اخبار ليبيا رمضان

مقاربة حول البداوة ومفّردة القبيلة وتدرّجهما في اطْوارالحياة

بوابة افريقيا 0 تعليق 798 ارسل لصديق نسخة للطباعة



       البداوة هى سليلة القبيلة ونتاجها ايضا . فعقل وأيادي وفعل هذه  الاخيرة مُجّتمعتا . هو من شكّل وصاغ مفردات تلك .  وجسّدها وانزلها محّسوسات الى دنيا الواقع , بعدما خلع عليها مسمياتها   . وبهذا صار للبداوة كيان ما فتأ ينمو ويكبر ويتسع حتى احتوى  الصحراء وما عليها .  فصارت الصحراء وعائها وجسمها في آن . فابتلع هذا الاتساع الممتد الذى لا ينتهى الا عند الافق كل القبيلة بقضها وقضيضها  . فصارت القبيلة بهذا  مفردة من مفردات البداوة  .

    ومن هنا تكون البداوة كأي كائن اخر على هذه الارض . ينمو ويكبر ويتطور , ويضّمر ويتلاشى , عندما تختفى البيئة التى تُهيأ وتُساعد على تخلّقه وانبعاثه في الوجود  . ونمو هذا الكائن - البداوة - وتطوره ايجابا او سلبا سيطال وبالضرورة كل مفرداتها  .  لأن النمو والتطور الذى قد يعيد صياغة البداوة  , ما هو الا نتاج تفاعل نًشطْ بين مفرداتها مع محيطها , بكل ما يحمل هذا المحيط من مضامين مادية ومعنوية  . وبفعل هذا النشاط ايضا ,  تتخذ هذه المفردات صور ووجوه جديدة . تنتقل بفعّلها البداوة الى طور اخر في سيرورتها .

      فمثلا . عندما يتخذ النمو والتطور داخل هذا الكيان البدائي وجه إيجابي , سينّحو بالبداوة ودائما صوب الاستقرار والتحضّر   .  فالقبيلة مثلا .  كمفردة اساسية من مفردات البداوة  , ستتأثر بالضرورة بتفاعل البداوة مع الواقع والمحيط  , وسيترك هذا النشاط صداه علي القبيلة في مكوناتها  . فمثلا . فمن بناء بدائى بسيط يتشكّل قوامه من شيخ واتباع , وراعى ورعية , وملاحق كل ذلك في شكّله الاولى المُغلق  .  تصير القبيلة وبفعل هذا النشاط .  تنهض على وجه اخر من المكونات , تتخذ هيئة ما يُعرف بالأسر الممتدة (عيّت مريم) (عيّت عامر) (عيت المنتصر) الخ . وهذه الممتدة ومع صيرورة الزمن القَبلي تتحول الى بيوتات . قد يصير للبعض منها بفعل نشاطها المنتج والمتميز  , مكانة ترّفعها عن سواها من البيوت. فيقال عنها (بيت مال) او(بيت عِلم) او(بيت سياسة) وغيرها وهكذا . ومن هنا يتراجع المفهوم البدائي البسيط المغّلق للقبيلة الى العدم  .  ليتخذ وجه اخر مُحمّل بقدر من التركيب , يتوافق مع الواقع الجديد . الذى يتدرّج صوّب الاستقرار والتحضّر   .

   كنت احول ان اصل الى القول من خلال ما سبق طرحه . بان كل تدخل في  مسار التطور الطبيعي للقبيلة , بغرض اعاقته او وقفه  او العمل على اعادت هذا الكيان الى حالة البدائية الاولى , وبعثه في الحاضر  . هو عمل غير طبيعى . يحمل في فِعّله ضرر سيُرّبك الحياة في حراكها . وسيشل ويقلل من ايقاع وتيرتها الساعية ودائما نحو التطور والتقدم نحو الامام  .

     وبقول اخر .ان كل سعى نحو تحّفيز هذا الكيان البدائى , واستدعائه الى الان في حاضرنا هذا   . لا يعدوا عن كوّنه . وبوضوح تام  .  الا محاولة لمنع هذا الكيان البدائى عن الانفتاح على آفاق اجتماعية ارحب واوسع في طوّر متقدم من اطوار الحياة  .  والرجوع به الى راحلته ورحيله وترحاله الدائم  في تنقل ابدى  خلف الكلأ والماء في صوره ووجوهه الجديدة  , اينما حلَ ووُجِد  .  وهو وبوجه اخر من  القول . عودة الى الصحراء في صورتها المجازية . حيت التصحّر يكّتسح ويلتهم كل شيئي في طريقه . ولا يُبّقى بعده سوى الخواء بصفيره البائس , يتردد صداه في جنبات سًكون مغلق ورهيب  . في كنفْ عالم موازى يرّتع في آفاق الجينوم والرقمّية والخريطة الوراثية والنانو بعدما تخطى عصر الذرة  .   ففى تقديرى ان كل فعل يهدف الى تحفيز واستدراج وبعث هذا الكيان في هيئاته البدائية  , والعمل على تجّديره وجعله من مفردات الحاضر المعاش , بعدما تخطاه الزمن وشكّله في هيئة طور اخر من اطوار الحياة في مسيرتها الدائمة نحو الامام . ما هو الا فعل غير طبيعي تعسفي مُحمل باستفهامات مشّبوهة تُطاول في حجمها خيانة للحياة في تطورها وتقدمها الدائم نحو الامام .

