http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

ليبيون ..خطرها على الضحايا .. بقلم : عبدالله عثمان عبدالرحمن

ايوان ليبيا 0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليبيون ..خطرها على الضحايا .. بقلم : عبدالله عثمان عبدالرحمن



 

ليبيون ..خطرها على الضحايا .. بقلم : عبدالله عثمان عبدالرحمن

- على ضحايا الحقيقة .. او لنقل ضحايا "حقيقتهم" فقط .. تلك التى يمكن ان تكون "وهم" عن الحقيقة .. وليس تجسدا لها ..
- على المفهوم "الملتبس" عن الحقيقة كنتيجة وكهدف .. رغم أن الحقيقة لا تمتلك ماهية مفارقة للطرق المتعددة للوصول اليها .. لأن الحقيقة -على غير الشائع- تكمن في الحكاية .. في قصة المسير اليها .. وليس في ماهيتها الميتافيزيقية .. لذلك ابحثوا عن "الحقيقيين" وليس عن الحقيقة .. ولو وصلتم الى نتائج غير حقيقية ..
- على علاقة هاجس امتلاك الحقيقة بالرفض "العدمي" لمسودة حوار الصخيرات .. دون طرح بدائل يمكن أن تتعين .. ان تتحقق .. لا حقائق أو بدائل يمكن أن تستمر أو تستعاد .. دون أن تكون لها القدرة على ذلك ..
- على الرموز الوطنية .. الذين تعودوا على ممارسة محاكمة الظل وفقا لقانون ساكسونيا .. من خلال تبن الهامش "الأقذر" لأقدم المهن البشرية .. السياسة .. نسختها المشوهة التى تجعل من فهمهم وممارستهم لها "دياثة" سياسية .. وليس سياسة .. ربما لأنهم لم يعرفوا غيرها .. ممارسة تنتهي بتقديم اوطانهم للمستعمر لانتهاكها والاستمتاع به على مرأى ومسمع منهم .. خاصة حين لم يجدوا اليوم من وما يقدمون له خدماتهم الوضيعه .. ليغلفوا خطاباتهم ومواقفهم من الآخرين بشعارات اخلاقية ودينية ووطنية .. تعوض فقدان مهنتهم في تقديم خدمة الاشباع النفسي والجنسي لقاهريهم .. على حساب وطنهم المغتصب .. الضحية ..
- على "المرض النفسي" الذي يتلبس الكثير منا اليوم -ولا احد معافى تماما- حين يتلذذون ببشاعة خراب بلدانهم .. لمجرد انهم يتصورون انهم ربما كانوا طرف "تضرر أكثر" أو "استفادأكثر " من غيره في ذلك .. وليس سبب في خرابه ذلك .. وأنه طرف يمتلك الحل السحرى القديم او المستجد .. حتى وان لم يأبه به أحد .. ويعتبر كل طرف ان من تحفظ او رفض بعضه "خانهم" وكان "عميلا" لغيرهم .. كما يعتقدون ..
- على مرض "استمراء" العيش كضحية .. كشهيد .. او حتى "كحي ميت" صاحب نبؤات صادقه .. ستتحقق يوما .. ودون تساؤل صغير .. هل كان يمكن تجنب كل ذلك .. والا يمكن ان نكون جميعا قد ساهمنا - ولو بجزء بسيط - من مسببات هذا الخراب الكبير .. وهو ما سيكشفه التاريخ يوما .. تاريخ موضوعي وليس تاريخ مزيف .. تاريخ فيسبوكي افتراضي ..
- على "المرضى النفسيين" الجدد .. من حملة الشهادات العليا .. دكتوراه وماجستير .. حين يعتبرون انفسهم : قادة بلاجمهور .. مفتيين بلا دين .. ثقاة بدون تكوين .. مراجع وطنية لوطن ساهموا في دماره وتخريبه من حيث يعلمون .. مناضلون كبار بلاقضية .. وفلاسفة جدد يمتلكون الحكمة بلا عقل او ميزان .. مذيعون يبيعون الوهم ويدعون امتلاك فصل المقال في كل ماتمر به بلادهم من اهوال .. بنسيان تام لتاريخهم الشخصي .. ذلك الذي لاتعبر تفاصيله عن اى من ماينسبونه لانفسهم اليوم .. بل تعبر مسيرتهم عن عكس مايتلفظون به في خطاباتهم تماما .. بل فيه مايغطي الشيطان وجهه منه .. سترهم الله .. ناهيك عن استيعابهم لتراكم تاريخ بلادهم ومكوناتها .. الضحية ..
