http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

إبراهيم انيس محمد: موت المثقف الليبي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يموت الإنسان مجاناً أمام ناظريه، ويرى صوراً زوّدته بها وسائل الاتصال والتواصل الحديث تعج بمشاهد التعذيب والتشويه، ومشاهد الإصرار على بلوغ أقصى درجات الإيلام من عناصر المليشيات ومجموعات العنف، تتوالى على مسامعه أنباء عن أفعال تتناقض تماماً مع قيم عرفها، وتعرّف على دلالاتها، وربما تشبّع بها أوببعضها؛ فيسمع عن خطف امرأة والأدبيات الأخلاقية العربية ترفض ذلك صراحة، ويطّلع على نبأ اختطاف طفل لابتزاز أبويه، والمرجعية العقائدية والثقافية تأبى ذلك وتستهجنه، ينقلون إليه حادثة الاعتداء العنيف على مسن أومسنة، ويقرأ كثيراً عن سجون سرية تُنتهك فيها آدمية الإنسان، وعمليات اقتحام لبيوت حرّم الله دخولها إلا بإذن أهلها، والعبث بما ومع من فيها، قرى تُدك، ومدن تُسحق بغطاء فتوى من شيخ أضاع بوصله الحق؛ فلم  يعد يرى إلا ما يُرى، ومرافق للدولة تدمّر؛ فيفقد المواطن خدماتها، ويعرف أن مدمّرها يصنف بطلاً ثائراً، فضلا عن أنه لا يحتاج خدمات هذه المرافق بعد أن استوثق من تسرّب مبالغ طائلة إلى حساباته في بنوك أجنبية. باسم الله يرى الموت والتعذيب، وإهانة الإنسان، باسم التغيير ولعنة الطغيان يقف على أشدّ مشاهد الفساد والظلم والعنصرية القبلية والمناطقية. باسم الغد المُنتظر تقع مداركه على صور الاقصاء والتهميش والنفي والتهجير. باسم القيم المبتغاة يكتشف جوانب كريهة في بني وطنه لم يكن يتصور يوماً أنها يمكن أن تكون فيهم.



تطال البشاعة كل شيء في وطنه، ولا تستثني قيمة معنوية أورمزاً مادياً؛ ومع ذلك يسأل من طالتهم ووقعت عليهم صور ممارسات القبح السابقة: طفلاً، عجوزاً، امرأة، مريضا...، ويبحث عنه الوطن: قيمة، ومؤسسة، وحاضناً، وأفق مستقبل، ويناجيه التاريخ: ذكراً، ومجداً، وقولاً يحتفظ له به، ويحتفظ لنفسه بخصله من قال كلمته ومضى، تسائله المعرفة التي نال شيئاً منها؛ فأصابه وهجها الذي يفرض الحقيقة: طلباً، وتجلية، وإظهاراً.

يعي صاحبنا أن هناك إرادة متربصة أحالت الواقع الليبي خشبة مسرح، يعتليها الممثلون من كل لون، وقد انفردوا بالخطاب، واستفردوا بالناس؛ فملأوا الدنيا ضجيجا وصخبا، وصبوا في أسمع التعساء الليبيين كل صنوف الخديعة والتضليل؛ مستفيدين من صمتك واصرارك على الغياب من جهة، ومستثمرين صفات رمزية ألبسوها أنفسهم بقوة المؤامرة؛ فهذا يتلفع بعباء الشيخ، وذاك بلبوس المحلل السياسي، وغيره يطرح نفسه إعلاميا.

فيتشكل سؤال عظيم بحجم عظمة المحنة الوجودية التي تعصف بالوطن: أين أنت؟ ويصله السؤال الصرخة الصيحة، ليتسلل إلى مداركه، ويتلقى معانيه، ولكنه يدير ظهره، وينحني أمام غبار كثيف أثاره سؤال بحجم السؤال السابق، وينتظر مرور ارتداداته وتلاشيها، يفوز بالصمت إجابة، والسكون ردّاً. وفي أثناء ذلك يهمس مناجياً ذاتاً تستكين للسلامة، وتسأل العادي من الأشياء. لماذا أنت؟ وما لك أنت؟

فأنت لا تستطيع شيئاً وأنت الوحيد الأعزل العاجز في غابة من الكواسر، تسكنها الوحشية بأشد صورها... وأنت لا تستطيع تحمّل مصير مؤكد ينتظرك، وأخفه أشدّ من كل شيء. السجن، التعذيب انتهاك الآدمية، الاعتداء على صور الرجولة في شخصك... وأنت لا تستطيع؛ لأن خلفك صغاراً تخشى عليهم غائلة الأيام في زمن تفككت فيه إمكانيات الرحمة... وأنت لا تستطيع؛ لأنك ستفقد مورد قوتك في ظل أيام عجاف... ثم أنت لا تستطيع؛ لأنك باهت الصوت، مطموس الحرف، في جوقه صاخبة صاغتها حناجر أقوى وأشد.

تلك مبرراته وذرائعه، وقد تلفّع بها؛ فاستطاب العيش بين ثنايا المجموع، مضحياً بنكهة خصوصية مفترضة، آثر السلامة، واستكان لمبدأ (لبيك بالناس)، وهي مقولة ذرائعية نفعية بامتياز، فالآن فقط يحشر نفسه وسط الناس، ويحتمي بكتلتهم؛ لأنه بجموعهم، واحد منهم، ويشبههم تماماً.

بعد أن كان، وسيعود لذلك ما إن تهدأ الأوضاع، يتأفف من جهلهم، ويتذمر من سذاجتهم، ويغتاظ من حمقهم واستجابتهم لنزعة القطيع في سلوكهم، واضعا كيانه أمامهم، مريدا التقدم عليهم، وطالبا التميز بينهم، وكم مرة سخر مع أمثاله منهم، مظهرا فوقيته عليهم، وحجم الأخدود الذي يبعده عنهم، مستطيبا وضعا صاغه الوهم بأنه قد توافر على وهج الحقيقة، ومنزلة متعالية نخبوية.

لكنه يتعرى الآن، ويحترق كل البهرج الكرتوني الذي صاغه بقبول البسطاء، وفتات الكبراء، لا رائحة له ولا طعم، فهوكائن ضبابي فشل في اختبار الواقع، وخسر رهان التاريخ، واستحال شيئا صغيرا يزرع نظارته السميكة في جدار التلفزيون؛ ليتسّقط أخبار الأخرين، وقد انفردوا بالفعل وتفرّدوا به، وعليه أن يقتفي الأثر.

إبراهيم انيس محمد

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com