http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

د. جمعة الزريقي: تعليق على قرار مجلس الأمن حول ليبيا رقم 2215-2015م

ليبيا المستقبل 0 تعليق 11 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تعليق على قرار مجلس الأمن حول ليبيا رقم 2215 / 2015م



أود في البداية التوضيح بأن مداخلتي هذه تركز على الجوانب القانونية من خلال النص الصادر عن مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة، ونص الاتفاق السياسي الليبي في صيغته السابعة التي تم التوقيع عليها من قبل بعض الليبيين في مدينة الصخيرات بالمغرب في 17/12/2015م، ومناقشتها من الناحية القانونية ولا علاقة لي بالأمور السياسية أو الحزبية أوما إليها.

تم تقديم مشروع القرار من المملكة المتحدة (بريطانيا) وتم إقراره بإجماع أعضاء مجلس الأمن يوم 22/12/2015م، وقد تضمن ديباجة طويلة ومما جاء فيها إن مجلس الأمن "وإذ يعيد تأكيد إلتزامه القوي بسيادة ليبيا واستقلالها وسلامتها الاقليمية ووحدتها الوطنية" وفيها أيضا "وإذ يرحب بتوقيع اتفاق الصخيرات السياسي الليبي بالمغرب في 17 كانون الأول ديسمبر 2015، من جانب غالبية المندوبين الليبيين في الحوار السياسي الذي قامت الأمم المتحدة بتيسيره، ومن جانب مجموعة واسعة النطاق من ممثلي المجتمع الليبي، وقادة البلديات، ورؤساء الأحزاب السياسية..".

ونصت الفقرة الأولى من القرار على أن مجلس الأمن "يرحب بتوقيع اتفاق الصخيرات السياسي الليبي في المغرب في 17 كانون الأول / ديسمبر 2015، وهوالذي ينص على تشكيل حكومة وفاق وطني مؤلفة من مجلس رئاسي ومجلس وزراء تدعمها مؤسسات الدولة الأخرى، بما في ذلك مجلس النواب ومجلس الدولة". 

ونصت الفقرة الثانية من القرار على أن مجلس الأمن "يرحب بإنشاء المجلس الرئاسي، ويطلب إليه أن يعمل على وجه السرعة في غضون فترة الثلاثين يوما المنصوص عليها في الاتفاق السياسي الليبي على تشكيل حكومة وفاق وطني، وإكمال الترتيبات الأمنية المؤقتة اللازمة لبسط الاستقرار في ليبيا، ويهيب في هذا الصدد بالدول الأعضاء إلى الاستجابة على وجه السرعة لطلبات المساعدة الواردة من المجلس الرئاسي".

ونصت الفقرة الخامسة على أن مجلس الأمن "يهيب بالدول الأعضاء ولا سيما دول المنطقة، إلى الاستمرار في حث جميع الأطراف في ليبيا على التعامل بروح بناءة مع حكومة الوفاق الوطني وجميع المؤسسات الأخرى التي ينص عليها الاتفاق السياسي الليبي..." ونصت الفقرة السادسة على أن مجلس الأمن "يهيب بجميع الدول الأعضاء إلى الاستجابة على وجه السرعة لطلبات الحصول على المساعدة من حكومة الاتفاق الوطني من أجل تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي".

قبل الشروع في مناقشة القرار تجب الإشارة إلى نص المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة ونصها كما يلي: "يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق"  ولكن ذلك لا يمنع الدولة العضو من تنبيه مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أي نزاع من النوع المشار إليه في المادة 34 التي تنص على أنه "لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكار دولي، أو قد يثير نزاعا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أوالموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدوليين".