- على فرسان "المعبد" الجديد .. فرسان الفيس .. فرسان القديس مارك "يوحنا" الجدد .. اولئك الذين تفرغوا للكتابة والتنظير لتفاصيل نظرية المؤامرة .. ولصياغة قواميس الوطنية الجديدة على أساسها .. حين ينحتون قاموسهم للوطنية والشجاعة .. وليصفوا وليصنفوا جمهورهم الحائر وفقا لها .. دون ان يكون لديهم الحد الادنى من الوطنية والشجاعة .. المتمثلة في القدرة على كتابة اسماؤهم الحقيقية على الاقل .. تلك التى قد تكشف لمن يقرأهم تناقض شخصياتهم الحقيقية - وليس الفيسبوكية - تماما مع مايكتبون .. او ان لديهم دوافع اخرى لكتابة ذلك .. ليس بينها الوعي الانساني الاخلاقي أو الوعي الوطني تحديدا ..
- على قوله تعالى في سورة الحجر "لعمرك انهم لفي سكراتهم يعمهون " .. أى من يستمر فى غيه يعمه .. لمجرد ان احد لايريد الدخول معه في مهاترات لاطائل من وراء تناولها .. فلاوقت لديهم -وربما لافائدة - من افاقتهم من سكرتهم ووهمهم .. ماداموا يستمتعون به ..
- على مشاريع "علماء" الاجتماع الذين علمهم مجتمعهم واوفدهم للخارج لدراسة مشكلاته واقتراح الحلول لها من خلال دراسة الحلول التى وصلت لها البلدان الاخرى بعد تبيئتها .. ليستعيضوا عن فشلهم في ذلك - في سلوك نكوصي يتناسب مع "عقد" ماضيهم - بأن ينذروا انفسهم "لشخصنة" الهم الوطنى .. قياسه وفقا لذواتهم النرجسية المريضة .. وليساهموا في صياغة بيانات قبائلهم .. واعتماد مرجعياتها المتخلفة .. واراء شيوخها الجهلاء .. لينكمشوا لمستوى وعي قبلي ينقرض حتميا .. ليس بسبب تطور وعيهم للأسف .. بل بسبب وعي "تقاني جديد" ينتشر ويتعمم .. وعي كون قبائله وفقا لشبكاته وليس لسلالته ..
- على التفكير " السلطوي " العابر للمجالات .. من تفكير "قبلي محدود" الى تفكير "اممي روحي" عابر للارضين والسماوات السبع .. تفكير عابر للدول .. للأمم .. للقارات .. دون المرور بالهوية الوطنية .. التى هي مانحتاحها اليوم اكثر من اى وقت مضي ..
- على الايديولوجيين الكبار .. الذي نذروا انفسهم لقضايا صغير ه .. تتعلق بتقديس وتبرئة الماضي للانتقال للعيش فيه .. كألية نفسية شائعة .. وليس نقده وتمحيصه للاستفادة من عبره ودروسه للعيش في الحاضر والتأسيس للمستقبل .. رغم ان سلوكهم ذلك مخالف للطبيعة وللتاريح .. ودون ان يعلموا انهم يسيئون لفكرهم ومشروعهم حاضرا ومستقبلا بأسطرته وتحويله الى "دين" جديد .. نسق عابر للزمن وللتاريخ .. وليلوثوه بانحيازهم وتقديسهم للافراد -الذين لايرغبون في ذلك- على حساب الناس .. الجماهير ..
