http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

رأفت الخراز: الجدة والعطر (2/1)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 20 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الجدة والعطر (2/1)




(1)


المدية دوماً لا تفارق الجيب. نسخة مطورة من الخنجر. النصل يندفع من جوف المقبض عبر كبسة زر..لم يستخدمه حتى الآن إلا مرتين. الأولى قديماً يوم المشادة التي أعقبت جدالاً حول حصته من غنيمة  سطو على متجر. استشاط غضباً ففي ثوانٍ نزف الدم من شريكه. وقُضي الأمر بجهاز لدائني أبيض مثبت يحيط بعنق غريمه ويمنعه أبداً الالتفات السوي. أما بالنسبة إليه فقد كان ذلك سبب إدخاله مؤسسة لإصلاح الأحداث، وصُنف فيها خطرٌ.

نشأ في بيت متداعٍ منزوٍ في أحد أزقة "سيدي اخريبيش" القديمة. بيت دائم غياب الوالدين ويكاد يخلو من الأثاث. سجادة ممزقة وبقايا أثاث مهتريء بينما تقبع في أحد أركانه أواني الطبخ القليلة وموقد صديء. كان يقضي معظم وقته في الخارج. يذهب إلى سوق الجريد القريب وامتداده الزاخر حتى قلب المدينة. هناك حيث عرف الصاغة والتجار والباعة والمتسوقين وكذلك اللصوص والنصابين والمتطفلين. وفي أيام الصيف الحارة كان يذهب إلى "الطَبيلة" على شاطيء الصابري. هناك عرف فنون القفز إلى المياه باحتراف وصيد الأسماك وكذلك التدخين وشرب "القرابا"... كبر بلا إخوة ولا أخوات من حسن حظه فالبيت بأسره غرفة واحدة وفناء صغيرمترب ذو نخلة عطشى معوجة..وهذا كل شيء. تسكن معهم أيضاً جدته لأبيه الضريرة. هي الوحيدة التي كانت تسأله كلما عاد فجراً أين كان ساهراً ومع من؟..وعندما أُخبر أن والديه توفيا إثر حادث سير أليم لم يشعر أن شيئاً من واقعه اليومي قد تغير. اعتاد إهمالهما إياه منذ مولده فهو لا يعرفهما تقريباً. وحدها جدته يحبها فهي كل أهله. عجوز طيبة ولكن لا تُخدع أبداً..ويوم هجر الدراسة وارتمى بالكامل في تيارات الأزقة لم يستطع الكذب عليها إذ سألته بنبرتها المرتعشة عما إذا كان مواظباً على الدراسة. اعترف لها بالحقيقة وألقى مرافعة طويلة ختمها بالقول:

- ثم أنني أجيد القراءة والكتابة ولا داعٍ للمزيد. فماذا فعلوا أصحاب الشهادات غير التسول؟..هذه حياتي وأنا حر.

فشتمته العمياء وهي تجهش بالبكاء. غادر المنزل غاضباً وهو يقسم ألا يعود ويتوعد الذي يقف في طريقه بالويلات..في الليل جاع فسرق خبزاً وحبتي طماطم. في اليوم التالي سرق حذاءً من متجر ثم باعه واشترى بسعره دجاجة مطهوة. أكلها وألقى بالبقايا إلى قطة سوداء ذات عينين زرقاوين كأنهما زجاجتين كانت تداني فراشه كل ليلة بإحدى الحدائق العامة.

المهم.. المرة الثانية التي استخدم فيها تلك المدية كانت يوم وجد أحد الرفاق مع عشيقته في الفراش. بطعنة اخترقت القفص الصدري أرداه قتيلاً عارياً تكفنه الخيانة. عفا عن عشيقته الكاذبة التي ملأت توسلاتها الحي كله.. وسُجن "صالح" بحكم مدته ربع قرن.

ذلك اسمه.."صالح". كلما اضطر إلى ذكره أعقب ذلك بضحكة مقتضبة ساخرة من هذه التسمية المناقضة..ولكن أكثر من هاتين المرتين لم يستخدم مديته قط. لذا قيل: احذروا "صالح" إنه لا يشهر سكينه إلا ليعيده بالدم.

