http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

ابراهيم عثمونه: طريق آخر إلى الجنة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة

وهو يمر بآخر 24 ساعة كان يعرف أن رفيقته وشريكة حياته سوف لن تطيل البقاء بعده، وكان يخشى أن لا يُسعفها الوقت وترتب أمورها، وكان يقول في نفسه انها لن تعيش وراءه أكثر من ساعة. وفكر لو يحذرها بأن الوقت قد لا يسعفها، وفي مرات كثيرة كان يصمت في اللحظات الأخيرة ولا يقول شيئاً، وكل ما يفعله أنه يلمحَ لها ويطلب منها لو تتركه وتذهب لعلها تعمل وتُنجز شيئاً، ولو تتركه وتذهب وتعمل جولة صغيرة في البيت، ولو تذهب لزيارة أمها وأبيها، لكنه أبداً لم يقل لها استعدي للمغادرة واللحاق بي. وكانت هي تستنطق نظراته وصمته الذي بدى واضحاً لها أنه يُخفي شيئاً خطيراً، وفي كل مرة كانت تعجز في معرفة شيء منه، فبقيت إلى جواره تمسك بيده في غرفة العناية، ورفضت أكثر من مرة طلبه الذي يدعوها بأن تخرج وتعيد باب الغرفة خلفها. فالله وحده مَن يحدد الأعمار، والطبيب الذي طمأنها عنه وأكد لها أنه سيعود لحالته لن يطمئنها من فراغ لو لم يكن يعلم أن كل شيء سيعود إلى طبيعته، لكن كلاماً مثل هذا لا يعنيه هو ولا يزيد من معنوياته ولا يمكن لمثل هذا الكلام أن ينفي حقيقة كان يراها على قسمات وجهها الذي عرفه جيداً، والذي بدت ملامحه لا تدعوه هو فقط بأن يستعد للرحيل ومغادرة هذه الحياة، بل أن هذا الوجه هو نفسه بات عليه أن يستعد للرحيل لأغمض عينيه ومغادرة هذه الحياة بعده بساعة وربما اقل من ساعة.



لم يكن في حاجة للنظر إلى أي شيء ليعرف الحقيقة، ولا كان في حاجة للنظر في نتائج التحاليل، ولا كان في حاجة لسماع تأكيدات الطبيب، بل كانت نظرة واحد إلى وجهها هي تكشف له حقيقة ما تمر به هي وما يمر به هو، ومن نظرة واحدة في عينيها بوسعه أن يقرأ ما هو أدق من أي قراءة طبية أخرى، ومن نظرة واحدة بوسعه أن يُحدد كم ساعة بقيت له من العمر وكم ساعة بقيت لها. وكان يقول لها في سره اذهبي يا "رقية" والقي نظرة أخيرة على الخارج  فالوقت لا ينتظر، لكنها لن تذهب حتى لو لم ينتظر هذا الوقت السيئ، ولن تذهب حتى لو عرفت حقيقة أنها ستموت بعده بساعة واحدة، ولن تذهب حتى لو تلمست الآلية التي يتلمس بها "عبد الرحمن" ويحسب كم بقيّ له وكم بقيَّ لها من العمر.

وكانت تُصلي في غرفة العناية وكان هو يسمعها تدعو الله بصوت جهوري وتتمنى لو تمتد يد إلهية ضخمة وتكسر نافذة الغرفة وتدخل لتأخذ عزرائيل الذي يحوم حول عبد الرحمن، وترمي هذه اليد بعزرائيل بعيداً عنهما ولمسافة مائة عام أخرى. والحقيقة أنها لم تطلب من الله المائة عام عبثاً بل كان ذلك من وحي أحد الأطباء الذي قال لها مرة أن أقوى ما في جسدها هي عضلات قلبها والتي بوسعها أن تعمل لأكثر من قرن من الزمان، لذلك هي لن تغادر غرفة العناية ولن تكف عن الدعاء لله العالي في سمائه، وإذا كان لها أن تذهب وتلقي نظرة أخيرة على الخارج فهي سوف تذهب لترتب بعض الأمور وتعود على عجل وتنام معه على سريره، ولا تريد المائة عام، بل أنها سوف تطلب من الكفان قبل أن تركب معه على السرير وتدخل معه تحت نفس الغطاء في المستشفى بأن يلفهما في كفن واحد ويخرجان الاثنان معاً من مستشفى "سبها" على نعش واحد، وتطلب منه أن لا يحشرهما في ثلاجة الموتى فهي أحبت "عبد الرحمن" دافئاً في حياته وتحبه دافئاً بعد مماته.

