http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

نورالدين خليفة النمر: "رّد الهدية"... تحية إلى سعادة السفير

ليبيا المستقبل 0 تعليق 11 ارسل لصديق نسخة للطباعة

"رّد الهدية"... تحية إلى سعادة السفير
 




عالم الأنتروبولوجيا الشهير (إدوارد أيفانز برتشرد) الذي القى بسهمه الوافر في نظرية المجتمع الأنقسامي (fragmented society) التي تضئ إلى حدّ ما الحالة العبثية المبعثرة التي تعصف راهنا ومنذ سنتين داميتين بالبلاد الليبية، هو من إنخرط في خذمة الجيش البريطاني المنتدب على ليبيا بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية بعد خذمة مشابهة كضابط في السودان وبلدان أخرى: مستشارا للحاكم البريطاني في شؤون القبائل الليبية. هذا العالم الحُجّة في مجاله، ألّف عددا مهمّا من الدراسات العميقة النافذة في مضمار علم الإناسة (الأنتروبولوجيا) شملت "القبائل النيلية" في جنوب السودان: كــ "النوير، والزانادي، والشيلوك" أعقبها بكتاب لم يلتفت إليه ليبياَ كما هو منتظر من غالبية الليبيين الذين لايقرأون، وعربيا من قبل الباحثين العرب الذين لاتهمّهم ليبيا المهملة دائما من أذهانهم. الكتاب أسمه (سنوسيو برقة) وصدر عن جامعة أكسفورد في عام 1949 حيث مازالت ليبيا تحت الأنتداب البريطاني، وقد ترجمته للعربية دار الفرجاني الليبية العتيدة عام 1969 أي سنة إنقلاب العسكر المشئوم الذي حجب ليبيا عن أنظار المعرفة وحجب بدوره هذا الكتاب الهّام الذي يعتبر مرجعا تاريخيا وسيوسيولوجيا هاما عن قبائل "برقة" المسمّى التاريخي للأقليم الشرقي من ليبيا الحديثة. الحجب الذي حاق بالكتاب الثمين ربما هو ماجعله في منجاة من تشنيع (إدورد سعيد) في كتابه - المؤسس - في نقد الفكر الأمبريالي الذي عنونه بــ "الأستشراق".

الذي دعاني إلى كتابة هذه التوطئة عن عالم الأنثروبولوجيا الجليل، هو المقال الذي كتبه سعادة سفير بريطانيا في ليبيا (http://www.libya-al-mostakbal.org/news/clicked/87522) هديّة تفاؤل وأمل إلى ليبيا وهي تدخل العام الجديد بأمل جديد يحفّه التوافق السياسي، وربما السلم الأهلي الليبي ــ الليبي الذي ربما سينقذ البلاد من المخاطر والنذر التي خبئتها وربما مازالت تخبئها الأجندات المحلية والأقليمية وربما الدولية المخرّبة. 

الذي ادهشني ولفت إنتباهي في هدية السفير، نظره للمسألة السياسية الليبية، التي إنفقأت  منذ سنتين دّملا أنفجر في وجوه الليبين بل العالم عنفا قاتلا، وفظاظة، وبدائية مجتمعية بل عبثية قلّ في عالمنا الحديث نظيرها، مموضعا أمل الليبيين في الأمن والأستقرار والسلام في روايةللكاتب الأنجليزي العظيم (تشارلز ديكنز) "الآمال الكبرى" أو الكبيرة، وهي رواية تلحق عادة من قبل الدارسين ونقّاذ الأدب إلى لون أو نمط (الرواية التكوينية) أو "البيداغوجية"، حيث يتتبع الكاتب قصة إنسان(طفل)  في سعيه للنضج، من مرحلة الطفولة وحتى يبلغ أشدّه. فالآمال الكبرى إذن رواية تتحدث عن قصة "بيب"، الطفل اليتيم، من طفولته المبكرة وحتى بلوغه ومحاولته لإدراك النبل والحصافة أثناء مسيرته تلك. وتجري احداثها من عشية عيد الميلاد عام 1812 م، عندما كان بطل القصة في السابعة من عمره، وحتى شتاء 1840م. ويمكن اعتبار الرواية قصة شبه ذاتية للكاتب ديكنز، على غرار الكثير من أعماله، يستقي فيها من خبرته في الحياة ومع الناس.  

