http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

نورالدين خليفة النمر: زليتن... الصوفية المقتولة مرتين

ليبيا المستقبل 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تمنعت، وهذا ليس من جبلتي وخلقي، تمنع من ذرف الستين من عمره مشاركاً الليبيين الذين شبع معهم موتاً في الحياة، مناحتهم، وواحدتها؛ وآمل أن تكون الأخيرة المنعقدة الآن في (زليتن)، وتمنعي استدعاء خواف - الموت الذي لابس حياة الشاعر الليبي، علي صدقي عبد القادر، الذي كنى نفسه بـ «سمي الوردة» وتلفع بثوب شاعر الشباب الأبدي، صارخاً في وجه الموت مهدداً بقبضة روحه الحية، كل رموزه: العزاءات، والمناحات، والجنائز، الجبانات قبوراً وشواهد وحفارين، وحتى توتة المقبرة التي تلقي بظلالها الحزينة، في قصيدته: كابري «الجزيرة المسحورة» متأوهاً، متفجعاً:.. آه من ليل حياتي، إنني منه جزوع.. إن ما أخشاه، موت، ثم قبر وهجوع.. رقدة لا أبتغيها، أنا بالعيش ولوع.



في سرديتها انفعال إزاء الحدث الإرهابي الدموي تفجعاً على عشرات الضحايا، من الشباب المتدرب الواعد لحكومة توافق يُأمل أن تكون واعدة بخفر سواحل ليبيا وتأمينها ضد الشر القادم من كل مكان، وعلى كل فلك وسفين.

ذكرت الكاتبة المرموقة، عزة كامل المقهور، أنها العام 2000 استضيفت من الجامعة الأسمرية، مع ثلة من القانونيات الليبيات، وألقت، وهي القانونية المتحررة سليلة المحامي ورجل الدولة الليبرالي والكاتب، كامل حسن المقهور، ورقتها البحثية، العام 2000 على مدرج الجامعة الأسمرية الدينية - الصوفية في موضوعة «حقوق الأنثى الحدث في التشريعات الليبية».

زليتن التي تقتل اليوم في 8- 1- 2016 في حدث إرهاب دامٍ تبناه تنظيم (داعش/ ليبيا) قتلت المرة الأولى في شتاء العام 2012 بعيد انتصار ثورة 17 فبراير الشعبية، إذ طال العنف المتشدد الأعمى الذي كان مبتدئاً وبدائياً ومازال: شيخها الولي، عبد السلام الأسمر، الذي نبشت قبره، وأحرقت مكتبة منارته الثمينة النادرة، وفجرت ضريحه مليشيات أصولية مسلحة.

إذ ترقد اليوم روحه الفزعة في ضريحه الذي مازال محترقا مشوها بالقرب من جامعته الأسمرية منارة هدى وعلم، تواصل رسالته في تحضر التدين، فقها مالكيا لصيقا بحياة الناس، وتصوفا عفويا متماشيا مع السنة الاجتماعية السمحة والتي على مدرجها، كنا تباحثنا خريف العام 2013 صحبة علماء إجلاء ليبيين ومن بلاد جوارنا العربي في شؤون وشجون (التعليم الديني)، المنفتح على معطيات الحياة المدنية التي كان من المنتظر أن تؤسس له من جديد الفعاليات الديمقراطية، شكلا ومؤسسات لثورة 17 فبراير الليبية، وشقيقاتها فيما سمي بثورات الربيع العربي، وهو ما تم النكوص عنه مبكراً في محيطنا العربي الثقافي والسياسي! الراهن والذي تمثل ليبيا أحد أشد أشكاله لا معقولية حيث يهيمن توجه ذكوري «بطرياركي» في ما يسوده من ضروب عديدة ومتشعبة من العنف والانقسام المجتمعي، تؤججه مؤسسات سياسية عنيفة مصطنعة، وسياسيون! حربيون عديدون.

الأنثى الحدث، أو لنقل الأنوثة حدثاً ضميرياً، وليس واقعاً شرعياً وقائعياً، هو الجوهر الذي خاطبته (الصوفية) رؤية وسلوكاً وهو ما تعاقب عليه من قبل السلفيون المتشددون والدواعش الإرهابيون (زليتن) اليوم ممثلة في رمزية شيخها الولي.