(شاب يافع، متراص القوام، وسيم،  يلقى خلف القضبان والدنيا وراء الأسوار تكاد تميد من كثرة الأحرار!) اعتبر هذا قمة الظلم. راقب نظام تغيير دوريات الحراسة بعيني نسر. لم يمضِ عام إلا وهو قد فرَّ من السجن. يعرف جيداً كيف يتسلق الأسوار دون أن يصدر صوتاً غير أنفاسه. وكيف يجتاز الأسلاك الشائكة دون أن يصاب بخدش. وكيف يركض ويركض دون أن يتعب أو يطال.

(عدتُ حراً فكيف حالك يا جدتي؟.. هل اذا التقينا تذكرينني أم نالت من ذاكرتك السنون؟.. ليتني استطيع الذهاب إليك.. لولا الشرطة لكنت بجوارك الساعة) بعد أشهر قلائل لملم جرأته وقرر الذهاب إلى المنزل وليكن ما يكون. تدثر بظلام آخر الليل ودخل الحي ملاصقاً الجدران. طرق الباب برفق فلم يفتح أحد. دخل بسلاسة عبر كوة. وجد جدته بمكانها في الركن نائمة. أيقظها بحنان وتعانقا طويلاً ثم تسائلت العجوز وهي تتلمس ملامحه بأصابعها المرهفة:

- إلامَ يا بني هذا الشقاء؟
- إلى حيث يشاء قدري.
- الشرطة هنا كل يوم.
- الليل أمان.
- والله لقد أنسيتني منذ مولدك طعم الأمان.
- هوني عليكِ فقد تبتُ والحمد لله.
- متى تفعلها حقاً وتتوب. الأيام تسرق العمر في غفلة من صاحبه يا "صالح".

تناهى إلى مسمعه صوت سيارة مزق أنين بوقها هدوء الليل ممزوجة بخشخشة اتصالات لاسلكية. ثمة دورية شرطة تتجول وإذا رأوه فستبدأ الأسئلة والمتاعب. قبّل يديها الموشومتين المعروقتين بعجلة وغادر المكان عدواً. عيناه كما الكلب فالظلام لا يعيقه. اخترق الأزقة التي يعرفها جيداً حتى وصل منزلاً في عطفة مظلمة. طرق الباب عدة طرقات خفيضة لكن متتابعة وسريعة. ولج بمجرد ما انفتح الباب. في الداخل أحد رفاقه وابنتا ليل ومذياع يبعث موسيقى شجية تخدرت من الدخان الأزرق الذي يعم المكان ويغيم المصباح الخافت. قال وهو يغلق الباب خلفه بسرعة:

- اخفضوا الصوت.

بدا الصمت شديداً يكشف صوت ازدراد الريق. مضت دقيقتان كالدهر إلى أن اطمأن تماماً لابتعاد الشرطة. استلقى متوسداً فخذ إحدى البنتين وهو يتنهد فداعبت هذه شعره بأصابع مطلية الأظافر وقالت بلهجة هجينة:

- إذا استمر وضعك بهذا الشكل فبالتأكيد سيعثرون عليك.

تنهد ثم تمتم:

- أحتاج إلى جواز سفر بأي طريقة.


(2)


نظير لفافة مخدر ثقيلة تدبر الجواز عبر أحد معارفه وتسلل به إلى احدى سفن البضائع المبحرة إلى ما وراء المحيط. بهرته هناك العيون الملونة والموسيقى ذات الطبول تزعق طيلة الليل. كل شيء هنا متاح ومباح ما دام الجيب ليس فارغاً. الغربة شبح لا يظهر إلا عند الإفلاس. سرعان ما نفدت نقوده القليلة والجوع لا يرحم.. في شارع خلفي اختبأ وراء برميل قمامة يتربص لأول قادم. كانت فتاة أقبلت تتهادى مطمئنة. باقترابها ذكرته نظرتها الزرقاء المسالمة بعيني قطته الزجاجيتين. اعترضها كجني انشقت عنه الأرض. ضغط الزر فانفلت النصل حاداً ولامعاً محدثاً صوتاً كالرنين. قال بانكليزية رديئة:

- مالكِ أو حياتكِ.

