http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

صلاح الحداد: عندما تغيب الشمس (9)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

رواية "عندما تغيب الشمس"



(الحلقة التاسعة)

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8103

استيقظت القطة ريتا من نومها وأصدرت مواء مفزعا.

بما أن الاحتجاجات والرسائل لم تنفع، مع زعيم التمرد في غريان، فلابد من الضرب بيد من حديد. رمي رأسه المقطوع في كيس من الليف، وتدحرج أمام الملأ في فناء المحكمة الشرعية. لقد انتقمت الرعية لإهانة قضيب الإيالة. أعلن بعد ذلك، عن تقديم حفنة من المتمردين إلى المحكمة الشرعية، برئاسة قاضي الإيالة. لم ترتعش يدا القاضي، وهو يقرأ حكم الله في الخارجين على ولي الأمر. لقد كانت هذه إحدى وظائفه. بالمال والمناصب، يسيّل الباشا لعاب المشايخ والقضاة، ومن لم يبرطله المال والمناصب، فاللسيف مهمة تقويم لسانه. أقيم الحد الشرعي عليهم بعد صلاة الجمعة، في أول أيام عيد الفطر المبارك، وذلك بحز رقابهم، أمام العامة في ساحة سوق المنشية.

هل يرتدع الخوارج الآخرون -كما يحبذ أن يطلق عليهم الباشا-، حين يرون جثة الشيخ بلقاسم بن خليفة ممزقة إربا بغضب أهالي الإيالة؟.

ياه..... كم هو مبهج أحيانا إطلاق العنان للغيظ، حينما لا يكون فيه أي خطر على العرش؛ حين يكون بالإمكان فرض العقاب اللائق، على الجرذان والأفاعي. بطون الأسود والنمور في حديقة قصره شاهدة، على أنه لم يحرم نفسه من هذه المتعة. أوَ ليست جثة الخائن مسعود الشركسي؛ رئيس الحرس الخاص شاهدة هناك في المنشية؟. وماذا عن جثة خليفة بن عمران؛ ذلك الثعبان، الذي لدغ اليد التي أطعمته؟، أوَ ليست كلها هناك شاهدة، على أنه حين يفلت غيظ القضيب، فليس ثمة من أحد قادرا على صده؟.

عشر سنوات في بلاط الباشا، جعلت من البوني خبيرا، في كل أنواع المفاجأت والمصايد والكمائن والخيانات. لقد اكتوى وزراء وقادة عسكريون وولاة وموظفون بتلك النار من قبل. هذا الرجل الخمسيني السمين، الأعور، قمحي الوجه، ذو الجفون المتورمة والفم اللزج، المحشور في بدلة تركية فضفاضة مزركشة بالألوان العجيبة. يبتسم بمكر ويُلمح في نظرته إحساس مشوش، هو خليط متناقض من الدعارة والحشمة؛ من الخبث والوقار؛ من التحلل والتدين. كان شبه عار، وآثار الدماء بادية على قميصه وسرواله الممزقين.

"إننا نعرف بعضنا بعضا منذ زمن طويل، يا بوني، ولقد قمنا معا بأعمال كثيرة... أعمال جيدة ودنيئة. ليس هناك شخصان في الإيالة ارتبطا معا مثلي ومثلك، ما الذي جرى بحق الإله؟، لماذا بدأت السماء تهوى على رأسي، منذ هذا الصباح؟". رقصت حواجب الباشا المنتفخة، وهو يضرب بالسوط  على الأرض. 

"لست أدري –ضرب صدره- لن تصدقني، سوف تظن أنني تآمرت. أقسم لك بالكعبة المشرفة وبشرف بناتي وعائلتي، بأنني لا أعرف. لقد ذهلت حين علمتُ بالأمر مساء أمس".