- على البشر الضحايا .. الذين يتحولون الى شهداء وقديسين لمجرد انهم ماتوا .. ولو كان ذلك في حادثة سير او سرقة او انتهاك .. او لمجرد ان مذيعين برتية عمداء في حاجة اليهم .. الى "تضحياتهم" للمحافظة على اتساق ذواتهم .. لذلك قرروا ان يستمروا في تبجيلهم وتقديسهم لهم بعد ان احرقوا سفن "المراجعة النقدية" وليس سفن التراجع والعودة .. الجاهزة لنقل الضحايا الى معسكرات أخرى متى سنحت الفرصة لذلك ..
لذلك كله ..
ربما من المفيد لنا جميعا ان نعيد قراءة الجزء الثاني من مقال الصادق النيهوم المعنون :
(( وجهة نظر في مشكلة ملحّة : الجهل مثل المعرفة.. قابل للزيادة بلا حدود )) ..
- الدراسة التي أدت إلى تفهم ظاهرة (الجهل) باعتبارها حالة عقلية معينة تشبه ظاهرة المرض أدت أيضاً إلى تسليط أضواء جديدة على شخصية (الجاهل) نفسه وشرح سلوكه المعقد وتفهم متاعبه الحقيقية الكامنة وراء قناع الرضا .. لكن المرء لابد أن يلاحظ هنا أن تشخيص المرض على هذا النحو قد وضع كلمة (الجهل) في مكان مختلف كلية عن مكانها القديم ..
(( إنها لم تعد تعني (عكس المعرفة) بل عكس الصحة العقلية .. والفرق هنا ليس فرقاً فوق السطح فقط )) ..
- فليس ثمة أحد في العالم سليم الجسم مائة في المائة، هذه المعجزة لم تحدث حتى الآن وليس من المتوقع أن تحدث أيضاً قبل مضي زمن طويل .. إن المرء يملك دائماً نصيبه من المتاعب الصحية ولكنه لا يدعو نفسه مريضاً إلا إذا أقعدته متاعبه عن أداء شؤونه الحياتية الملحة. ذلك بالضبط هو المفهوم المعاصر لمعنى الجهل ..
- فليس ثمة أحد في العالم يعرف الصواب عن كل شيء مائة في المائة .. ذلك أيضاً لم يحدث حتى الآن وليس من المتوقع أن يحدث في المليون عام القادم .. ولكن المرء لابد أن يعرف (مقداراً) معيناً من الأشياء الصائبة لكي يتمكن من تدبير شؤون حياته اليومية .. وبمدى كفاية هذا المقدار وفعاليته في مواجهة مشاكل حياتنا تقاس ظاهرة الجهل والمعرفة ...
- إننا لا نقاتل طواحين الهواء .. ولا نخلع الألقاب من باب العبث اللفظي لكي ندعو مواطناً ما باسم الجاهل أو العالم وليس مما يجدينا أن نضيع وقتنا في حلب النجوم ..
- إننا نعيش هنا فوق الأرض، ونستمد منها قوت أطفالنا ونستمد منها أيضاً مقاييسنا للجهل والمعرفة على حد سواء .. الحياة وحدها هي مقياسنا الصحيح .. فإذا كان بوسعك أن تفيدها وتجعلها أكثر بهجة فأنت تعرف، وإذا لم يكن بوسعك أن تفعل من أجلنا شيئاً سوى أن تزيد متاعبنا وتشوّه طموحاتنا فأنت تجهل ذلك سواء كنت تحسن القراءة أو لا تحسنها .. سواء كنت تلبس جبة درويش أو جلد نمر، إن المظهر لا يخص مقاييسنا ولكنه أيضاً لا يستطيع أن يخدعها بمقدار ذرة واحدة ..