ناولته حقيبتها وهي ترتجف رعباً. فتح الحقيبة بيد خفيفة وهو يحدق في ضحيته كفهدٍ همَّ يفترس. إلى أن تحسست أنامله أوراق النقود فأخرجها بعنف، وسقطت بذلك قارورة عطر كانت في الحقيبة.  صرخ زجاجها وهو ينتحر في السكون هشيماً. وتناثر الشذا رقيقاً حالماً لا يتناسب والمقام. قبض على النقود جيداً. ألقى بالحقيبة في وجه الفتاة. واختفى في ا لظلام.

لاحظ أنها المرة الأولى التي يشهر فيها مديته دون أن يعيدها حمراء مضرجة. عدَّ النقود فوجدها لا تكفيه لأسبوعين. (وبعد؟...) تذكر قول جدته: إلامَ هذا الشقاء؟.


(3)


في الأفق تراءت لعينيه شمس الصباح برتقالية من خلال الضباب. طُرق لامعة وأناس متحضرون أسدل حاجب الشمس وزاد من سرعته. تأخر حوالي نصف ساعة فإذا سئم وكيل الأعمال وذهب ضاعت نسبته في الصفقة وقد يعنفه رئيسه. ترجل وهو ينظر في ساعة معصمه ويصلح من وضع رباط عنقه. غادر المصعد عند الطابق السادس عشر. سأل أول شخص رآه عما إذا كان الوكيل قد انصرف. تنفس الصعداء وهو يخترق مكاتب الموظفين المتلاصقة كخلية نحل. دخل مكتبه وهو مقطب الجبين. وجد في انتظاره رجلاً يرتدي جلباباً أبيض ويعتمر عقالاً. قال:

- آسف للتأخير.
- نصف ساعة؟!
- الضباب كثيف وأمطار البارحة جعلت الطرقات خطرة..المهم الآن.. هل ستشتري؟
- ليس قبل أن تصل العينات. ثم عليك إعادة النظر في السعر أولاً.

أدار الحوار ببراعة ولكن الوكيل بقى مصرّاً على شروطه. ود لو كان قد أتم الصفقة اليوم ولكن الرجل يعرف جيداً صلاحياته. التحق بهذه الشركة وهي تعمل في حقل تصدير السلع المختلفة. وذلك كمختص بشئون التفاوض وعقد صفقات البيع الصغيرة مع الوكلاء ورجال الأعمال العرب. لتكلمه العربية وأسلوبه اللبق مما يستميل المشتري عادة. فإذا أتم الأمر حصل على نسبة مئوية من القيمة. مبلغ متواضع نسبياً ولكن بالاضافة إلى مرتبه توفرت له معيشة لائقة.. دخلت شقراء فارعة وهي تتأبط ملفين وسألته:

- كيف كانت الأمور؟

فأجابها بانكليزية سليمة تماماً:

- ليس سيئاً. لنشرب بعض الشاي.
- أنت يا صالح مدمن للشاي. أكل العرب هكذا؟!

انها لا تعرف الادمان الثاني. جرعة المخدر أضحت أساسية في حياته أو يصيبه اكتئاب شديد لا قبل له به. أراد أن يقول شيئاً ولكنها كانت قد خرجت. أخرج من حقيبتة الحادة الزوايا صورة شمسية لعجوز ترتدي السواد. تأملها وهو يتمتم:

- أتراكِ حية أو ميتة؟

فأتاه صوت رقيق عذب:

- أود لو أفهم مفردة واحدة من لغتك البدوية هذه..هاك الشاي...أتلك صورة؟!

وانتشلتها من يده. جلست ثم سألت وهي تحدق فيها:

- من هي؟
- جدتي لأبي.
- ولماذا النظارة المعتمة؟..كفيفة؟
- أجل..ولكن لا أعرف انساناً يبصر مثلها. كل أهلي هي.. ولا أدري حتى إن كانت حية أم ميتة.

ود لو يزورها ولكن ثمة دم مهدور ديته وداع للحرية مؤبد. هنا حياة حقيقية ولكن المخدر بات يستنزف الدخل كله. قطعة بنية غامقة ولكن لها مفعول السحر. ما أن تختلط  بدمائه حتى تبتسم الدنيا في عينيه وتتحول كل الموجودات إلى خيالات وردية.. هي لا تعلم، ولو علمت لأنهارت مغشياً عليها. تقاسمه فراشه ليالٍ كثيرة. متيمة به. فترى لو علمت أنه يتعاطى ولص وقاتل هل سترضى بعد ذلك أن تلتقي الشفاة؟

طُرق الباب فقال منغماً صوته:

-  أدخل.