كان يتكلم بحرارة وانفعال: يقلب السبحة في يده، كأنه ولي صوفي، ولكنه كان يعرفه: إنه مهرج من المستوى العالي. يمكن أن يكون ما يقوله صحيحا أو زائفا، وليس لديه طريقة للتحري عن ذلك. كلا، لديه طريقة ورثها عن جده الأكبر أمير المؤمنين أحمد باشا. صحيح أنها ليست ناعمة ولا لطيفة، لكنها فاعلة تفل الحديد. أدواتها جد بسيطة: كُلاب لنزع الأظافر والأسنان، مسامير لفقء العيون، مقص لقص الخصيتين، قضيب حديدي لإدخاله في فتحة الشرج، جمر لإطفائه على البطن والصدر، أسياخ ملتهبة لحرق اللسان واللحى، وحلق حديدية محمرة في النار للكوي في الرؤوس، ومسامير خيل محمرة بالنار تدق في الأقدام، وسياط لاذعة مصنوعة من قضيب الثيران، لجلد اليدين والرجلين والظهر، وأخيرا وليس آخرا، أسود ونمور متوحشة جائعة في القفص، تطلق هائجة على الضحية. 

"من أجل حفنة من المال، بعتَ دينك وبلدك وبعتني أنا، أيها الخائن العميل الوغد الأعور؟".

صاح الباشا هائجا كالثور في دهاليز سجن القلعة المتعفن. كانت له قدرة عجيبة في التلاعب بالكلمات وعجنها بعضها ببعض. يتحدث عن الدين والوطن، عندما تتعرض مصالحه للخطر؛ عندما يهتز العرش من تحت قدميه؛ عندما تنسل خيوط الشهوة من سريره. إنها المهارة في بيع الكلمات وتسويقها وتخدير الجماهير وإلهائها، وإلا لماذا لا يحتكم إلى الوطن في جشعه وطمعه، في بطشه وجنونه، في تسلطه وقمعه، في قتله وفضه بكارات الصغيرات؟.

أحس بالغثيان من رائحة البراز والبول القوية. كان الكرسي مشوها وغير متوازن في داخل القبو شبه المظلم. لقد بدت أصابع البوني تنزف دما، بعدما قام الباشا بخلع أظافره بالكُلاّب.

"أنت أسوأ الجميع، فأنت مدين بكل ما وصلت إليه، وكل ما تملكه إليَّ أنا شخصيا، لماذا فعلت ذلك؟ لماذا خنتني؟". 

"حبا بالإيالة وبالطرابلسيين". سمع نفسه يقول، وهو في شبه غيبوبة.

"بل حبا بالسلطة، أيها المهرج. يا لي صحوة ضميرك المتأخرة! تصحو على من؟، على حثالة من الرعاع والبدو قساة القلوب؟. مَنْ مِنَ المتواطئين معك؟، هل كبير الوزراء متورط؟".

"لا أعرف، لقد أخبرني القنصل الهولندي، بأنهم قد جسوا نبضه من خلال طبيبه الخاص. ولم يكونوا متأكدين من ذلك. أميل إلى الاعتقاد بأنه لم يكن مشاركا".