وهو ما يدعو النخبة المثقفة المبعدة من «قيادة الرأي» إن وجدت؟! إلى البحث عن بديل ثقافي سلمي ومتوازن بالتأمل في التجربة «الأتيقية» المتعالية التي انعكست في المسار الشخصي النظري- العملي لمتصوفة الإسلام، وأبرزهم مشائخ الطرق الصوفية ومرابطوها الذين يعد الولي عبد السلام الأسمر، الذي تستمد زليطن من أقباسه في الوجدان الشعبي في ليبيا وبلدان في شمال أفريقيا ووسطها رمزيتها الدينية واحداً من أهمهم.

في الصوفية العرفانية التي انشغلت ببحثها مبكراً قبل أن تأخذني توجهات معرفية أخرى نبه مبكراً «بول نويا» الباحث في بواكير التصوف الإسلامي (القرن الرابع الهجري) في أطروحته «التأويل القرآني واللغة الصوفية»(Nwyia, Paul: Exégèse coranique et langage mystique). لانحياز أغلب العرفانيين من متصوفة الإسلام إلى البعد المؤنت، في بنية النفسية الإنسانية.

ففي تأويله رمزية الشذرات الأخيرة من كتاب (محمد عبدالجبار النفري) «المواقف والمخاطبات» المعنونة بـ«مخاطبة وبشارة وإيذان الوقت» يشير إلى الملفوظ الأمري التخاطبي (أوقفني وقال لي) الذي يخاطب فيه ضمير «الهو« ضميره المقابل المتواشج به«الأنا» في ما أسماه بـ(اللطيفة الإنسانية) في إشارة إلى المرجعية النفسانية «الأرسطية» الممثلة في جدلية (الأنيما - أنيموس) الفاصمة «سلما» للطبيعة البشرية في التجربة الاتصالية الصوفية والمتجلية «صراعاً وتوتراً» في المبحث النفساني الغربي وممثله «اليونغي».

في بحثه في أطوار الشخصية الفردية، حيث يرى العالم النفساني، كارل غوستاف يونغ، أن طورها الثاني يتأسس في الصورة المتوازنة لتميز الشخصية وتفردها عن طريق المواجهة أو اللقاء مع (الصورة الروحية) التي يدعوها «يونغ» استناداً إلى المعجمية النفسانية «الأرسطية» «الأنيما» الأنثوية في الرجل، و«الأنيموس» الذكوري في المرأة.

ولكن كما تبين لاحقاً للباحثة «يولاند جاكوبي» في كتابها (علم النفس اليونغي) أنه: في الأزمنة المضطربة على نحو مميز كزماننا- في إشارة لحقبة ما بين الحربين العالميتين التي عاشها جيل «يونغ» في أوروبا ــ غالباً ما تهيمن أشخاص «الأنيموس الذكوري» فتتمظهر قائداً سياسياً أو حربياً أو- تنظيماً أصولياً متشدداً كما هو داعش اليوم عندنا- وإذا ما كانت الصورة الروحية، وهي العنصر الجنسي المقابل في النفس، قد غرقت حسب «جاكوبي» بعمق في اللاوعي، ولعبت، بالتالي دوراً حاسماً ومفجعاً في مصير الإنسان الغربي، فإن اللوم في رأيها يقع على عاتق الحضارة أو الثقافة الغربية الموجهة على نحو بطرياركي (أبوي).وعلى درب «بول نويا» ذاته سار البحاثة الشهير «هنري كوربان» في أطروحته «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي»، لافتاً النظر إلى الحدس الذي يتحكم في ملفوظات الفص الأخير من كتاب «فصوص الحكم» للشيخ الأكبر ابن عربي، حيث يتسنى للمتصوف أن ينال أعلى الرؤى في التجلي الإلهي من خلال تأمل صورة الكيان الأنوثي، ممسكاً بالتجلي السامي للحق أي بالألوهة الخالقة في صورة الأنوثي الخلاق. كونه سر النفس الرحماني الذي يعتبر الخلق لديه تحريراً للموجودات وهو المعنى الذي يجليه «جلال الدين الرومي» في بيت شعري بقوله:(الحق شعاعه «المرأة» لا المعشوقة في جسدها وصورتها، بل في تجليها الخلاق وليس «المرأة» الإنسان المخلوق ذاته).