أشير في البداية إلى ما ورد في ديباجة قرار مجلس الأمن المشار إليه الذي نص في بدايته على أنه: "يعيد إلتزامه القوى بسيادة ليبيا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها الوطنية" وهذا الالتزام يفرض على مجلس الأمن أن يعامل الدولة الليبية وكافة المنازعات التي تحدث فيها على ضوء الاعتراف بسيادة الدولة واستقلالها واحترام كافة ما يصدرعنها، بما في ذلك ما يصدر عن الأطراف المتنازعة داخلها وعلى الأخص ما تنص عليه المادة 33 من الميثاق من أنه "يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حله باديء ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أوغيرها من الوسائل التي يقع عليها اختيارها".

إلا أن مجلس الأمن لم يستعمل كل هذه الوسائل لحل النزاع الواقع بين طرفين داخل دولة عضو في الأمم المتحدة، بل كلف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا المنشأ بقرارها رقم 2009 الصادرسنة 2011م، بحل النزاع إذ من الواجبات المكلفة بها: تشجيع المصالحة الوطنية، وترتب على ذلك تكليف مندوبها بالاجتماع بالطرفين ومحاولة التوفيق بينهما، والكل يعلم أن مندوبها السابق قد فشل في حل النزاع حيث لم يسع في جمع الطرفين لاجتماع واحد بينهما، ومن الإرباك الذي قام به أنه سمح بالتوقيع على مسودة الاتفاق السياسي في صيغتها الرابعة من قبل أحد   أطراف النزاع دون الحصول على توقيع الطرف الآخر، واعتبر ذلك نجاحا، وقام بإعلانه في حفل كبير وأنه انتصار في حل الإشكال القائم بين طرفين متنازعين داخل الدولة العضو، وهو ما لم يتحقق، وأخذ يسعى من جديد في معالجة الموقف وانبثق جهده في وضع مسودة أخرى للحل السياسي الليبي، أطلق عليها المسودة السابعة بعد أن أجرى تعديلات على سابقتها لم تكن كافية لمطالب المؤتمر الوطني العام.

جاء المندوب الذي خلفه من بعده، ولم يقم بأي إجراءات يعالج بها النزاع ووضع آلية تمكن الطرفين من الاجتماع حتى يتم التوفيق فيما بينهما، وفعل مثل ما قام به سلفه بتجميع الجهود من خلال زيارات إلى بعض الدول تخللها زيارة إلى ليبيا، وإجراء عدة مقابلات مع أطراف ليبية من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني وأعلن للعالم أنه سيتم توقيع الاتفاق السياسي الليبي من قبل الأطراف المتنازعة، وهذا ما حدث في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17/12/2015م.

إذا اعتبرنا أن هذا الاتفاق قد تم صحيحا وتم التغاضي عن الذين وقعوا عليه كونهم غير مخولين بذلك من الهيئتين التشريعيتين في ليبيا، وبصرف النظر عن التناقض القانوني الموجود في نسخة الاتفاق السياسي في صيغته السابعة التي تم التوقيع عليها، والذي أشرت إليه في دراستي السابقة التي قمت بها في 8/11/2015م، فإن قرار مجلس الأمن جاء سابقا لموعده، ومخالفا لما نُص عليه في الفقرتين الخامسة والسادسة التي تحث جميع الأطراف والدول الأعضاء على تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي الموقع عليه في الصخيرات.

إن المادة 65 من الاتفاق السياسي الليبي تنص على أن يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق وفقا للاجراءات المقررة قانونا، ووفقا للمقترح بالملحق رقم 4 بهذا الاتفاق خلال موعد غايته 20 أكتوبر 2015م، وقد فات هذا الموعد دون أن يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يضمن تنفيذ الاتفاق ودخوله ضمن التشريع الدستوري الليبي، وتنص المادة 66 من الاتفاق المذكور يكون "وفقا للقواعد القانونية في القانون الدولي والوطني، فإن الأحكام الإضافية والملاحق هي جزء لا يتجزأ من الاتفاق، ولها ذات القوة القانونية والحجية عند التنفيذ..".