     ومن واقع الحياة التى نعيشها داخل نطاقنا الجغرافي المحلى والإقليمي  .  نستطيع ان نُشاهد ونُحس وبدون عناء كبير . فداحة ما الحق هذا الكيان  البدائى المغلق . من تخلف وجمود وتسمّر على هامش الحياة  للجغرافيات التى حَفّزته وبَعثته في ارجائها  على هيئيه الاولية المغّلقة  . رغم ما تحتوى هذه الجغرافيات من امكانيات هائلة في موارد طبيعية ومعنوية  . لو وُظّفت واُديرة على نحو جيد . لتخطّت بها حياة  التَسَمّرْ على الهوامش والاطراف . وصارت  ملْ عين الحياة وسمّعها  .

     ويكون الحال اكثر قتامة داخل هذه الجغرافيات ,. عندما يشّتد عود هذا الكيان البدائى المغّلق . عندها سيسعى ويعمل بكل جد وجهد على احتواء وتطويع وتوظيف كل ما ينتجه محيطه ماديا ومعنويا . ليوُظفه في خدمة تطوّر مساره السلبى المغلق  .  والجغرافيا السعودية بامتداداتها جنوبا وشرقا ,  قد تمثل وعلى نحو جيد ما نحتاجه من شواهد تعزز ما دهبنا اليه   .  ففى النصف الاول من القرن الفائت  , وبعدما وضعت صحراء نجّد يدها بفعل هذا الكيان القبَلي المغلق , على كل هذا الامتداد الجغرافى الشاسع , وصارت تعمل على تجّدِيره بداخله  .  بكل الوسائل والسبل التى تسهّل استدعاء  الظروف المُحفزة على ذلك . لم يلبت هذا الكيان عندما اشّتد عوده , حتى شرع وسعى صوب احتواء وتطوّع  كل ما يقع بين يديه وما يأتي به محيطه داخل هذا الامتداد الجغرافي  , ليجعل منه اداة في  خدمته وطوّع مشيئته   .  فحتى ما جاء به - في تقديرى - ابن عبد الوهاب في ذلك الحين , والذى كان يهدف ويحاول به - في اعتقادى - لكسر هذا الانغلاق البدائى  وجرّه الى طور متقدم من اطوار الحياة  . استطاع  هذا الكيان بفعل تجدّره  , من احتواء  مسّعى هذا الشيخ . ولم يهدى حتى تمكن من تطّويعه . ليكون خادم له وفى خدمة هذا الانغلاق البدائى , على مدار قرابة قرن من الزمان ولا يزال .

       وفى النهاية وبعد كل هذا اقول . لا يوجد احد ينّحاز للحياة في تطورها وتقدمها الى الامام على  الجغرافيا الليبية , يُحبّذ ويسعى نحو استدعاء هذا الكيان البدائى وبعثه في الوجود عليها , وتمّكينه من دواليب ادارة شئونها , بعقّله المغلق الذى ينّزع ودائما نحو الصحراء والتصحّر .  وان وُجِد من يُحبذ ويسعى لذلك . ربما - وفي تقديرى - لا يتخطّى السيد (ميلتْ) .  ولسبب غاية في البساطة . لان اسلافه مع  نهايات الحرب العالمية الاولى , وبعدما بيتوا امر استغّفال هذا الكيان البدائى ,  وتمكنوا من امتطى صهوة جواده وظهر بعيره  . و استطاعوا ومن فوقهما , دحر جيوش الاتراك خارج جغرافية الجزيرة وامتداداتها . ثم اسسوا مند ذلك الزمن وحتى وقتنا هذا . لكل ما يعصف بشرق المتوسط وغربه والامتداد الجغرافى الذى يربط ما بينهما . مُتكئين في ذلك على تنّظير وتخطيط سايس- بيكو وعهد اللورد بلفور  .  فهؤلاء الاسلاف وبعدما تمكنوا من تدّجين وتطّويع هذا البدائى , لإرادتهم  . لا اعتقد .بانهم يحبذون رؤيته في طوّر متقدم من اطوار الحياة   .   فاعّدرونا ايها السادة , وبعد كل هذا .  لا تحاولوا  إلباس هذا البدائى بدلة عصّرية انيقة برباط عنق جميل يتدلى على صدر قميصه . وتجعلوا لسانه الفصيح بالفطّرة  , يتلفظ بمفردات وصياغات حديثة . في محاولة منكم لتلميع صورته , وتسّويقه كبديل ايجابى , لهذا الكل السيئ الذى يحتل كل المشهد صوت وصورة على جغرافية بلادنا  . فهما وبصريح القول وجهين لذات العمّلة .

     كاتب ليبي

الآراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة

              

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




0 تعليق

مركز حماية DMCA.com