعرف سر ذلك. بماذا أحدثك يا رسول الله! عن آلامه ورزيته، حسبك أنه هوى من قمة عالية، لقد هبط من تلك العلياء، التي وصلت به إليها، وكلما ارتفع المكان الذي يسقط منه الإنسان، كان ألمه شديدا، وكانت الصدمة عظيمة. إننا لنرجو لطف الله، بهذه الأمة المنكوبة، الهاوية من قمة المجد العالية". 

 وبعد أخي القارئ:

فقد كان شعر محمد إقبال في النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، من أبلغ أشعاره وأقواها، سكب من خلاله حشاشة نفسه، وعصارة علمه وعمله وتجاربه، فجاء تصويرا لعصره، وتقريرا عن أمته، وتعبيرا عن عواطفه  يرحمه الله برحمته الواسعة.

عرض: سعيد العريبي
al_oribi@yahoo.com

-  انتهى عرض الكتاب.. فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت، فمني واستغفر الله.. الكتاب القادم من سلسلة هذا الكتاب: السيرة الشعبية للحلاج، دراسة وتحقيق رضوان السح.

- راجع الحلقات السابقة بـ (http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/5829).

* عرض مختصر لكتاب: (روائع إقبال) تأليف: أبو الحسن الندوي، الطبعة الثانية، صدرت سنة 1968، بمناسبة  الذكرى السبعين لوفاته.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com