تويتر اخبار ليبيا

مخاوف ديموغرافية في الجنوب الليبي

بوابة افريقيا 0 تعليق 769 ارسل لصديق نسخة للطباعة



 

 نتيجةً لغياب الأمن وعدم توفر الاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية، وغاز الطهي، والوقود ، وانقطاع مُستمر للكهرباء - يواصل الليبيون نزوحهم من الجنوب الغربي، لتزداد (الهجرة الأفريقية) حيثُ ليبيا مُترامية الحدود في الجنوب، جعلت من الهجرة غير الشرعية تتزايد خاصة من تشاد والنيجر، وهذه الظروف تُنْذر  بتغيير ديمغرافي، وربما خلال السنوات العشر القادمة.

نزوح المكونات الليبية من الجنوب إلى الساحل يُقابله في الوقت ذاته الهجرة الأفريقية من دول أفريقية باتجاه مدن الجنوب، وبالتالي تَوْطِينُ هذه المجموعات في الجنوب بعد أن كان الجنوب نقطةَ عبور إلى لامبيدوزا.

وهذا الأمر  والقصد التوطين لم يعد خافياً على القاصي قبل الداني، فقد سَمٍع  معظمكم  تصريح المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا (مارثن كوبلر )  أمام  مجلس حقوق الإنسان  بضرورة السماح للمهاجرين بالاستقرار على الأراضي الليبية وذلك بإلغاء تجريم الهجرة فير الشرعية "النظامية" وقبله كانت تصريحات رئيس الوزراء المجري (فيكتور أوربان) بضرورة بناء معتقلات للمهاجرين على الأرض الليبية. وربما هو إفصاح أو جس نبض لما يتداول في كواليس الاتحاد الأوروبي ببروكسل ، وقبله ذلك محاولة توريط ليبيا  لتوقع على معاهدة اللجوء الإنساني ، لينتهي هذا العبث بتقرير كاذب  (لقناة  ccn ) الأمريكية غير مبني على معلومات دقيقة وصحيحة ، تتحدث فيه عن وجود سوق للرق في ليبيا   .

وبالعودة للحديث عن ديموغرافيا الجنوب الليبي - مثالًا - والوجودِ الأجنبي؛ فهذا الوجود ليس نتيجة لانهيار السلطة المركزية في ليبيا، بل يعود إلى النظام السابق الذي وَرّط مدن الجنوب في مشاكل  مع دول الجوار (السودان، تشاد، والنيجر) عن طريق دعمه مجموعاتٍ مسلحةً متمردة، بُغية القيام بأعمال مُعادية ضد أنظمتها التي لا تتماشى مع نظام العقيد، كذلك وجود مكونات وقبائل لها امتداد في تشاد والنيجر والسودان، فتعبر الحدود بطرق غير شرعية، وتحت غطاء قبلي، أو عرقي ! وعادة فإن وَلاء  هذه الجماعات والقبائل التي تنشط على الحدود، غالبا ما يكون لامتدادها القبلي، أو العرقي العابر للحدود، خاصة مع هشاشة الوضع الأمني، والانهيار الاقتصادي، والانقسام السياسي، وغياب حُكومة مركزية  قوية.

من جهة أخرى  فإن العلاقات التاريخية بين القبائل الليبية بالمنطقة، والعمق الذي تملكه بعضها داخل دول الجوار خاصة تشاد، عَــزَّزَا نفوذَ الوجود الأجنبي؛ حيث منحه ما يمكن أن يوصَفَ بالمبرر الاجتماعي أو القبلي للتدخل في الشأن الليبي، وتجاهل الحدود الليبية المشتركة بينها وبين جاراتها، حيث سمح لحركة بشرية كبيرة انطلقت من السودان وتشاد باتجاه الكفرة وجوارها، وبالاستيطان العشوائي بها في عَجْز من السلطات الليبية على ضبط هذه التغيرات الديمغرافية، والتي يصاحبها تصاعد ملحوظ لتجارة السلاح، وتهريبه، وحركةٍ أوسعَ لاستقدام المهاجرين غير الشرعيين، وتوفير التجمعات الحاضنة لهم.

