فيسبوك اخبار ليبيا

ليبيا تودع خيمتها الثانية

بوابة افريقيا 0 تعليق 848 ارسل لصديق نسخة للطباعة



لم يكن محمد حسن فنانا عاديا  كالآلاف الذين تعج أو تضج بهم الساحات على إمتداد المنطقة العربية ، وإنما كان وسيبقى فنانا من طينة الإستثناء ، صاحب موهبة أنتجت تجربة ثم غدت مدرسة  فرسالة بحجم الوطن ، وكان صاحب رؤية وثقافة وموقف ، إنطلق من طين الأرض ليعانق ضوء الشمس بخطاب موسيقي وغنائي عميق عمق الفكرة  وطليق طلاقة الحرية  وعريق عراقة التاريخ والحضارة 

كان محمد حسن إنسانا نبيلا ، ومبدعا أصيلا ، ووطنيا وعروبيا ملتزما بدوره ، ومتجذرا في هويته ، ومتشبثا ببيئته العربية البدوية ، وطوال مسيرته لم تستمله أضواء الشرق أو الغرب ، وإنما إختار أن يبقى نخلة ليبية شامخة ، تغني وتسمق نحو السماء ، متعمقة في تربتها الحضارية ، ومرتوية من مناهل الموروث الخالد 

وكان محمد حسن ذلك القومي العربي المؤمن بوحدة الأمة من محيطها الى خليجها ، مواكبا لأفراحها وأتراحها ، وهو الذي رثى الزعيم الخالد جمال عبد الناصر برائعة نزار قباني : الهرم الرابع 

وعند الإعلان عن قيام الوحدة التونسية الليبية في أوائل 2014 غنى : هل الخير ع الشعب العربي 

وعندما أنتفض الشعب الفلسطيني غنى : يا جيل الغضب 

ثم قدم أنشودة « أرسم شجرة » من شعر رسام الكاريكاتور الفلسطيني الراحل ناجي العلي 

وأبدع محمد حسن عشرات الأغاني والأناشيد الوطنية التي واكبت 40 عاما من عمر ثورة الفاتح ، فكان صوت المرحلة ، وكان مدوّن الأحداث والمواقف ، 

وعُرف الفنان الخالد بملاحمه الوطنية والتراثية المتميزة بدءا من « رحلة نغم » و« مجاريد الفرح » ووصولا الى « الواحة » و« النجع » و« أولاد هلال » ، فكان أن أعاد رسم خريطة ليبيا بموسيقاه ونغماته ، ولوّنها بصوته و بأصوات عشرات الفنانين الذين تعامل معهم ،

وكانت له تجارب راقية وعميقة مع شعراء مبدعين ومتميزين من بينهم رفيقا دربه فضل المبروك وسليمان الترهوني ، والشاعر الكبير الأسير عبد الله منصور ، والشاعر المبدع المهجّر علي الكيلاني ، أضافة الى أخرين كثر : سليمان الدرسي ومسعود القبلاوي وفرج المذبل وعبد السلام زقلام ونوري الحميدي ومعاوية الصويعي وغيرهم ، كما كانت له أعمال وطنية مع الشاعر الراحل محمد الفيتوري منها « الرجل والنبوءة » 

وفي ملحمتي « الرباط » و« فارس ورجال » مع الشاعر علي الكيلاني ، إستعرض محمد حسن عبقريته كملحن متفرد ، جمع حوله أصواتا عربية وليبية من أبرزها حسيم الجسمي وآمال ماهر وحسين الجسمي وخالد الزواوي وأيمن الأعتر 

كما كان  له حضور بارز في برنامج « النجع : رفاقة عمر » ، ولعل الليبيين يذكرون تلك الروائع التي قدمها ومنها : طق العود 

ولحّن محمد حسن عشرات الأغاني لفنانين عرب من بينهم وردة الجزائرية وذكرى محمد وأنغام ولطيفة وغادة رجب 

ونجح الفنان الخالد في إحياء حفلات فنية كبرى في لندن وباريس وتونس وفي المغرب والجزائر وسوريا وغيرها ، وكان لا يشترط على منظمي حفلاته إلا شيئا واحدا وهو أن يحافظ على خصوصية حضوره الركحي من خلال إعتماد الخيمة ، تلك الخيمة الغنائية التي كانت إمتدادا للخيمة السياسية 

و يجمع أغلب الليبيين على أهمية محمد حسن كرمز  من رموز ليبيا ، مثل الصادق النيهوم في الدراسات الفكرية  ، وابراهيم الكوني في الرواية ، وخليفة التليسي في الترجمة والتحقيق ، ومحمد الزواوي في الكاريكاتور ، وعلي العباني في الفن التشكيلي ، وحسن العريبي في المالوف ، وعلي فهمي خشيم في الفلسفة والفكر ، ،علي مصطفى المصراتي في التحقيق والتوثيق ،وغيرهم من الموهوبين الشاهقين عطاء وحضورا 

في العام 2011 إنحاز محمد حسن للوطن ، وكان شاهدا على سقوط الخيمة الأولى ، ورغم ما تعرض له في بدايات الإنهيار ، لم يغادر بلاده ، الى أن عاش لحظات إستعاد فيها إعتباره لدى الجميع ، فأغانيه  تعيش في قلوب الليبيين قبل أسماعهم ، والليبيون حتى وإن إختلفوا سياسيا فإنهم يجمعون على إعتزازهم بعبقرية فنانهم الكبير ، ويتوحدون حول عطائه الفني وسخائه الثقافي 

واليوم تسقط خيمة ليبيا الثانية ، الخيمة النائية برحيل حاديها وشاديها الفنان محمد حسن ، فيفقد الليبيون رمزا من رموزهم الوطنية الجامعة ، ولكن عزاءهم أنه ترك لهم إرثا رائعا من حقهم أن يفاخروا به ، وأن يحفظوه لأجيالهم القادمة عنوانا للهوية الوطنية والقومية والإنسانية 

لم يكن محمد حسن فنانا عاديا ، ولن يكون حتى بعد وفاته إلا ذلك الكوكب الإستثنائي الذي قد يختفي ولكن نوره يبقى ساطعا في القلوب والعيون والأسماع 

رحم الله محمد حسن 

شاعر و كاتب تونسي 

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com