كان يفقد الوعي ويصاب بالعمى، إلا أنه كان يعود إلى الوعي ثانية. لقد دسوا في فمه مرات عديدة موادا غير صالحة للأكل؛ أحس في إحدى المرات أنها براز وتقيأ. والأفظع من ذلك، أنهم كانوا قد فعقوا عينه اليسرى الوحيدة، التي كان يبصر بها، وصار أعمى. فكر في مصير بناته، حيث سينلن النصيب الأوفر من قضيب الباشا. كانت قد تناهت إلى سمعه صرخات نسوة بالأمس، قادمة من ركن القبو النتن. إنها إحدى طرق الباشا في نزع الاعترافات وإذلال وإهانة معارضيه والمتآمرين عليه. تداعت على رأسه صور أيام العز مع أسرته، وهو يمرح مع بناته في الأعياد والمناسبات، كما اجتاحته ذكريات زفافه بزوجته اليونانية الأصل زينب، وبالهدايا التي تحصل عليها من القناصلة وعلية القوم. تذكر يوم كان سيدا يُشار إليه بالبنان في أروقة القصر وبين ثلة من الوزراء والأعيان. لقد ضاع كل شيء اليوم. ضاعت ثروته التي جمعها طيلة فترة خدمته في القصر. شركة جنوه للأملاح، التي كان يتقاسم أرباحها مع سمسار إيطالي، والتي كانت تقوم بإنتاج الملح من أسباخ تاجوراء. كانت هناك أيضا شركة بوردو لإنتاج النبيذ وبيعه، والتي يتقاسم أرباحها مع سمسار فرنسي يُدعى إيرك، وقد دفع أتاوة مرتفعة إلى الباشا يومها، مقابل حصوله على امتياز باحتكار بيع النبيذ للأهالي والأسرى النصارى، وتمكن من جعل ضباط القلعة، يغلقون جميع حانات المدينة وخماراتها التي تزاحمه.  

طأطأ رأسه، حبات سبحته المبعثرة على الأرض، تلطخت بالدماء، وطفق يسأل نفسه: هل يستحق الوطن كل هذه التضحيات؟، هل سيذكرني الطرابلسيون ويترحمون عليّ ؟، ترى، هل أصير بطلا في عيونهم، أم حشرة حقيرة؟، هل يمحو موقفي هذه الذكريات الأليمة من عقولهم، ويغفروا لي هفواتي؟. بدأ يمطر رأسه بهذه الأسئلة في لحظات ضعف وانهيار وشك، لكنه سرعان ما انتبه إلى نفسه: رباه، الوطن ليس فرج امرأة، يقضي الرجل منه وطره ويمضي، الوطن صلاة في محراب الله، إن كنت طاهرا ونقيا وضعك في الجنة، وإن كنت نجسا وملطخا ألقى بك في النار. كان عذاب الضمير ينهش قلبه، وسخرية الباشا منه تشعل اللهيب في عينيه. لم يعد الوطن مزرعة خاصة كما كان، ولم يعد صفقة تجارية، أو حفلة كوكتيل، أو فرج امرأة ملتهب. إنها صحوة متأخرة؛ نفحة من نفحات الوحي والإيمان، هبطت على روحه قبل شهر تقريبا، عندما كان يتقلب في فراشه قبيل الفجر، بعد سهرة ماجنة في حانة باليرمو بحومة باب البحر، درات فيها على رأسه كؤوس من الخمر كثيرة. لقد رأى وميضا من نور؛ وجها ملائكيا كوجه الروح القدس، وهو يلقي عليه ألواحا، كتلك التي ألقاها على موسى في صحراء سيناء. إنها الوصايا العشر: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. أرعد صوت الملاك في أذنيه. لقد فهم المقصود، إنه القضيب الباشا، وإذا لم يكن هو، فمن غيره يا ترى يكون؟. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، أكرم أباك وأمك، لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، لا تشهد بالزور، لا تتملق وتتداهن في الحق، قَبِّل الوطن بشفتيك، كن مع الفقراء.

هل يغفر الله ذنوبي وآثامي؟، سأل نفسه يومذاك، وهو يفكر في الجرائم الفظيعة، التي اقترفها في حق الإيالة، والمؤمرات التي حاكها مع الباشا. لقد قاده إلهام ملائكي إلى فكرة التخلص من قضيب الإيالة، وهو الأمر الذي سيمحو به كل آثامه وذنوبه، وسيغسل جميع أدرانه. "لقد فقدت هذه الأسرة من الشياطين البوصلة، وحان وقت قطافها، لابد من فعل شيء حيال هذا العهر". قال موبخا نفسه يومها. بعد يومين، قام بمقابلة القنصل الهولندي؛ للتشاور في أمر التخلص من الباشا. "لا تستطيع الاضطلاع بهذه المهمة لوحدك". قال له يومها القنصل. "تحتاج إلى شيخ الجيل للتخلص من هذا العاهر". اتصل في اليوم التالي بشيخ جبل غريان بلقاسم بن خليفة، وناقش مع أحد معاونيه على انفراد فكرة التخلص من الشيطان في حانة باليرمو، حيث أمكنهما التظاهر بالشراب وملاعبة الخادمات المسيحيات. وعده بالتحرك، إذا ما وافقت قبيلة المحاميد والشيخ بن خليفة، مدعومان بتدخل عسكري خارجي.