ولما كان هذا الاتفاق لم ينفذ بما ورد في المادتين 65 -66، ولم يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يضمن دخول الاتفاق السياسي الليبي في الإعلان الدستوري ويصبح ضمن التشريعات الليبية بعد التوقيع عليه - على فرض أن التوقيع تم ممن يملكه قانونا - فإن إصدار قرار مجلس الامن باعتماد هذا الاتفاق جاء سابقا لأوانه رغم ما في الاتفاق من أخطاء وتضارب في مواده. وهذا ما يجب تنبيه مجلس الأمن عليه، وهو خطأ قانوني واضح للقانوني المبتديء ناهيك عن المتخصص في القانون الدستوري أوالدولي.

وطبقا لنص المادة 2 فقرة 7 من ميثاق الأمم المتحدة "ليس في هذا الميثاق ما يسوغ الأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق..." وقد قامت المحكمة الدائمة للعدل الدولية بتحديد الشؤون الداخلية التي تعتبر من صميم السلطان الداخلي للدول، وهي تضمن كل المسائل التي لا تعكس وجود أية إلتزامات دولية، وهي مسائل يمكن للدولة أن تمارس عليها سيطرة كاملة، وقد استندت المحكمة إلى الأخذ بعناصر الدولة الكلاسيكية المتمثلة في الشعب، والإقليم، والهيئة الحاكمة، وبالتالي فإن علاقة هذه العناصر مع بعضها البعض تعتبر من صميم السلطان الداخلي للدولة، ومن أمثلة ذلك علاقة الدولة بمواطنيها، وآليات اختيار الهيئة الحاكمة سواء كانت تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، وطرق استغلال ثروت الأقليم وغيرها من المسائل الآخرى ذات العلاقة".(1)

ولما كان قرار مجلس الأمن المشار إليه لم يصدر تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو يعالج المواضيع التي تعتبر من الشأن الداخلي للدولة الليبية التي تدخل في اختصاص السلطة التشريعية فيها، فإن الأمم المتحدة لا يمكنها أن تتدخل فيه ‘ وإن وجد اختلاف في تحديد السلطة التشريعية بليبيا، فإن ذلك يعود حسمه للسلطة القضائية فيها، لأن ذلك شأن داخلي وفقا لتفسير المحكمة الدائمة للعدل الدولية، وعلى ذلك فإن ما قام به رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم  في ليبيا لا يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة، لأن مهمته حسب القرار رقم 2009 لسنة 2011 تنحصر في تشجيع المصالحة الوطنية لا تعميقها، ومن المباديء القانونية العامة المشتركة بين الأمم: "مبدأ تنفيذ الالتزامات بحسن نية" ومبدأ "لا يمكن لأحد أن يحيل إلى غيره من الحق أكثر مما يملك".(2)

وغني عن البيان أن قرار مجلس الأمن المشار إليه إنما يدخل في نطاق الحل السلمي للنزاع الداخلي القائم في ليبيا، وهو نزاع قانوني في الأصل، ولكن بعض الدول رأت تدويله إلى أن وصل إلى مجلس الأمن، يظهر ذلك واضحا مما جاء في ديباجة القرار "وإذ يرحب - مجلس الأمن - بالجهود التي يبذلها جميع المشاركين في الحوار السياسي الليبي الذي تتولى الأمم المتحدة تيسيره وفي المسارات الأخرى لعملية السلام، بما في ذلك مساهمات المجتمع المدني وزعماء القبائل والترتيبات المحلية لوقف إطلاق النار وعمليات تبادل السجناء وعودة المشردين داخليا" يؤكد هذا النص أن القرار قد صدر في نطاق الحل السلمي من أجل إنهاء النزاع الداخلي في دولة عضو في الأمم المتحدة.

