http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

مواسم الموت على شواطئ ليبيا

الوسط 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كان يجب أن يتجاوز عدد المهاجرين الغرقى الذين تكسرت قواربهم بين الشواطئ الليبية والايطالية (المئات) حتى تُصدم روما.. حدود الفاجعة  قبل هذا الرقم الكارثي لم تكن تتجاوز شواطيء لامبيدوزا...هنالك يجتر سكان المكان منذ سنين ضراوة الوجع والدموع؛ في تشبت بنسبة الارقام التي قد تخفف من وقع الخبر. (خمسون غريقًا ليس مئة؛ إذآ الحال أفضل.) لكن كارثة غرق باخرة ذاك الأحد (19 ابريل 2015) قد تجاوزت حد المعقول (المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إيطاليا كارلوتا سامي تحدثت عن "800 شخص قضوا في الحادث"، من سوريا وأرتريا والصومال ومالي وبنغلاديش وغامبيا.... أبحروا من طرابلس تجاه الجزر الإيطالية قبل أن يقلب لهم القارب ظهر المجن. (الحصيلة/المفجعة  التي سيتم تأكيدها من طرف المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة فلافيو دي جياكومو في تقرير لاحق).



كنت بروما عندما وصل خبر هذه الكارثة الإنسانية المفزعة، والذي أقام الدنيا ولم يقعدها...... لساعات. ربما ليوم أو لليوم التالي. قبل أن يتحول الجدل الى ساحة السياسية، وحسبة من عليه ان يدفع كلفة التصدي لموجة الهجرة القادمة من بلد هو بذاته على حافة الهاوية. وقد أرعبتني حينها هذه السرعة في تجاوز خبر موت هؤلاء الغرقى، او القدرة على هضم الأمر كمن يهضم طعام عسيرا لا غير. وذلك سواء في احاديث الناس او على مساحة أجهزة الاعلام. (بدأ لي الأمر مؤشرا على خلل قد أصاب تركيبة الضمير الإنساني).!!

ما الذي جرى للإنسانية بعد التيتانيك؟
على عكس ما يحدث مع كوارث البحر في هذا الزمن، كان غرق التيتانيك قد حفر إنهارا من الاسى والفجيعة في قلوب أهل الشمال (لم تكن الارض معولمة في ذاك الوقت)، كان موت من مات قد سقط على رأس الناس "كجلمود صخر حطه السيل من عل". واستمر وزن هذه الواقعة يتكلكل على ظهر القوم حتى الساعة؛ باعتبارها كارثة الكوارث في تاريخ النقل البحري العالمي. ولكن.... سيُكتب على البشرية ان ترى فواجع مشابهة كثيرة في بحار  الشمال والجنوب.... وانهارهما. وصار خبر الغرق والموت والعواصف يحتل واجهات الصحف ومقدمة نشرات أخبار المساء، ليصبح الخبر الأخير مع نشرة الصباح.. قبل ان يقفز الى خلفية من الصمت اللامبالي بعد عدد قصير من الايام... لقد تحول خبر الموت غرقا الى قصة "نهار وليلة" وكأن الانسانية قد اكتسبت مناعة "جديدة" ضد الأسى الذي يفرخه موت الملايين في غياهب المحيطات. في ضوء هذا الوجع الخرافي الوقع جعل أمين معلوف من باخرة التيتانيك المنكوبة؛ المؤسسة لتلك الفاجعة الكونية؛ مسرحا "لخارطة طريق" لروايته العالمية النجاح "سمرقند".  ولكن هذا التجلي ذاته؛ والمُعانق لآلاف من التجليات المُشابهة (من موسيقى وأغان وافلام ورويات.... كما لم يحدث مرة مع فاجعة على الارض)، سرعان ما سيُصدم بواقع كارثة بحرية مُضافة عصفت بالسفينة "إستونيا" نهايات القرن الماضي في بحر البلطيق (في 28 سبتمبر 1994) والتي ابتلعها اليم في طريقها من العاصمة الاستونية تالين الى ستوكهولم، مخلفة وراءها 852 قتيلا، (501 منهم كانوا من السويد). ولكن ورغم فداحة عدد الغرقى الذي جرح ضمير العالم لبرهة، وعصف بقلوب أهل الشمال عصفا موجعا، حتى ان السويد اعتبرتها ابشع كارثة مزقت تاريخها المعاصر (أعلن رئيس الوزراء السويدي في ذلك الوقت انغفار كارلسون، قرار الحكومة السويدية بعدم انتشال السفينة واعتبار مكان غرقها قبرا جماعيا؛ حيث تم ردمها واتخاذ عدد من الاجراءات لضمان احترام حرمة القبر وما يحتاجه من حماية قانونية)،  إلا أن صدى الفاجعة لم يدم لأكثر من أيام...(لا أحد يتحدث اليوم عن هذه الكارثة إلا في تاريخ ذكراها). الغرق قبل أن تطفو جثة إيلان، لم يعد يقلق العالم.... خبر يقال ويمضي....وحتى فجعهم إيلان بجسده الصغير الملقي على أطراف الكون كطعنة أصابت قلب البشرية. (سوف لن أتوقف هنا أمام قتله مرة أخرى برسوم شارلي إيبدو، فقد قامت الملكة رانيا بما يجب في هذا الصدد). لكني سأشدد على إن الموت على شواطيء المتوسط صار منذ ذلك التاريخ يلفت الأنظار من جديد. وأصبح له على نحو مفاجيء طعم "الالم العالمي". ودخلت شواطيء ليبيا في الحسبة المرة، والصعبة المقاس من هذا الباب. ليست فقط لأن ماء البحر "الليبي" المالح/ الكالح  قد جرى بالدماء بعد ذبح "داعش" عشرات من المصريين الأبرياء على شواطيء سرت "المحتلة". ولكن أيضا لضخامة عدد الجثت التي صارت تطفو على ذلك الشاطيء المتوسطي المكسور الجناح. (جثت من كل جنس ولون وواقع ووجع وألم وطغاة). جثت دفنت هنا وهناك، بعد أن "ألقت بعصاها وأستقر بها النوى"... في أم "اليم" الليبي.