"اخرس أيها الخائن، ليس لديك ما تخبرني به. إنني أعرف كل شيء. إنك تدفع ثمن خيانتك، يا ناكر الجميل. كنت لا شيء، أيها الخراء".

التقط الكُلاب مرة أخرى، وأخذ يخلع أسنانه، وكلما خلع سنا سأله: "هل تعترف؟". كان الدم يفيض من فمه كالشلال. يفتقد الوعي ويعود. أشار بأصبعه؛ لأنه لم تعد له القدرة على الكلام:

"لا إله إلا الله". كانت هذه آخر إماءة منه. تمنى أن يكون في مقدروه أن يقول له: رجاء، لا تلحق أي مكروه ببناتي، لا تؤذيهم بقضيبك. اقتلني، اذبحني، قطعني إربا، خذ كل ما تريد إلا شرف عائلتي، لكنه كان يعلم أن الباشا لا يعرف شيئا اسمه الشرف أو الوطن. 

جاء الدور الآن على الخصيتين، فقصهما الباشا بمقص، ثم ألقم فمه بهما، فلم يجد القوة للصياح بأي صوت ولا لفتح فمه. كان الألم شديدا وفظيعا إلى حد الموت. لم يفكر يوما ولم يخطر على باله، أنه سيجد نفسه في نفس المكان، الذي كان يُنزل فيه ضحاياه، ويستعمل فيه نفس أساليب التعذيب، التي ينتزع بها الاعترافات. لا شك أنها سخرية القدر وتقلبات الزمن. جذب الباشا خنجرا معقوفا من حزامه وغرزه في قلب البوني: "خذها ، يا بن الكلب .. لا مكان للخونة والطامعين والعملاء بيننا" . تدفق الدم كالبركان وبلغ الغرغرة، وأومأ بحاجبيه كأنه ينطق الشهادتين، وقذف دفعة من الدم، تدفقت عبر فمه وأنفه وأذنيه وعينيه، ثم سلم الروح.

"كم أنت جائعة أيتها الأسود"، كان يسير في القبو المظلم، وقد تلطخت ثيابه بالدماء، وأصداء طقطقة نعله التركي تثير الرعب. اقترب من القفص، وهو يحملق بعينيه الشريرتين "لابد أنكِ جائعة .. بانتظارك وجبة شهية هذا اليوم". كان زئيرها قد بدأ يتصاعد، وأخذ يهز جنبات القلعة وأسوارها. لبَّى الوزراء نداء الباشا على وجه السرعة، ودخلوا إلى القبو، وهم يرتجفون من الهلع. كان أكثرهم هلعا كبير الوزراء عمورة الخوجة. "ترى هل اعترف الأعور وذكر اسمي للقضيب؟"، كان هذا السؤال يشل أركانه، لكنه سرعان ما سأل مستغربا: "وإذا ما كان قد ذكر اسمي، فلماذا لم يقص الباشا خصيتي بعدُ؟". عصفت برأسه حالة من الارتباك والفزع، ولم يعد قادرا على معرفة الإجابة. "ترى، هل الباشا يمثل، أم يريد أن ينصب لي فخا آخر؟". لقد تملكه هذا الهاجس الرعيب، لا سيما بعد أن تجاهله الباشا مؤخرا تجاهلا كاملا، وأمر بعزله من منصبه.