يُشار إلى أن النظام السابق كان يتعامل بمزاجية آنية مع مسألة التغيُّر الديمغرافي المحتمل للجنوب، ولم يتــبَــــنَّ آلية مؤسسية واضحة لضبطه.

التغيير الديمغرافي في الجنوب الليبي معدود في أحد أبرز مخاطر  انفلات الحدود، وما تقوم به عملية صوفيا  (العملية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي على السواحل الليبية) ليس صائبا ولا مُجديا، لمكافحة الهجرة غير الشرعية؛ فضَبْطُ الحدود البرية الليبية الجنوبية، ودعمُ خطط التنمية الشاملة بمصادر الهجرة، هو الضمان الوحيد لإمكان وقف أمواج المهاجرين غير الشرعيين باتجاه السواحل الليبية،والتصدي للتغيير الديمغرافي المحتمل ، فأي مجهودات بدون دراسة أو تأمينٍ للحدود الجنوبية ستفاقم الأزمة الليبية، وستمنع أي حل لها، ويعتبر  الجنوب الليبي الأساس الوحيد الواقعي، والعملي لحل أصل مشكلة الهجرة غير الشرعية ، وإعادةِ النظر في قرار مجلس النواب في طبرق بحل القوات الليبية السودانية المشتركة قبل أشهر دون دراسة، وهي كانت ضامنا حقيقيا لتقييد حركة الفصائل السودانية، والتشادية المتمردة، وعصابات التهريب  على طول الشريط الحدودي الجنوبي.

من الواضح أن الإتحاد الأوروبي  يتعمد تجاهل حقيقة مشكلة الهجرة غير الشرعية، وأن المعالجة تكون من المصدر، وأن الحدود البرية  وخاصة بالجنوب تحتاج إلى ضبط ومعالجة، وليس الأولوية لأعمال عسكرية مركزة على الساحل الليبي، وتشترك السلطات الليبية أيضا في تعميق هذا التجاهل، فأولوية الحل هي على البر، لا على الساحل، وفي دراسة الأوضاع القائمة في الكفرة، وسبها، وغات، وأوباري، وتَتَبُّع المسار التاريخي القريب الذي أفرز الواقع الأمني، والاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه هذه المناطق اليوم، ومدى تحكمها في أصل مشكلة الهجرة غير الشرعية وأنشطة التهريب الأخرى.       
الحل يبدأ من الجنوب، سواء الغربي أو الشرقي، وعلى الليبيين أن يتحققوا من ذلك، وعلى المجتمع الدولي أن يفهم تعقيدات الجنوب؛ فالتعقيد الاجتماعي بالجنوب لن يفهمه سوى الليبيين، والبناء التاريخي  هناك لن يدرك مساراته والمآلات المتوقعة له، أحدٌ سوى الليبيين، والواقع يؤكد أن أي مغامرة أوروبية قد تدعم التقسيم، والانفصال، خاصة في الجنوب الليبي، وقد تعني عمليا قيام دويلات وكنتونات قزمية  لعصابات متعددة الجنسيات، وتنظيمات إرهابية، وتقسيمات عرقية،وتغيرات ديمغرافية بسبب الهجرات الجماعية والفردية،  وهذا غير مُستبعد اليوم في ظل التصعيدات العسكرية في البلاد، والتي تأتي في خط متوازٍ مع الجمود السياسي وعدم التوافق بين الفرقاء؛ فالأحداث الجارية في ليبيا إن لم تُعالج سريعا - وخاصة العسكرية المُتكررة - ستصنع واقعا عسكريا في كل  إقليم، أو منطقة، وتقسم البلاد مناطقَ عسكريةً مُنفصلة يسهل تقسيمها إلى دويلات صغيرة، بتغذية دول إقليمية ودولية، وستخلق واقعا مأساويا للشعب الليبي قبل أن يتحول سريعا إلى تهديد جِدي على دول الساحل الأوروبي المطل على ليبيا، وفي المقابل فإن مشاريع التنمية الشاملة للمدن والقرى الحدودية ستضمن تحسنا تدريجيا ومتصاعدا، وتغييرا لواقعها المُعتمدِ على الأرباح الهائلة للتهريب بأنواعه المختلفة.

كاتب و صحفي ليبي  وباحث في المركز الوطني لدعم القرار  

الاراء المشنورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة 

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com