المغزى الذي رمى إليه السفير المثقّف، في مقاله الذي أهداه إلى الليبيين بمناسبة أعياد  ميلاد السيّد المسيح، وحلول السنة الميلادية الجديدة التي أرتبطت في أذهان النخبة الليبية المثقّفة بذكرى ميلاد دولة إستقلالهم المجيد  الذي ساهمت بريطانيا الدولة الليبرالية المنتدبة على ليبيا بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية في إنجازه عام 1951، لايحتاج إلى تعليق كثير مني أنا الذي أنفقت وقد ذرفت على الستين من العمر جلّ حياتي درسا للأدب العالمي، واستمتاعا بقراءة عيونه وعلى القمّة منها روايات تشارلز ديكنز. واولّها "ديفيد كوبر فيلد"، وثانيها "قصة مدينتين" عن الثورة الفرنسية التي قرّرت علينا قراءتها باللغة الأنجليزية في المدرسة الثانوية أيام كانت هناك مدرسة في ليبيا، و"اوليفر تويست" الرواية العذبة الساحرة التي مازال مذاقها اللاذع في فمي... هذه الروايات الثلاثة كما يعلم سعادة السفير والقراء الذين أدمنوا الأستمتاع بأزاهير المخيّلة الروائية للكاتب الواقعي الساحر  ديكنز، وبالذات قصة مدينتين، واوليفر تويست  اللتان نُدرجان في أدب الخيبة والشدة الذي تبعه الكاتب العظيم بروايات معتمة أخرى ك: "أوقات عصيبة، والمنزل الكئيب، وصديقنا المشترك الخ". "الآمال  الكبرى" أو الكبيرة: الرواية المبعثة للأمل والتفاؤل والتي تعتبر إستثناء في أدب ديكنز والتي  لاأذكر أسفا  إني قرأتها هي التي يضمّنها السيّد السفير (بيتر ميلت) في هدّيته لليبيين  عظة، وتذكرة  محفزّة  لهم  في هذه الأوقات العصيبة التي تمرّ بها بلادهم، أن لاييأسوا ويتشبتوا بالأمل في إنبعاث بلادهم ليبيا الحرّة الديمقراطية المدنية التي أنبعتث دائما  إنبعاث "طائر الفنيق" الأسطوري الذي من رماده يولد. 

عودا إلى التوطئة التي أفتتحت بها مقالي عن عالم الأنتروبولوجيا الشهير (إدوارد أيفانز برتشرد)، أقول أن الدافع  وراء إرسال بريطانيا عالما أنثروبولجيا مرموقا إلى شرق ليبيا  ليس هو مااوردته هواجس المؤامرة في الأدبيات القومجية العروبية التي هيمنت على الليبيين ردحا من الزمن بل هو دراسة واستكشاف السر الناذر الذي ألهمت به الحركة الأصلاحية السنوسية  فطرة  بدو القبائل العربية الليبية الذين كانوا على هامش الجغرافيا أن يلعبوا دورا متقدّما في التاريخ فيما آبانه العلاّمة (ابن خلدون) في مقدمته الثمينة من، "أن العرب لايحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم(إصلاح) من الدين على الجملة". 

لقد لعبت بريطانيا دورا بناءا في تأسيس ليبيا الحديثة على الأسس الدستورية والديمقراطية التي تتلائم مع ذهنيات الليبيين وظروفهم الأجتماعية والثقافية من عام 1951 وحتى عام 1969 عندما قفز ضباط الجيش الصغار على السلطة بقيادة ملازم أهوج مغمور نكّل بالليبيين وأخّرهم عن ركب التقدّم طوال أربعة عقود. ليس هذا فحسب بل نكاله وعبثه شمل تلك العلاقة المطوّرة البناءة التي نسجت بين الشعبين الليبي والبريطاني التي تجلت في تقديم معونات، ليس أقلّها ماأورده السياسي والوزير الأول في حكومات دولة الأستقلال (عثمان الصيد) في "مذكراته" بشأن هدّية بريطانيا لدولة ليبيا وهي تشرع في 24. ديسمبر عام  1951 في تأسيس دولتها المستقلّة وأقصد الأتفاقية المالية الليبية البريطانية التي تتعهّد فيها بريطانيا تقديم دعم مالي الى الدولة الليبية(الفقيرة والمعدمة وقت ذاك) في حدود 3.570.000 مليون جنيه أسترليني (المحصّلة من دافع الضرائب: المواطن الأنجليزي)  تخصّص منها 2 مليون وخمسة وسبعين ألفا لدعم الميزانية ومليون للتنمية. والتي قوبلت بمايشين الليبيين من طرف الدكتاتور البدائي وزمرته الغابرة بدعم كل ضروب القتل والأرهاب التي مسّت المواطن البريطاني في امنه المعيشي، وهو مالانريد أستدعاءه في هذه الأوقات التي يملئها التفاؤل والأمل. 

لقد آن الآوان - وهو ماستؤسس له حكومة التوافق الوطني المرتقبة وماستساعد فيه بريطانيا - أن تقاد ليبيا من نخبتها المثقفة التي أدركت أنوار العهد الأستقلالي الوطني، وأنفتحت على معارف الليبرالية الغربية/ الأوروبية وأذواقها وخلقياتها التحضرّية، التي تبنّتها، وروّجت لها الحكومات الرشيدة  لدولة الأستقلال  المرّشدة بحكمة الملك المتحضّر (إدريس الأوّل) والنخبة السياسية لدولته الرشيدة، وهوالذي كان شاغله وهمّه، رغم كل الهنات السياسية التي شابت عهده، مستقبل الليبيين وتطلّعات الغالبية منهم في الحياة المنفتحة الكريمة، والذين لم تلوّث عقولهم المعتقديات المنكفئة على الذات القومية الوهمية، وفيما بعد التقهقرات التزمتية الماضوية الأسلاموية التي غذّاها الدكتاتور الغابر بالجهل والعنف البدائي الفوضوي، والتي تلعب منذ أربع سنوات وحتى اليوم مع القبائليات والجهويات الفاعلة في الجينات الليبية والمدججة بالأسلحة حتى أسنانها دورا مدمّرا في ليبيا اليوم خرابا وقتلا عدميا عابثا.

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8441

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com