ومَن يدري يا أيها الكفان لو أن جسديهما وصلا القرية ملفوفين في كفن واحد، ومَن يدري لو شعرت القرية بالدفء يتسرب من النعش إلى أيادى حامليه، ومَن يدري لو تبادلت الأيادي على النعش، ومَن يدري لو تأكد الجميع هناك وحسوا بحرارة جسديهما، عندها مَن يدري يا أيها الكفان أن لا يقف شيخ القرية بجلالة قدره ويجيز دفنهما في قبر واحد، ويطلب ممن يحفرون القبر أن يزيدوا في سعته بما يتسع لاثنين، ويطلب منهم أن يضعوا عبد الرحمن في الأمام على جنبه الأيمن وإلى جهة الشرق و"رقية" خلفه، وأن الشيخ لن يبالي حتى لو أحتج بعض المصلين وقالوا أن هذه بدعة وتراجعوا عن الصلاة، فللشيخ حجته وللشيح علمه بأنه في حالة مثل حالة عبد الرحمن ورقية يجوز لهما ما لا يجوز لغيرهم، وحتى لو قالوا له أنه لا فرق بينهما وبين آخرين ماتوا ودفناهم في هذه المقبرة، فللشيخ الحق بأن يُلزم الجميع على طاعته، ذلك أنه الوحيد الذي سوف يعلم حين يضعوا النعش أمامه أن في صدر هذين الرفيقين حب كبير ووفي إلى يوم القيامة، وعندها حتى لو لم يوافقه بعض المصليين سوف يقف هذا الشيخ غير عابئ بهم، ليقيم صلاته ومَن أراد أن يُصلي خلفه كان بها ومَن لا يريد فذلك شأنه، لكنه سوف يقيم صلاته وهو على يقين أن كل القرية سوف تقف خلفه وتصلي على أمل أن يطالها بعض من حب عبد الرحمن ورقية، خاصة إذا سمعه الجميع وهو يقيم صلاته ويُعلمهم بأن بعضاً من هذا الحب سوف يصلي بينهم ويتخللهم وقد يتسرب منه إلى داخل صدورهم – أقول عندها سوف يصلي الجميع، وسوف يسحبون أنفاساً عميقة وكبيرة إثناء الصلاة وقد تحدث حتى مشاجرات بينهم وهم يتنافسون على سحب أكبر كمية من الحب الذي يعبق المكان، وقد يقطع الشيخ صلاته مرات ومرات ويقوم بتهدئتهم والفصل بين المتعاركين، لكنهم في النهاية لن يرضوا إلا بحل عادل يتقاسمون فيه الهواء بينهم بالتساوي، فيقف الشيخ ويُقسم بينهم الهواء ثم يدور إلى جهة القبلة ويقيم الصلاة لآخر مرة، وما إن يبدأ بالقراءة حتى تصله أصوات انفاسهم وهم خلفه يأخذون ويملئون صدورهم حتى آخر نفس ثم يعيدون ويزفرون في سماء المقبرة هواء مستنفداً من كل الحب الذي دخل وبقيَّ في داخلهم.

وكل ذلك أقوله أنا شخصياً راوي هذه القصة لأنني سوف أكون واقفاً بين المصليين، وسوف أتنفس الحب معهم، وسوف أتشاجر مع مَن يقف إلى جانبي لأنه حاول أن يسحب بعضاً من الهواء المخصص لي، وسوف اشكوه إلى الامام الذي يأتي بدوره ليفصل بيننا بخط قدمه على التراب. وفي النهاية وحتى لا أطيل الوقوف عند هذه الجزيئية من القصة، أقول أنه سوف نتنفس جميعنا الحب في ذلك اليوم، وسوف تتنفس قريتي التي عايشت يوماً حكاية حب كبير بين عبد الرحمن ورقية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وسوف تبكي القرية برجالها ونساءها وأشجارها وطيورها وحيواناتها بل حتى جدرانها سوف تبكي، إذ لا أحد وقف على حجم هذا الحب كما وقفت يوماً جدران القرية، ولا شمس شاهدت ولادة هذا الحب كشمس القرية في ذلك الصباح، ولا هواء شاركهما الحب كهواء القرية.

لذلك قطعاً لن تمانع هذه القرية دخولهما في قبر واحد، بل قد ترفض حتى فكرة فصلهما لو حدث العكس وأفتى الشيخ بفصلهما، وأنا إذ أسوق لكم من خيالي احتمالية رفض بعض المصليين للصلاة خلف الشيخ لا لأنه احتمال قد يحصل من أهل قريتي، بل لأمنح نفسي فرصة كافية للتعبير عن حجم الحب الكبير الذي عايشناه يوماً في قريتي "سمنو"، وأن اللغز الكبير في هذه القصة التي بدأت كتابتها ليلة أمس والتي لا أعرف بعد كم تنتهي – أقول اللغز الكبير ليس هو وجود عبد الرحمن في داخل قلب رقية، ولا كيف كان يعمل عبد الرحمن في داخل قلبها حتى إذا وفاه الأجل توقف قلبها عن العمل، وليس في سر وفاة رقية بعد وفاة عبد الرحمن بساعة واحدة، ولا لأن سبب موتها السريع بعده راجع لأن مَن يعمل في داخل قلبها ويحرك عضلاته هو عبد الرحمن كما ستعرفون لاحقاً، ولا لأن قلبها المسكون بـ عبد الرحمن صار عاجزاً عن النبض بعد ساعة من وفاته، ولا لأن عضلات قلبها باتت فاشلة وواهنة عن العمل بعد أن توقف عبد الرحمن عن العمل داخل القلب، بل اللغز الذي دفعني لكتابة هذه القصة هو ما حصل واحد داخل مقبرة سمنو بعد أن دفنا عبد الرحمن ورقية في قبر. يومها سوف لن يكون عند أي واحد منا شك ونحن نعيد عليهما تراب القبر بأنهما سيمضيان معاً من تحت الأرض إلى الجنة بهد أقل من ساعة، وليس عدم وجود شك بل أن بعض منا صار يضع حتى احتمال للجهة التي سوف يسلكانها من تحتنا، وبعضهم أشار إلى جهة الشرق بحجة أن مكة هناك، وآخرون قالوا إن للجنة عدة طرق وأن بعضها لا يمر بمكة، لكن الشيخ فصل في هذا الجدل الذي كاد يتطور إلى عراك بيننا حين أكد أن الله وحده يعلم مكان الجنة ووحده يعلم كم طريق يقود لها.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/7278

* نشر المقال كاملا بصحيفة (فسانيا) التي تصدر صباح كل أحد.

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com