اخبار ليبيا رمضان

صندوق الثروة السيادي الليبي .......المعضلة والحل !

بوابة افريقيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



 في كتابهما "الثروة العامة للأمم The public wealth of nations " الصادر في عام 2015، أشار الخبيران الاقتصاديان "داج ديتر" و"ستيفان فولستر" إلى أن الأصول (املاك واستثمارات) حول العالم إذا ما تمت إدارتها بشكل محترف يمكنها أن تولد عائدات سنوية تقدر بنحو 3 تريليون دولار، وهو ما يتجاوز حجم الإنفاق العالمي الحالي على البنية التحتية العالمية كالنقل والطاقة والمياه والاتصالات.(المصدر: البنك الدولي 2015)

وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا نرهق أنفسنا في التفكير بشأن مصير هذه الأصول؟ والاجابة وبكل بساطة هي أن مجموع رؤوس أموال جميع أصول صناديق الثروة السيادية الموجودة على سطح الكوكب تقدر ب 75 تريليون دولار جلها مصنفة كملكية عامة.

1- إدارة الثروة أهم من إدارة الديون

تمتلك الحكومات في جميع أنحاء العالم أصولاً عامة تقدر قيمتها بنحو 75 تريليون دولار كما ذكرنا وتشمل كافة أنواع الموجودات التي يمكنك تخيلها من أراض وعقارات وموانئ ومطارات وجسور وسكك حديدية ...الخ، منها ماقيمته 10 تريليون في شكل استثمارات ومحافظ ، والتي غالبًا ما تدار بشكل سيئ مؤسسيًا ولا تظهر حتى في ميزانيات البلد العمومية ، إلا أن عملية حصر وتقييم الأصول العامة غالبًا تكون صعبة للغاية لاسباب يطول ذكرها ةلايتسع المجال لتعدادها.

تكمن المعضلة الليبية في ان الاصول العامة الثابتة في داخل البلاد وخارجها لم يتم حصرها بشكل نهائي بعد ، كما أن إدارة القائم منها تتم محاسبته وتقييمه بشكل ضعيف وبشكل غير حرفي في الاساس، وهي تشابه اليونان من ناحية حصر املاك الدولة بسجلات ملكية سليمة ، فاليونان لا تملك سجلًا وطنيًا كاملًا للأراضي التي من المفترض أنها ملكية عامة في مقابل حصرها لاكثر من 90 % من مباني الدولة واصولها الثابتة بالداخل ، فلو تمت ادارة الأصول العامة بطريقة جيدة لعملت على توليد إيرادات معتبرة ساعدت اليونان في تخفيض ديون البلد وبالتالي ستخفض من أعباء الضرائب عن كاهل المواطنين، فضلًا عن مساهمتها المباشرة في مكافحة الفساد عن طريق الحد من الاستخدام الجزافي لأصول الدولة من قبل المسؤولين وهو ماينطبق تماماً على الحالة الليبية ، والفرق بين ليبيا واليونان يكمن في ان ليبيا وبفضل الله دولة غير مدينة لاحد ولكنها عانت وتعاني من فقدان الادارة المهنية الصحيحة لاغلب مرافق الدولة.

2- اعادة التنظيم الاداري المقرون بالحوكمة

في بلدنا ليبيا المكاشفة هي أساس "المساءلة" ، وفي غياب الشفافية والانفتاح والوضوح بشأن طريقة إدارة الأصول العامة لا يمكن أن تكون هناك أي مساءلة فعالة للقائمين على إدارتها (الحكومة وادواتها التنفيذية) من قبل السلطة التشريعية وادوات الرقابة والمحاسبة وبالتالي فهم أشبه بمن يقف في الظلام ، ولتبسيط الفكرة أكثر: وزارة المالية والتي من المفترض أنها المالك المستفيد للبنك المركزي في كل العالم تقريباً، ففي بعض الدول فان ذلك يعد واضحاً و حقيقة دامغه بشكل جلي لا لبس فيه كالمملكة المتحدة والتي يعتبر فيها بنك إنجلترا رسميًا شركة مساهمة تمتلك وزارة الخزانة جميع أسهمها (منذ عام 1946) ، وعلى النقيض من ذلك في بعض البلدان فإن العلاقة بين وزارة المالية والبنك المركزي تخول للأولى الحصول على إيرادات نشاط الأخير غير واضحة ومحاطة بقدر من الغموض كما هو الحال في إيطاليا واليابان.

إن الكثيرين يشيرون دائمًا إلى بعض الدراسات التي توضح أن الشركات المملوكة للدولة (الشركات العامة) تحقق عوائد أقل من نظيراتها المملوكة للقطاع الخاص ، وكأن هذا هو قدرها المحتوم ، متجاهلين وجود الكثير من الشركات الحكومية حول العالم والتي تدار بشكل ممتاز مثل "ستات أويل" النرويجية و" ارامكو السعودية"، والمحفظة طويلة الاجل في ليبيا....الخ ، ومن أجل إدارة أفضل للأصول العامة بشقيها (املاك واستثمارات) فإن إتباع المهنية في اختيار الادارات المهنية المقرونة بالشفافية (الحوكمة) هي الخطوة الحاسمة في هذا الاتجاه بدليل أن هناك بلدان لديها نهج يتسم بالكفاءة والمهنية والشفافية في إدارة أصولها العامة مثل النمسا وفنلندا ونيوزيلندا وسنغافورة والسويد، حيث تقوم بنشر تقارير سنوية توضح أداء أي أصل من الاصول التي تمتلكها الدولة وبكل شفافية.