- هذا الخط الفاصل بين العارف وغير العارف وضع ظاهرة الجهل في مكانها الصحيح وعراها من معظم أقنعتها الخادعة وأعطاها المفهوم الحقيقي القادر على اكتشافها في كل مكان .. إن شعراء الزنوج يستعملون هذه الصيغة في مخاطبة الأمريكيين البيض باعتبارهم قطيعاً من الثيران الجهنمية الجاهلة رغم أن نسبة التعليم بين البيض تقارب الحد النهائي .. وكذلك استعملها (رونبرج) عندما قال عن متاعب بلده الحالية: السويد لم ترفع نسبة التعليم إلى مائة في المائة ولكنها رفعت نسبة قراء المجلات الجنسية.. إن القدرة على القراءة لم تعد تعني القضاء على الجهل في القاموس المعاصر، ولعل المواطن الليبي سيحس بالسلام أكثر إذا قيل له الآن إن الدراسات المعاصرة لم تعد تعتبره أكثر جهلاً من المواطن الغربي أو الشرقي إنما تضعهما معاً تحت مسطرة واحدة تدعى بفهم ظاهرة الحياة فهماً صحيحاً والمواطن الأقل معرفة هو الذي يبدو أقصر قامة بالنسبة للمسطرة .. إن المقياس لم يعد لعبة مظاهر تخص تسريحة الشعر وطول الميني وشكل أحمر الشفاه ولون العينين أو الوشمة أو الجربي أو العمامة .. هذه اللعبة ماتت وسوف يموت اللاعبون .. فالمقياس الآن يخص الجوهر وحده .. يخص قدرتك على أن تجعل حياتك وحياة الآخرين انتصاراً شريفاً على الموت أو هزيمة مهينة أمامه في الجولة الأولى .. إن الحياة لا تملك عدواً آخر. ..
- لكن الجاهل يملك أعداء تحت كل حجر ..
- انه يعاني من هذا الوهم لأنه لا يعرف شكل عدوه الحقيقي .. ذلك يمكن أن يحدث لك أيضاً إذا اتصل بك أحد ما غداً وقال لك في الهاتف بلهجة ليبية صميمة أنه يزمع أن يكسر رأسك ..
- آن كل مواطن في المدينة سيصبح عدوك في غمضة وكل مواطن سيبدو لك بمثابة قاتل مجنون يوجّه إليك سكينه في الخفاء، وسوف تعيش هذا الكابوس حتى تعرف عدوك بالضبط أو تمزق قميصك الوحيد .. إن الجاهل يعيش هذا الكابوس من المهد إلى اللحد ..
- ذلك يمكن أن يدعوك إلى الرثاء له .. فالمريض ليس مذنباً بل ضحية ولكن مشكلة الجاهل أنه يبادر إلى كرهك بمجرد أن يكتشف أنك ترثي له لأن ذلك بالضبط ما يعني له غاية الإهانة .. هذه الشخصية المريضة ليست اسطورة، وليست أيضاً صناعة محلية في ليبيا وحدها أو في الدول النامية وحدها، إنها موجودة في كل مكان .. أعني في ليبيا وفي السويد أيضاً بدرجة واحدة، وتتكلم كل اللغات وتلبس كل الأزياء وتنط على كل الحبال لكنها ليست خافية على مناهجنا المعاصرة .. إننا نعرف كل شيء عنها ونستطيع أن نكتشفها بيسر سواء كانت ملفوفة في الجربي أو نصف عارية على رصيف سان باول في هامبورج ونستطيع أيضاً أن نضع إصبعنا فوقها –مهما اختارت لنفسها مكاناً عالياً- وننزع قناعها أمام المواطنين باعتبارها (قنبلة زمنية قد لا تنفجر ولكنها على أي حال مُعدة للانفجار فقط) ..
- نحن لا نفعل ذلك اعتماداً على الفراسة أو قراءة الفنجان بل اعتماداً على مقاييس علمية أكثر دقة من المسطرة والجاهل لا يستطيع أن يخدع مقياسنا إلا بمقدار ما يستطيع رطل البصل أن يخدع الميزان ..
إننا نعرفه بخمس علامات تجارية مسجلة باسمه ..
العلامة الأولى :
- (( أنه يعرف الصواب عن كل شيء، والأشياء الصغيرة التي لا يعرف عنها الصواب يعلقها في عنق إله الرعد .. )) ..