قوارب الهجرة سلاح داعش ضد الغرب
كان الطاغية القذافي قد هدد الغرب، إن لم ينهض لنجدته من طوفان الثوار في السابع عشر من فبراير 2011، بفتح الباب أمام المهاجرين الأفارقة لغزو أوربا......لكن داعش؛ بعد ان فتحت له  "سرت"؛ مدينة القذافي. أبوابها وفرشت له الطريق بالترحيب، هو من حوٓل قوارب المهاجرين الى سلاح تهديد "نووي" ضد الغرب. وقد فاقم تدهور الوضع الأمني في ليبيا؛ بعد تمدد الشقة بين أشقاء الثورة بالأمس، من حجم هذا التهديد، ونوعه. على النحو الذي صار معه ملف "الهجرة غير الشرعية" وتدفق الألآف المؤلفة من البشرالقاصدين أوربا عبر أرض ليبيا وبحرها، يزعج ويقلق ويرسم ملامح جديدة للخرائط الاستراتجية للمقاومة في حسابات الغرب/ والعرب.

والسؤال هو: ما الذي يدفع هؤلاء للهجرة، ولماذا يصرون على امتطاء قوارب متهالكة؟... وفق هذا السؤال ذاته، يؤسس ملف الهجرة (الذي قررت لها حكومة الوفاق الوطني "وزارة" قائمة بذاتها) رغم حداثة هذه المفردة على القاموس الليبي، لمعضلة إنسانية وسياسية/ارهابية متشابكة وشديدة التعقيد. فإن الآلاف العازمة على المضي عبر البحر الليبي إلى أوربا تشكل مزيجا إنسانيا غير مسبوق. وفق تجمعهم من مختلف أصقاع الأرض على الاراضي الليبية (من أقصى الشرق الآسيوي وأقصى الجنوب أو الشرق والغرب الأفريقي../ عرب وعجم وأفارقة).. بينهم شريحة كبيرة من دون شك هم الفارون من الحروب والطغاة (في سوريا أو القرن الافريقي أو السودان.... أو بعض مناطق أفريقيا). إلا أن الشريحة الأكبر  تضم ما يُسمى بالعازمين على "الهجرة الاقتصادية". مع ذلك نجد إن صعوبة الحصول على التأشيرة لبلدان الشمال جعلت سبيل هؤلا إلى "الجنة الموعدة"  يمر عبر بوابة مهربي البشر، ومصاصي الدماء. والذين يكتفون بوضعهم على تلك القوارب ودفعهم نحو الموت، او الحياة في مراكز التوقيف، حيث يتهددون بالعودة من حيث أتوا. (خاصة وقد زاد من صعوبة المقام هناك انزلاق شريحة جديدة بين هؤلاء - وهي الأخطر في الحسابات الدولية- هي شريحة الجهاديين/ او الإرهابيين).