هيا، ارموا هذا العفن في القفص، ثم طوفوا برأسه في أرجاء المدينة. صاح الباشا في وجه الحرس من العبيد، وقد قطع هذا الصياح أفكاره المشوشة كالسكين الحادة. 

انفض الحرس وشعر الباشا بالاشمئزاز والاكتئاب، ورأى الخروج للاستحمام في البحر. امتطى جواده الأبيض، وطلب اصطحاب المفتي الفرطاس؛ ليتحدث معه في أمر مهم.  

"ماذا عن القواد الخوجة؟". أدار برأسه إلى المفتي، الذي أوكل إليه متابعة أمره. كانت الريح البحرية، تعبث بشعر الجواد الأنيق يمنيا وشمالا، وهو يتمطى على رمال شاطئ البحر. اكتفى العبيد من الحرس بمرافقته عن بعد، بعد أن أشار لهم بأصبعه بالابتعاد. 

"لا خدمة ولا قدمة، يا مولاي". لقد وجد نفسه مثل هنري الرابع ملك بلا عرش ولا صولجان، أو حتى خدم. التقيته قبل أسبوع على شاطئ البحر، وقد كان مهموما مغموما؛ فتظاهرت بالحماقة وألححت عليه في الاستفسار لمعرفة أسباب الهم والغم، الذي يسكن وجهه، وقد اعتدت أن أراه هاشا باشا. حام الرجل حول الدنيا وما تحمله من كدر وضجر، لكنني واصلت الإلحاح وقلت له: أنا أعرفك، المشاكل والهموم ... نحن أسماك ولدنا في بحرها، لذا لا تحاول أن تقنعني بأنك في ضيق مما اعتدناه. حاول الرجل أن يتمالك نفسه، لكنه أجهش بالبكاء، وبعد برهة وصمت وزفرات بدأ رواياته، فقال إنه خائف على زوجته المريضة التي لا تنام، تقرأ القرآن حتى الصباح ولا تنقطع عن الصلوات والدعاء، حتى يخفف الغمة التي حلت بنا. تحدث طويلا، يا مولاي، وبألم وتفصيل مأسوي مسهب، عما حدث له من عزله عن منصبه دون سبب وجيه، وكذا ما حدث لأحد أبنائه.

آه على تلك الأيام، عندما كان أبوه مصطفى خوجة، أو مصطفى المصري كبيرَ أمناء علي باشا، ذا ثروة وجاه عظيمين، يشار إليه بالبنان، وكان هو قائدا لمنطقة الساحل. ينحدر أبوه من أصل مصري، عُرف بالكتابة وإجادة الإنشاء والتدوين وتحرير الرسائل، ولقب بمصطفى الكاتب، ولذلك أسند إليه علي باشا رئاسة ديوان الإنشاء وجعله مستشارا له. وهكذا تسلق سلم المناصب، وبعد أن انتشر نفوذه وانتفخت جيوبه، قام بتأسيس مدرسة وبنى مسجدا بالقرب من مسجد درغوت، وامتلك مكتبة عامرة بالكتب. في نهاية عمره، انكب على التأليف والكتابة، فيما أطلق يد ابنه عمورة حاكما على منطقة الساحل بالمنشية. كان أهالي المنطقة يجأرون بالشكوى لصرامة وجشع وتهور قائدهم سي عمورة، وكانت شكواهم العنيفة ضده مدعومة بالأسانيد والبراهين الملموسة، بحيث رأى والده مصطفى أنه من الأفضل الانحناء للعاصفة ولو مؤقتا؛ فيقدم بذلك لسيده علي باشا دليلا على شدة عدله وتجرده وزهده ونقائه، فوافق على خلع ابنه من منصبه، وثبت محله خازندار المرحوم حسن بك القرمانلي، غير أنه لم يخف عنه في الوقت نفسه، مدى ما سيلحقه مثل هذا التصرف من إضعاف معنوي وأدبي لمركزه هو؛ فعمل على إرجاع ابنه إلى منصبه الذي خلعه منه في أقرب فرصة. تحالف الابن مع يوسف في انقلابه على أبيه وأخيه؛ ليعين كبير الوزراء في عهده. فرض نفسه في بداية الأمر رقما صعبا، رغم قصر قامته وصغر حجمه وقلة ثقافته خلافا لأبيه. صحيح أنه من عائلة ميسورة الحال، تمتلك منذ زمن بعيد قطعانا من الإبل والأغنام، لكنه اليوم أصبح خاوي الوفاض منبوذا، بلا جاه ولا سلطان. لم يعد يملك إلا زوجة مريضة وابنة مراهقة اسمها سلطانة، هي غاية في الجمال. وقعت عينا الباشا عليها يوما؛ فهمس في أذنها: "كم أصبحت جميلة، يا سلطانة، ستحطمين قلوبا كثيرة في الإيالة".