ذلك من شأنه أن يدعوك إلى أن تتذكر (ساحر القرية) في حضارات الزنوج .. أعني العجوز الجهنمي الذي يزين رأسه بالقرون ويحل للزنوج البؤساء كل مشاكلهم بالرقص فإذا مرض أحدهم بالحمّى أعطاه بعض الأعشاب .. فإذا لم تشفه الأعشاب يركله في ظهره ويخبره أن (إله الرعد النحاسي) يريده أن يموت .. إن الجاهل لا يحتاج دائماً إلى القرون ولا يحتاج أيضاً إلى أن يظهر فقط بهذا المظهر الواضح .. إنه أحياناً يجلس في مكتبه ويكتب لك بقلمه الذهبي خطة كاملة لحياتك أنت وحياة أطفالك .. ولكنه دائماً يحمل العلامة التجارية المسجلة باسمه .. إنه يعرف كل شيء بالتفصيل، ويعرف بالذات (الصواب وحده) على الأقل بالنسبة لعقله المصاب ..
العلامة الثانية :
- (( أنه يقف دائماً عند محور الأرض والدنيا تدور حوله .. كل شيء يتحرك بالنسبة له أو يقف بالنسبة له وحده .. لأنه هو المركز الحقيقي .. )) ..
هو (العالم) كما ينبغي للعالم أن يكون .. إنه متسامح وشريف وعفيف وطاهر الذيل ما دام ذلك كله يستمد معناه من وجوده في مركز الأرض .. إنه يموت من أجل شرف امرأته لكنه أيضاً يسطو على امرأة عدوه بضمير شبه نظيف .. والمرء لا يجوز أن يتوقع ظهور هذه الشخصية في مظهر واضح إلى هذا الحد تحت كل الظروف .. إن اللعبة أكثر تعقيداً بالطبع .. فدرجة الإصابة بالمرض تتفاوت بين الناس كما تتفاوت بصمات أصابعهم لكن القاسم المشترك النهائي أن (الجاهل) لا يستطيع أن يتنازل عن عرشه في مركز العالم دون أن يفقد جهله .. لأنه إذ ذاك يرى الحقيقة ويرى نسبية الأشياء .. وإذا قدر للأعمى أن يرى فإنه لابد أن يفقد عماه ..
العلامة الثالثة :
- ((ان الجاهل لا يبيع بضاعته بالمنطق بل بالشعر وحده .. إنه لا يقنعك بفكرته بل يغريك بها .. )) ..
وإذا رفضت إغراءه يلجأ إلى (تهديدك) وإذا رفضت تهديده انقطعت علاقته بك عند هذا الحد .. إنه لا يجيد استعمال الرباط الفكري ولا يعرف كيف يحشر يده داخل دماغك لكي يقنعك بحجته لأن هذه المعجزة لا تتم بدون (الإقناع المنطقي) .. ولأن الإقناع المنطقي آخر بضاعة في حانوته المُعبأ بالأشعار .. إن الناس يقيسون المسافات عادة بالأميال أعني بمقدار بُعد أحدهم عن الآخر .. ولكن هذا المقياس في الواقع رديء إلى حد لا يحتمل .. إن المسافات بين البشر لابد أن تقاس أحياناً بالسنين الضوئية .. فالمشكلة لا تخصّ الفضاء الخارجي بل اللقاء العقلي وحده .. إنك تجلس أحياناً بجانب جارك وتحس أنك بعيد عنه بمسيرة ألف عام .. وتتعرف أحياناً على صديق بعيد وتحمله معك في صدرك .. لأن المسافة لا وجود لها داخل الأبعاد العقلية .. إن عالم الإنسان غير خاضع لقيود المادة .. ولكن مشكلة (الجاهل) انه لا يعرف طريقاً يصل به إلى عقلك سوى أن يشدك من ذيلك .. أعني أن يستميل مشاعرك بالإغراء أو يشلّها بالخوف .. فإذا أثبت له أنك لا تملك ذيلاً وأنه لا يستطيع أن يعبُر أبعادك العقلية بحماره الأعرج .. فإنه عادة ينفض يديه منك بأن يقطع رأسك أو يكرهك في الخفاء .. إن الجاهل لا يستطيع أن يسلك طريق النقاش المنطقي دون أن يفقد جهله .. أعني يموت جائعاً ويمشي في جنازته ويتقبل تهاني المعزين ..