وهو ما نتبينه فيما تقوله «توني رولف» في تعريفها للشخص في نظرية «يونغ» النفسانية كونه الوظيفة المتوسطة المماثلة بين الأنا والعالم الخارجي المعبر عنه بالغير أو(السوى) في التصوف العرفاني الإسلامي، حيث يكون تنشيط النمط البدئي للصورة الروحية بالتعبير الصوفي (اللطيفة البشرية) في رأي «رولف» حدث له أهمية مصيرية، ذلك لأنه الدلالة الأكثر وضوحاً بأن النصف الثاني من الحياة قد بدأ.

تظهر اللغة المدلول المؤنث لكلمة «الحرب» التي نعيش أنكى ضروبها اليوم، في الوقت الذي تخفي مضمونها الذكوري المرتبط بالعنف والقتل منذ صراع قابيل وهابيل على الأنثى حدث جوهر الخلق المذكور في العهد القديم والقرآن حسب البنية الصراعية: (ذكر- أنثى- ذكر...) وهو ما عنته الباحثة المرموقة في الإسلاميات الألمانية «أنا ماريا شمل» في كتابها بالألمانية «روحي امرأة: النفس الأنثوية في الإسلام» M. Schimmel «Mein Seele ist eine Frau Das Weiblisch im Islam أو ما دللت عليه في كتابها الآخر «الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر جلال الدين الرومي» بشاهد شعري أوردته عنه إلماحاً إلى الطريقة الصوفية التي يربى قلب الإنسان فيها بالعشق البشري استسلاماً وتفاعلاً مع الحالة القصوى للسعادة التي يرضيها العشق ذاته، وليس كما ورد في البيداغوجياً المانوية الذكورية بأن يعطي الناس بناتهم الصغيرات دمى ليعلموهن واجباتهن بوصفهن أمهات المستقبل، ويعطوا أولادهم سيوفاً خشبية ليعودوهم على القتال والفروسية.

الباحث الليبي، مصطفى عمران بن رابعة، في كتابه «رسائل الأسمر إلى مريديه» يذكر أن الشيخ الولي كان معتنقاً الفكر الصوفي في العقيدة والسلوك، ومقرراً لمسائل الصفات وغيرها على النهج الأشعري، بينما، وفي سياق آخر، يورد صاحب «الحوليات الليبية» القنصل الفرنسي بطرابلس آواخر القرن 19 «شارل فيرو» رؤى للأسمر تنبئ بغزو (النصارى) ليبيا، وينقل المراسل الحربي الفرنسي «جورج ريمون» الذي غطى الحرب الليبية - الإيطالية سنة 1912م.

في كتابه «من داخل معسكرات الجهاد في ليبيا» عن البدو الذين رافقوه إلى (غريان) رؤية الشيخ لفتيات طرابلس يهرولن حافيات الأقدام للاحتماء بـ(وادي بو غيلان)».

ولكن جميعهم لا يذكرون الكرامةــ الأسطورة التي يروجها مريدو الشيخ، بأنه أنقذ الصبية الأنثى الحدث (عسيلة)، وفكها من الأسر في بر الروم، فهل تمتد يد الولي الشيخ لإنقاذ ليبيا (عسيلة) الأسيرة من قبضة داعش الذي استهدف بإجرامه الأنوثة (المرأة) في الإمارات الموهومة لتنظيم دولته مدمجاً في إهابه المسخ الجامع للإرهاب العدواني المعولم لـ(تنظيم القاعدة) وللظلامية التقهقرية لـ(حركة طالبان)، اغتصاباً للنساء، واسترقاقاً جنسياً، وسخرة لهن لإشباع الحاجات الجنسية لمقاتليه الرجال، وتوظيفاً في «شرطة أخلاقه» و«مؤسسات حسبته» التي بدون حساب.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8441

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com