قربه الباشا وأبعده، كافأه وعاقبه، أشعله وأطفأه. لم ينس على الإطلاق تحالفه مع أخيه حمد باشا قبل الانقلاب عليه، وقد بقي جمرة تحرق قلبه. كان فقط ينتظر الساعة المناسبة لإطفاء جذوة الثأر المشتعلة كالجمر تحت الرماد.

أحس بالخجل من امتلاء عينيه بالدموع؛ فأشعل سيجارة وأخذ منها عدة أنفاس، مطلقا الدخان باتجاه البحر، الذي يتلألأ عليه ضوء القمر متلاعبا. الأغنياء إذا أرادوا أن يبقوا أغنياء، عليهم أن يتحالفوا مع الباشا، أن يبيعوه حصة من شركاتهم، أو أن يشتروا حصة من شركاته، ويساهموا بذلك في عظمته وسلطته. وبعينين نصف مغمضتين، يهدل له همس البحر الهادئ، فكر بالنظام الشيطاني الذي تمكن الباشا من خلقه. نظام لا يمكن أن ينجو منه إلا المنفيون والموتى.

"وبماذا رددت عليه؟".

"قلت له إن الباشا يقدر الجمال، وإذا ما قلت له بأن عمورة، يريد أن يقدم ابنته الجميلة سلطانة، فلن يرفضها. إنني أعرفه، إنه شهم ولديه إحساس مرهف بالشرف. سيشعر بأنك قد لمست قلبه. سيستدعيك وسيعيد إليك ما انتزعه منك، وسيكون مستقبل ابنتك مؤمنا. وأردفت قائلا: ستتم تسوية وضعك. سأكلمه، فأنا أعرف كيف أقول له الأمور وسأشرح له الأمر. لا تقلق، فلن أقول له إن هذه فكرتي، إنما هي فكرتك، وأنت تعرف كيف هو الباشا. إنه مغرم بمثل هذه اللفتات، وتيقن من أن الذين أداروا لك ظهورهم، سيقفون بالدور أمام باب القلعة عما قريب".

"وماذا كان رده؟".

"تلعثم في بداية الأمر، وقال إن هذا مخالف للدين والأخلاق والشرف، فقلت له: متى كان الدين والشرف وكانت الأخلاق تهمك؟ الآن صار الدين يمهك؟. حسنا، إذا كان الدين يهمك إلى هذه الدرجة، فلتعش بقية أيامك حقيرا منبوذا. لن تجد حتى من يصلي عليك ويدفنك. فكر في مصيرك ومصير عائلتك، إذا أردت النجاة بجلدك، واعلم أنها قد تكون فرصتك الأخيرة".

"رائع أنت يا مفتينا العظيم!". اكتفى الباشا بالتعليق مع ابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيه، ثم ترجل من على جواده. خلع ثيابه ولمست قدماه رمال الشاطئ الناعمة، ونزل إلى البحر؛ إلى الماء البارد، وغطس.

راجع الحلقات السابقة بـ (http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8103)

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com