العلامة الرابعة :
- (( إن الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح .. )) ..
إنه يعيش متأخراً بضع سنوات وأحياناً بضعة قرون دون أن يهمه بالطبع أن العالم من حوله لا يتحرك طبقاً لتوقيته الردي .. إنه شبح من مذبحة الماضي وراء قناع مواطن معاصر .. جزيرة تائهة أو قارة بأسرها تائهة تتسكع في عصر منقرض وتراقب عصرنا بازدراء .. مستعدة لأن تعلق في عنقه أية تهمة تخطر ببالها بمجرد أن يتجرأ على إبداء شخصيته المختلفة ..
- إن الجاهل حارس مقبرة غير مرئية .. يحصل على (ثروته) الفكرية بطريق الميراث .. ويضع كرسيه عند ناصية الزقاق ويحرس (أملاكه) سواء كانت بيتاً واحداً أو عشرة بيوت أو عشر وصايا .. ويدق عنقك بعصاه الخيزران إذا رأى فيك ثمة ما يهدد ثروته بالضياع .. ويتهمك طبعاً بأي تهمة تخطر في رأسه العجيب من فساد الأخلاق والتفسخ إلى قلة الحياء ..
- مقياسه الوحيد لإيجاد الخطأ من الصواب أن الصواب هو ما فعله جدّه والخطأ هو ما يفعله أبناء جيله .. وأسوأ ما في الأمر أن مقياسه الرديء ليس رديئاً فحَسب بل إنه عادة نصف (مجيد) .. إنك لا تستطيع أن ترفض مقاييس الرجل الجاهل دون أن يتهمك بالخروج عن التقاليد الحميدة والعادات المجيدة .. لأن هذه العقوبة بالضبط هي سلاحه العقلي الوحيد ..
العلامة الخامسة :
- (( أن الجاهل رجل مريض وليس رجلاً يتظاهر بالمرض .. )) ..
ذلك يعني أنه ليس ممثلاً يفضل أن يؤدي أمامك دوراً كما يحدث عادة بالنسبة للمراهقين .. فالتلميذ المراهق قد يسبب لك كثيراً من المتاعب لمجرد رغبته البريئة في أداء دور (الفتوة) أو اللص الظريف ولكن متاعبه كلها مجرد لعبة خالية كلية من صفات الاقتناع المنطقي .. أما بالنسبة للرجل الجاهل فإن (الدور) حقيقي وجاد إلى حد لا يطاق، إنه مقتنع بفكرته أيضاً اقتناعاً داخلياً لا تردد فيه .. وليس بوسعك أو بوسع أي سلطة عقلية أن تزجره كما تزجر الطفل أو تقرص له أذنيه .. إن عليك أن تعامله بمثابة مخلوق عاقل مريض .. وعليك أن تتصرف بثبات إذا اكتشفت في لحظة ما أنه بدوره يعاملك أيضاً باعتبارك (مواطن مسكين يستحق الهداية) فاللعبة نسبية حقاً في نهاية المطاف، والمرء لابد أن يفهم بطريقة ما أن السم قد يبدو بضاعة غير مرغوب فيها لكنه ليس كذلك بالنسبة للعقرب ..
هذه علاماته الواضحة ..
- هذه آثار أقدامه الجاهلة على كل دروب العالم .. إن الجاهل لم يعد سراً خاصاً لتركيبة ما .. ولم يعد بوسعه أن يدسّ رأسه في الزحام أو يختفي وراء قناع القراءة والفصاحة والشطارة اللفظية .. إنك تستطيع أن تحشره تحت هذه المسطرة وتحدد له بالضبط (طول) جهله من أي وقت .. فالمقياس واضح إلى حد كاف .. ثم إنه مرن وقادر على أن يضع كل مخلوق في مكانه الصحيح ..
- ومادام بوسعنا أن نقيس المشكلة بالنسبة للفرد .. فإننا نحتاج إلى خطوة صغيرة واحدة لكي نقيسها أيضاً بالنسبة للمليون .. او حتى بالنسبة لستة مليون ليبي .. للأسف ..




شاهد الخبر في المصدر ايوان ليبيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com