ويرى بعض فقهاء القانون الدولي أن "القرارات التي يصدرها مجلس الأمن خاصة بالحل السلمي للمنازعات لا تخرج عن كونها، كما هو ظاهر من نصوص الميثاق، مجرد توصيات لأطراف النزاع أن يأخذوا بها أو أن يتركوها لغيرها من طرق التسوية السلمية"(3)، وعلى ذلك فإن ما يقوم به المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من مساع لأجل الوصول إلى إتفاق بنهي النزاع بينهما ويؤدي إلى إحلال السلام في البلاد خارج نطاق قرار مجلس الأمن له ما يؤيده من فقهاء القانون الدولي.

ولما كان قرار مجلس الأمن المشار إليه قد صدر في نطاق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة "فإن القرارات التي يصدرها مجلس الأمن تأخذ شكل توصيات وليس قرارات ملزمة على غرار قرارات الفصل السابع، وعليه يلاحظ أن الميثاق يؤكد في المادة 38، لمجلس الأمن - إذا طلب إليه جميع المتنازعين ذلك - أن يقدم إليهم توصيات بقصد حل النزاع حلا سلميا"(4) هذا إذا كان النزاع بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، فما بالك بنزاع داخلي ضمن دولة عضو، فمن باب أولى أن يكون قرار مجلس الأمن رقم 2215 لسنة 2015 لا يتضمن إلا توصيات يمكن تنفيذها إذا قبلتها الأطراف المختلفة داخل ليبيا.

ختاما، أقول: إن ما طرحته من معالجة قانونية لنصوص قرار مجلس الأمن الصادر مؤخرا بشأن الأزمة الليبية الداخلية، وما وردت فيها من أفكار لا تمنع المؤتمر الوطني العام، ومجلس النواب، كليهما، من المبادرة في استغلال أي فرصة متاحة للإتفاق بين الأطراف الداخلية أو مع المنظمات الدولية من أجل إحلال السلام والوئام في ليبيا وأن تعود الحياة إلى طبيعتها باختفاء المظاهر المسلحة وقيام الدولة الحديثة الديموقراطية التي تعمل على إعادة إعمار ليبيا وأن تكون فيها السلطة تداولية وتراعي في تشريعاتها أحكام الشريعة الإسلامية، ويكون تعاملها بشفافية وأمانة وصدق. وأوصي باستغلال أي بادرة تلوح في الأفق من أجل الوصول للسلام وإحلال الأمان في البلاد، وليكن ذلك مع كافة الأطراف، بما في ذلك الحكومة التي تم اختيارها من قبل الأمم المتحدة دون أن يكون لها الحق في ذلك بموجب الإعلان الدستوري الساري المفعول، بشرط أن تبرم إتفاقا مع المؤتمر ومجلس النواب على أن تتولى إدارة البلاد مؤقتا وتكلف بإعداد دستور البلاد وطرحه للاستفتاء، وإجراء الانتخابات، ولا تكون تحت وصاية مكتب الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلا بالتعاون فيما يحقق المصلحة العامة إن احتاجت إلى ذلك، والله الموفق إلى ما فيه الخير والحمد لله رب العالمين.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2413
مستشار سابق في المحكمة العليا وأستاذ جامعي متعاون
طرابلس في 17 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 28 ديسمبر 2015م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والإحالات:

(1) مباديء القانون الدولي : الأشخاص، أ. د. مصطفى عبد الله خشيم، المكتب الوطني للبحث والتطوير، طرابلس ليبيا، ط أولى 2004، ص157.

(2) مباديء القانون الدولي: الإطار النظري والمصادر، أ. د. مصطفى عبد الله خشيم، المكتب الوطني للبحث والتطوير. طرابلس، ليبيا، ط، أولى 2004  ص 265.

(3) القانون الدولي العام، أ. د. علي صادق أبو هيف، نشر دار المعارف بالاسكندرية الطبعة العاشرة، 1972م، ص 735.

(4) القانون الدولي: الإقليم والآفاق الجديدة، أ. د. مصطفى عبد الله خشيم، المكتب الوطني للبحث والتطوير، ط، أولى، 2004م، طرابلس ليبيا، ص 453-454.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com