http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

فتح الله الكيلاني: ثقوب في بناء الدستور

ليبيا المستقبل 0 تعليق 20 ارسل لصديق نسخة للطباعة

من المعروف أن الدستور هو عبارة عن مجموعة من القواعد التي تحدد شكل الدولة (بسيطة أم مركبة)، ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية أم شبه رئاسية) وبين السلطات العامة التي تباشر بها الدولة وظائفها، واختصاص كل منها وعلاقتها ببعضها.



في ضوء ذلك سنقوم بقراءة في مشروع مسودة الدستور التي أحالتها لجنة العمل إلى اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور من خلال التطرق لطريق تكوينها، وبعض موادها، وتأثير المناخ التي عملت فيه هذه اللجنة، وما صاحب ذلك من تداعيات؛ لعلها تكون منطلقاً لإثراء هذه المسودة من ذوي الاختصاص.

إن تأسيس لجنة إعداد الدستور جاء بطريقة الإنتخاب ما جعل قراراتها غير قابلة للمراجعة من قبل الجهات التشريعية في البلاد. كما أن تحديد عدد أعضائها  دون مبرر منطقي ساهم بشكل كبير في غياب بعض المعايير الواجب توافرها الأمر الذي وقف حائلاً دون أن يكون ناتج عملها عند المستوى المطلوب. 

إن الدساتير وضعت للتطبيق، وهذا يتطلب درجة كبيرة من الرضا عليها لدى الناس، وغياب هذا الرضا يترتب عليه كثير من المشاكل والعراقيل عند بدء تطبيقه، ويلاحظ أن لجنة صياغة الدستور أكتفت بإيراد القواعد والأسس العامة تاركة إرساء التفاصيل للقوانين الأدنى مرتبة وكان من الممكن، مقارنة بالمدة الزمنية، أن تُصاغ مواد الدستور بطريقة تحوي بعض التفاصيل المهمة التي تشغل الناس لتجنب المشاكل المستقبلية التي تُرتب ضرورة تعديل الدستور بعد فترة وجيزة من اعتماده. هذه بالطبع من الأمور غير المحببة في دساتير الدول المتحولة حديثاً إلى الديمقراطية. 

كما يلاحظ أن عدم وجود اهتمام جدي من قبل لجنة إعداد الدستور باتخاذ إجراءات واضحة حول كيفية استطلاع رأي الناس، وغياب آلية عمل تساعد في ذلك، إلى جانب انشغال الناس بالأمور الحياتية اليومية خلق ظروفاً صعبة وقفت حجر عثرة دون مشاركة فعالة من قبل الناس في إعداد الدستور. 

إن القارئ لمسودة مشروع الدستور يستنتج وقوع اللجنة تحت تأثير وسائل إعلامية موجه مملوكة لبعض الجهات والأفراد والعمل الدائم عن طريقها في نشر أفكار محددة تخدم أغراضهم النفعية من خلال ظهورهم الدائم في المشهد الإعلامي ويظهر ذلك واضحاً في صياغة العديد من المواد، بينما غالبية أفراد الشعب ممن يمتلكون أفكار مغايرة لا تتاح لهم مثل هذه الفرص. 

كما يتضح أيضاً أن عمل اللجنة كان رهين أحداث الفترة الأولى لبناء دولة ليبيا، والصحيح ما كان يجب لها أن تقع في مثل هذا الخطأ، بل كان يجب عليها أن تستفيد من أحداث التاريخ وما طرأ من تغير بعد ذلك على كثير من المعطيات على الساحة الليبية وما ساد من تتطور عديد المفاهيم الوطنية بما يخدم تقدم ورقي ووحدة ليبيا، مع مراعاة تقسيم ليبيا إلي أقاليم إدارية بناءً على دراسات وأبحاث هدفها الأساس رفع مستوى معيشة المواطن، وأن يكون توطين المشاريع الاقتصادية والاستثمارية والوحدات الخدمية وفق دراسات علمية تضمن نجاح هذه الوحدات، وإيلاء حرية التنافس بين الأقاليم أهمية بالغة ليثبت كل إقليم جدارته حسب الإمكانات البشرية والاقتصادية والطبيعية، بمعنى أن المؤهلات والإمكانات هي التي تحدد وظيفة الإقليم، وأن تكون سياسة تخصيص بعض الأنشطة الاقتصادية لصالح مناطق معينة وفقاً لقرارات سياسية عليا، بغض النظر عن المبررات الاقتصادية، في أضيق نطاق ولحاجة ملحة. أما إعادة الأقاليم التاريخية، كما يطيب للبعض تسميتها في ظل الظروف الحالية هو إعادة للمركزية بشكل ربما يكون اسوأ بكثير مما كان عليه.