في حقيقة الامر هذه الشريحة الصغيرة كان لها أن تقلب ميزان الأمور فيما يتعلق بآليات التعامل مع المهاجرين في أوربا ممن تُكتب لهم النجاة من الغرق. وأصبح المهاجر، أياَ كانت محركات هجرته، والمأساة التي جعلته يفترش البحر لينجو بجلده، مُنظوراَ إليه نظرة ريبة وشك، وأنه ربما يقصد أوربا ليفجر نفسه.

الغرق أو التوقيف
تروي لي ليلي السورية (التي كنت قد التقيتها في مخيم الزعتري بالأردن) أثر تحررها من سجون الطاغية الاسد، الذي عرفت فيها ألواناَ من القمع والقهر والموت البطيء، وشهدت على الكثير من الماسي والمجاز والاغتصاب.... قبل ان يقايضها رجال الجيش السوري الحر بعدد من أسراهم من (رموز النظام)، إن ما أصاب الثورة من خيانات جعلها عرضة لتهديدات مُضافة حتى في المهجر. وإن عصف مُصابها جعلها تيأس الحياة وصارت تفضل الموت. (حاولت الانتحار وتم انقاذها)، هكذا تطوعا أحدهم لنجدتها من ذلك اليأس، قال لها بإنه يكفي أن تدفع  ألف يورو لكي ينقلها عبر ليبيا إلى الشواطيء الإيطالية. شرح لها أن الوضع في ليبيا قد حول هذه الشواطئ إلى بوابة مفتوحة على أفق العالم؛ وإنه يكفي أن تجد المبلغ لتكون بعد أيام في أوربا. (حاولت إقناعها بان عبور البحار خطر مُضاف، وبأن تنتظر بعون الله حلاَ أضمن...لكنها لم تكن تسمع. كانت تحلق في أفق مقامه بين الموت والحياة).

لم  تمض ايام حتى وصلتني منها رسالة على الهاتف (أنا الآن في ليبيا)...وأردفت هذه الجملة الواردة بين قوسين بمقولة للمناضل الأسطوري تشي جفارا: "كنت أتصور أن الحزن يمكن أن يكون صديقاً! لكنني لم أكن أتصور أن الحزن يمكن أن يكون وطناً نسكنه ونتكلم لغته ونحمل جنسيته!". . .بعد أسبوع اتصلت بي هاتفيا لتخبرني بأنها وصلت أوربا بعد أن فقدت في البحر نصف من خاض معها تجربة العبور المأساوي (وأنها الآن في مركز توقيف/ ينظرون في طلبها بشأن اللجوء الإنساني).....وحيث لازالت ساعة كتابة هذا المقال.

صديقتي الأستاذة سحر بانون وكيلة حقوق الإنسان بوازرة العدل في ليبيا، صارت تحدثني عن وجع غريب صار يسكن قلبها: حيال مسؤوليتها عن إعطاء تصاريح لدفن جثامين الغرقى دون تحديد هوياتهم. تشرح لي كيف ترتعد يدها كل مرة توقع فيها على تصريح دفن غريق.. (غريب وبعيد عن وطنه) على ورقة لا تحمل أكثر من رقم ملف "عينة البحث عن تحديد الحمض النووي". !!!

صار الحديث عن هؤلاء الغرقى على الشواطيء الليبية يسبق الحديث عن مأساة الشعب الليبي ذاته في ظل العصف وأخطار التقسيم وتهديد الدواعش... لقد استغرق أهل الشمال الليبي في مهمة جديدة لم يعرفها هذا البلد الطيب من قبل: حفر القبور استعدادا لدفن الغرباء....قبور كثيرة/مريرة ومجعدة الوجه. قبور لن تتعرف على من يسكنها حتى يأتي الله بفرج قريب. تشرح السيدة بانون أن "مهمة حفظ العينات وترقيم القبور وحدها ما سيتيح لمن سيبحث عن قريب ان يسترده في يوم ما"/ أن يسترد الموتى هوياتهم، وتمنح أسرهم حق لعنة الطغاة ....
______________________
 سعاد الوحيدي، أكاديمية ليبية

(عن جريدة الحياة)




شاهد الخبر في المصدر الوسط

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com