حسناء لاح في عينيها الزرقاوين ارتباك وهي تستفسر:

- عفواً.. أين أجد السيدة "كاثرين سميث"؟.. لقد دلوني على مكتبها ولم أجدها هناك.
- أنا هي. كيف يمكنني المساعدة؟

ولكن الزائرة جمدت وأخذت تحدق في "صالح" بدهشة ثم ذعر. أشارت نحوه بسبابة مرتعشة وصاحت:

- هو أنت.

ودنت من مكتبه منفعلة فتذكر. أنه ذات العطر الذي انتشر تلك الليلة إثر انكسار القارورة. إدعى التعجب وهو يسألها:

- ما خطبك يا هذه؟

أجل.. والعينان.. هذه النظرة التي ذكرته بقطته القديمة ذات العينين الزجاجيتين. تدخلت "كاثرين":

- هل من خطأ هناك؟
- هذا الرجل اعترضني منذ قرابة سنتين. أشهر عليَّ سكيناً وسرق نقودي. أنا متأكدة فلم أنسَ وجهاً رأيته من قبل قط.

ولكن "كاثرين" حافظت على هدوئها وهي تقول:

- أخشى أنكِ أخطأتِ العنوان. هذه شركة محترمة. ثمة مركز شرطة على مقربة من هنا وظيفته الاستماع إلى مثل هذه الادعاءات.
- إذا بقى بمكانه ولم يفر حتى استدعيها.

واستدارت خارجة بخطوات واسعة.. سألته "كاثرين":

- تعرفها؟
- كلا..أظنها امرأة مختلة..
- كانت طبيعية حتى لاحظتك.
- نعم..لقد سألت عنكِ ثم لا أدري ما الذي أخذت تهذي به.
- أحسبها مندوبة الجمارك الجديدة، فهي ليست مختلة. هذا يعني أن شرطياً سيحضر إلى هنا بعد قليل.

(من جديد. وأنا هذه المرة متجمد في مقعدي لا أستطيع حراكاً. أي مصادفة خبيثة!..كيف تضيق مدينة كبرى هكذا فجأة؟!..ما من أمل في النجاة إلا أن أصمد في إنكاري).. وبالفعل حضر رجل بدين يرتدي لباساً مدنياً. لم يلقِ تحية وأبرز هويته معلنا أنه ضابط تحريات. جلس دون استئذان. قالت التي عادت معه:

- هذا هو يا سيدي التحري.

كافح حتى يبقي على سيمائه بريئة وقال:

- لا أفهم شيئاً. ثمة خطأ ما.. أكيد.

فقال البدين بنبرة حادة:

- يا سيد، انها تتهمك بجريمة سرقة بالاكراه ضدها. وهذه جناية. وبالعودة إلى حاسوبنا عثرنا على محضر التبليغ مؤرخ في ذات اليوم الذي تدعي فيه حدوث الواقعة. علماً أن الأوصاف التي وجدناها مدونة على لسانها تنطبق إلى درجة كبيرة على أوصافك.

- أنا؟!
- فما أقوالك؟

تدخلت "كاثرين" للمرة الثانية:

- لا أقوال له الآن. سيكون الكلام في حضرة محامٍ.

ربت على ركبتيه ثم نهض وقال:

- حسناً سأكون بانتظارك في المقر صباح الغد أنت ومحاميك. ولا حاجة بي إلى القول أنك على ذمة التحقيق منذ اللحظة فلا تغادر المدينة.

ثم خرج والمدعية في إثره. تقلصت إمعاء "صالح" ولكن "كاثرين" قالت ببرود:

- أعرف محامٍ بارع أرجو أنه لن يمانع من مرافقتك غداً. احكِ له كل شيء بصدق قبل التحقيق حتى لا يحدث خطأ مُهلك.

شعر أن في نبرتها ثبات مغتصب وأنها بذلك تؤجل تحقيقها الشخصي معه بعد الفراغ من هذه المفاجأة..لقد تسلق الصخور وعانى كثيراً حتى وصل إلى مركزه هذا (... ولن أسمح لحمقاء أن تخرج عليَّ من المجهول الآن وتدمر ما بنيت.. ألا ليتني جعلتها جريمة قتل لا سرقة وحسب).

يتبع...

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8459
rr.alkaraz@gmail.com

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com