3- دورصناديق الثروة السيادية

يقترح "ديتر" و"فولستر" أن تنظيم وتجميع الأصول المملوكة للحكومة (بالداخل والخارج) تحت مظلة صندوق ثروة سيادي واحد، والذي سيكون بمثابة صندوق أسهم خاصة مملوك للقطاع العام، تتم إدارته بطريقة شفافة من قبل الخبراء دون تدخل السياسيين هو المفتاح ، وسيكون مصدر هام من مصادر الدخل القومي ، وأن أبرز ما قد يعيق الإدارة الناجحة للأصول العامة هو وجود علاقة غير مستقرة بين القائمين على ادارتها والساسة، وهو ما يساهم في تفويت الكثير من الفرص، بل والأسوأ من ذلك بأن تصبح هذه الأصول ضحية للتدخل السياسي والمحسوبية والفساد كما هو عليه الحال في ليبيا.

ان الاعتقاد السائد بأن الصناديق السيادية تدار بواسطة خبراء ماليين فقط هو اعتقاد غير صحيح ، فالفرصة في الاستثمار تأتي من رجال اقتصاديين يملكون نظرة ثاقبة ورؤية صحيحة ، وبدورهم يحيلونها للرجل المالي الذي يحدد جدواها من عدمه سواء على المدى القصير او المتوسط أو البعيد ، كما ان الاعتقاد السائد بأن الصناديق الاستثمارية تستثمر فقط في الأصول المالية قصيرة أو متوسطة الأجل هو الاخرغير صحيح هو الاخر، ولكن للدولة في المقابل أن تحتفظ بحقها في فرض ضوابط على جميع الممتلكات العامة والاستثمارات ، وتعيين مدققي الحسابات، والمديرين غير التنفيذيين المسؤولين عن تلك المحافظ ....الخ ، وهذا يعني بان يكون الاستثمار متنوع حاله حال الاصول العامة المتنوعة اصلاً (هجين).

هذا النهج (الهجين) في تملك الاصول العامة وادارتها سيسمح بتوحيد جميع الأصول العامة تحت كيان واحد له خطة استراتيجية متكاملة في بحر سنتين الى ثلاث سنوات، بشرط ان تدار بكفاءة ومهنية ووفق المعايير الدولية ، ولتبسيط الفكرة اكثر إليكم هذا المثال الحي : صندوق الثروة السيادي النمساوي (ÖIAG) يمتلك محفظة من الأصول العامة تعادل قيمتها نحو 25% من القيمة الإجمالية لسوق الأسهم النمساوي (2015) ، وهذا الصندوق كان قد تأسس في العام 1946 كخطوة استباقية لتأميم الصناعة النمساوية قبل الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال السوفيتي، مع الاخذ في الاعتبار ان النمسا ليست دولة صناعية كما انها دولة مغلقة لاتمتلك بحر ولاسواحل، وفي العام 1970 وبعد خسائر متزايدة كان سببها الوحيد هو التدخل السياسي تم تحويل الصندوق إلى شركة قابضة مستقلة، وتم استبعاد كافة السياسيين واقاربهم من مجلس الإدارة ، وكما يقولون العبرة بالنتائج ، فاليوم يحقق الصندوق عوائد معتبرة، بل وتمكن من سداد الديون التي تراكمت عليه قبل عام 1970 عندما تحول الى شركة قابضة مستقلة كما ذكرنا.

الخلاصة : إن طريقة إدارة الثروة العامة هي واحدة من اللبنات المؤسسية الحاسمة التي تمايز بين الدول الناجحة والفاشلة ، وانا ادعم وبشدة مشاركة القطاع الخاص المقننه في اقتصاد الدولة الليبية ، وفي المقابل أود أن أ شير إلى أن مؤيدي الخصخصة تغيب عنهم نقطة مهمة جدًا أثناء جدالهم اللامنتهي مع مؤيدي القطاع العام، وهي أن ما يهم العامة من الشعب عندما يتعلق الأمر بالأصول المملوكة للدولة هو كفاءة إدارتها ومدى مساهمتها في الدخل القومي للبلد كصندوق للحاضر او حتى للاجيال القادمة ولا يهمهم شيء غيره.

وفي الختام أدعو كل من مجلس ادارة المؤسسة الليبية للاستثمار ومجلس امنائها والمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي ومصلحة املاك الدولة (الاملاك العامة) الى التكاثف كي ننهض باملاك الدولة واستثماراتها و التي ستصبح ايراداتها رقماً صعباً في ميزانية الدولة او في حساب الاجيال القادمة.

د. عبدالله ونيس الترهوني

الخبيرالاقتصادي الليبي في النقل الدولي والتجارة الدولية

 

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




0 تعليق

مركز حماية DMCA.com