 ملاحظات على بعض المواد: قُسمت المسودة إلى ستة أبواب: الباب الأول (شكل الدولة ومقوماتها الأساسية) وجاءت:

المادة (1):

على النحو الآتي: "ليبيا دولة حرة مستقلة لا تقبل التجزئة، لا يجوز  النزول على سيادتها ولا عن أي جزء من أراضيها، تسمى الجمهورية الليبية". ومن الملاحظ على هذه المادة أن صياغتها لم تكن بدرجة الدقة المطلوبة، فكان من الأفضل استبدال كلمة "النزول على" بـ "التنازل عن". كما يجب أن يكون الفصل بين شكل الدولة ونظام الحكم واضحاً، ولكي يستقيم الأمر أما أن يحذف شكل الدولة من عنوان الباب الأول  أو أن تعاد صياغة المادة على النحو الآتي: "ليبيا دولة حرة مستقلة واحدة لا تقبل التجزئة، ذات سيادة كاملة، لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ديمقراطي، تسمى الجمهورية الليبية".

المادة (2):

تتحدث عن العاصمة، وهي المادة التي لم تصل فيها اللجنة إلى صياغة مقبولة من جميع الأعضاء. وكما هو معلوم فإن للعاصمة أهمية بالغة تتعلق بسيادة الدولة وهيبتها، لذلك كان يجب أن تختار العاصمة وفق المعايير المتعارف عليها عالمياً وعلمياً والتي منها ما هو تاريخي وما هو جغرافي وما هو اقتصادي.. ولحل هذه الشكلة كان من الأفضل تشكيل لجنة مختصة من علماء الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع وغيرها من العلوم ذات العلاقة، وإسناد مهمة اختيار العاصمة الإدارية لليبيا لهم، وبهذا تكون اللجنة قد وفرت الكثير من الوقت والجهد وأتبعت الأسلوب العلمي في تأسيس الدولة الليبية. على أن تترك حرية التنافس على العواصم الاقتصادية والسياحية والزراعية والنفطية والصناعية بين مدن ليبيا الأخرى كل حسب إمكاناتها الطبيعية والبشرية، دون تحديد مدينة بعينها وفقاً لقرارات فوقية.

المادة (45):

(... ويكون التمثيل في مجلس الشيوخ متساوياً بين الأقاليم التاريخية الثلاثة، ويراعى التوازن الجغرافي داخل كل إقليم). وهذه المادة تحتوى على تناقض غريب فعندما تتحدث عن الأقاليم التاريخية تشترط التساوي في المقاعد بغض النظر عن عدد السكان، بينما إذا جاء الحديث عن كل إقليم على حده يشترط أن يراعى التوازن الجغرافي داخل الإقليم. وهذا يعد تناقضاً  يتنافى وابسط حقوق المواطنة.

إن أول ما تبادر إلى ذهني بعد قراءة هذه المسودة هو أن هذا الدستور لم يكتب للأمة الليبية ولم تكن المواطنة أساساً لكتابته، بل كتب من أجل تكريس الحالة الإقليمية والجهوية واستدعائها في الوقت المناسب، وهذا فيما يبدو رؤية قاصرة لن تساهم أبداً في بناء دولة مدنية متقدمة يعيش فيها الليبيين على قدم المساواة خاصةً وأنهم قد بذلوا  في سبيل تحقيق ذلك الكثير من وقتهم وجهدهم وأموالهم ودمائهم على مدى  قرن ونيف وما يزال. 

وفي النهاية وبكل توكيد أقدر صعوبة ومشقة هذا العمل وألتمس العذر للجميع؛ حيث أن طريقة تأسيس لجنة إعداد الدستور، ونقص الخبرة المختصة، والمعرفة اللازمة، والمناخ العام، كلها وغيرها من العوامل يبدو أنها ساهمت بشكل أو بآخر في صبغ مخرجات العمل بهذه الصبغة غير الموفقة.

عليه فإن المتوقع لهذه المسودة، إن لم تجرى عليها تعديلات جوهرية، فإن الرفض من قبل الناس في ليبيا سيكون نصيبها، وأن الرجوع إلى دستور (51) المعدل في (63) سيكون هو البديل الأقرب خلال المرحلة القادمة إلى يتوافر مناخ ملائم يمكن  العمل فيه على خلق تصورات جديدة تخدم كيفية إعداد الدستور بشكل أفضل.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/2454
18.1.2016




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com